الأربعاء 18 محرّم 1441هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

ممارسة الشريعة في الدولة الإسلامية : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

fatwa almaslaha almorsala 10

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد فهذا جـواب الـمجلـس الـعلمي الأعـلـى عـن اسـتـفـتـاء أمـيـر الـمـؤمـنـيـن حــول "المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام".

نص السؤال الشريف

"... وفي هذا السياق قررنا أن تكون فاتحة أعمال المجلس العلمي الأعلى تكليفه، طبقا لما يراه من رأي فقهي متنور، بتوعية الناس بأصول المذهب المالكي، ولا سيما في تميزه بالعمل بقاعدة المصالح المرسلة، التي اعتمدتها المملكة المغربية على الدوام، لمواكبة المتغيرات في مختلف مناحي الحياة العامة والخاصة، من خلال الاجتهادات المتنورة، لأسلافنا الميامين ولعلمائنا المتقدمين، وهو الأصل الذي تقوم عليه سائر الأحكام الشرعية والقانونية المنسجمة والمتكاملة، التي تسنها الدولة بقيادتنا، كملك وأمير المؤمنين، في تجاوب مع مستجدات العصر، والتزام بمراعاة المصالح، ودرء المفاسد، وصيانة الحقوق وأداء الواجبات".

من الخطاب المولوي الكريم بالقصر الملكي بفاس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى لأشغال المجلس العلمي الأعلى، بتاريخ فاتح جمادى الثانية 1426هـ موافق 08 يوليوز 2005م

جـواب الـمجلـس العـلمـي الأعلى عـن اسـتـفـتاء أمـير الـمؤمـنين


ممارسة الشريعة في الدولة الإسلامية 

إن الشريعة الإسلامية لها من الأصول الاجتهادية المتجددة ما تستطيع معه أن تستنبط به أحكاما لكل ما يحدث في حياة الناس، وقد يتم ذلك الاستنباط عن طريق إعمال القياس أو رعاية المصلحة أو سد الذرائع أو مراعاة الخلاف أو الخروج من الخلاف أو غيرها من الأصول التي حققت للفقه الإسلامي مرونة وقدرة هائلة على استيعاب الوقائع.

ولقد كان الفقهاء المسلمون يميزون جيدا بين الأحكام المتوصل إليها مباشرة من خلال مساءلة النص وبين ما يتوصلون إليه عن طريق اجتهاد قابل للمناقشة.

وقد ذهب الفقه الحنفي خصوصا إلى تخصيص الحكم المستقى من دليل ظني بتسمية خاصة، فسمى ما ثبت به الإلزام بدليل ظني واجبا، في مقابل الفرض الذي ثبت الإلزام به بدليل قطعي، وسمى ما ثبت النهي عنه بدليل ظني مكروها كراهة تحريم في مقابل الحرام الذي ثبت النهي عنه بدليل قطعي.

واعتبارا لهذا الملحظ كان الكثير من العلماء يعبرون عما توصلوا إليه بالاجتهاد بتعبيرات خاصة، فكانوا يقولون عما يرونه غير جائز: إني أكرهه أولا أحبه، أو ما شابه ذلك من العبارات.

ومن خلال متابعة نشاط الاجتهاد في تشقيق أحكام جديدة تؤطر المستجدات تأطيرا شرعيا يمكن الانتهاء إلى أن للتشريع دلالتين متباينتين موضوعا وحكما.

أولـهـما :

تشريع مؤسس منشيء لأحكام ابتداء، يحسن أفعالا ويرتب عليها الحلية أو المثوبة، ويقبح أفعالا أخرى فيترتب عليها الذم أو العقوبة، وهذا التشريع هو من اختصاص الخالق سبحانه، وهو المعبر عنه بالخطاب الشرعي الذي هو في حقيقته خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، وهذا التشريع أعم من أن يقارن بالقانون، فهو يتناول أحكام العبادات، وعقد النيات، وأفعال القلوب التي منها الإيمان والصبر والتوكل والرضا بالقضاء والقدر، ومنها الكفر والحسد والنفاق وغيرها من الأفعال القلبية الخفية المؤثرة، وإن كان الناس لا يستطيعون كشفها إلا إذا تحولت إلى أفعال جسدية. ويبقى الجزاء على هذه الأفعال من اختصاص الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وثـانـيـهـما :

ترسيم أحكام تقتضيها شريعة قائمة ويتوقف عليها تحقيق مصالح الناس.

وهذا النوع من الترسيم هو الذي اندفع إليه الخلفاء بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانضمام شعوب كثيرة إلى دائرة الأمة الإسلامية، وأمثلة هذا النوع كثيرة لم يتوقف إنتاجها عبر تاريخ الأمة، وهي المستلزم الطبيعي لمشروعية الاجتهاد وبقائه ببقاء من لا يخلي الله العصر منهم للقيام له بالحجة.

فمنذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واتساع رقعة البلاد الإسلامية وجد الصحابة أنفسهم أمام ضرورة إحداث تنظيمات واستنباط أحكام جديدة تضبط بها حركة المجتمع.

ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد امتنع عن تسعير السلع ما دام السعر محكوما بنشاط السوق، وبجدلية العرض والطلب فقال عليه السلام: [فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق]، ومؤداه أن الله خالق أسباب التضخم والانكماش التي تتحكم في الأسعار طبيعيا على نحو يبدو جليا في تقلبات سوق المواد الاستراتيجية كالبترول في عصرنا. لكن فقه الصحابة اعتبر حالة الاحتكار غير الطبيعية داعية إلى التسعير درءا لمفسدة مصطنعة. وبهذا الجواز قال مالك وأبو حنيفة وأحمد.

ومن هذا القبيل أن تحدث للناس أوضاع تجارية جديدة فيعمل فيها الفقه قواعد درء المفسدة وجلب المصلحة فينتج حكما مناسبا، ومن ذلك أن التاجر إذا اكترى مكانا يبيع فيه سلعة واشترط منع غيره من أن يبيعها فإن هذا يعتبر تحجيرا واستئثارا بحق الغير وهو لذلك لا يجوز، وإذا وقع استُدرك بتسعير سلعة المكتري حتى لا يستغل تفرده بيعها لفرض أثمان ظالمة، وهذا الذي رآه الفقه هو من مستجدات الحياة وهو يشابه إلى حد بعيد مبدأ حماية القوة التنافسية للأسعار حاليا.

وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الإبل الضالة فمنع التقاطها لقدرتها على الوصول إلى غذائها ولعموم الأمن وعدم امتداد الأيدي إليها، لكن عثمان لاحظ تغير أحوال الناس بفعل اتساع رقعة البلاد فرآى أن تباع ويحفظ ثمنها لحساب صاحبها إذا طلبها.

ومن أنواع الاستحداث للأحكام أن عمر نقل دية الخطأ من العاقلة التي كانت تتضامن مع القاتل خطأ من أفراد القبيلة إذ جعلها في الديوان الذي أصبح يحل محل العاقلة في أداء الدية، فأصبحت الدولة تقوم مقام صندوق الضمان حاليا.


للاطلاع أيضا

فتوى من المجلس العلمي الأعلى في موضوع الجهاد

فتوى: المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

مقدمة : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

هوية الدولة في الإسلام : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

الإمامة العظمى: فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

عقد البيعة : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

استمرارية الدولة : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

الـصيغة الـتاريخية لممارسة الدولة المغربية لـوظيفـتها الـدينية : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

مجالات تـقـنـين الأحكام المدنية : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

خاتمة : فتوى المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube