وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
مديرية المساجد
مساجد المغرب
الجمعة 5 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 24 نوفمبر 2017
منجزات مديرية المساجد لسنة 2015

الصور

صور يوم المساجد
الوعظ والإرشاد الديني
تنظيم مهام القيمين الدينيين
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات
المذكرات
islamaumaroc
Print Email

مساجد الفترة الإدريسية والمكانة الخاصة لمدينة فاس

منظر عام لمدينة مولاي ادريس زرهون وفي وسطها مسجد وضريح المولى إدريس الأولوأهم هذه المساجد أربعة: جامع الأشياخ الذي شيد داخل عدوة الأندلس، وجامع الأشراف الذي بني في عدوة القرويين، وبكل منهما كانت تقام صلاة الجمعة زمن الأدارسة، ثم النواة الأصلية لكل من جامعي الأندلس والقرويين. وإذا كان الجامعان الأولان قد اندثرا، فإن التنقيبات الأثرية كشفت ما تغطيه الأتربة من بقاياهما وقامت بدراستها. على أننا نعرف، حسب ما ورد عند البكري، مثلا، أن مسجد الأشراف كان يتكون من ثلاثة بلاطات عمودية، ممتدة من الشرق إلى الغرب في اتجاه القبلة. أما الجامعان الآخران، فقد بقيا قائمين، لكنهما خضعا لأعمال شملت توسعة المساحة وتنظيمها، أثرت على شكلهما الأولي، إن لم تكن قد غيرته بشكل كبير.

هذان الصرحان التوأمان، جامع القرويين وجامع الأندلس، بنتهما كما هو معروف، الأختان المحسنتان فاطمة ومريم الفهري، وذلك في نفس السنة 245هـ/860-859م. لذلك جاء الجامعان متشابهين تماما في بنيتهما الأصلية، إذ كانا على شكل قاعتي صلاة، رفع سقفهما على أعمدة قسمت المجال الداخلي إلى بلاطات موازية لجدار القبلة. وكان عدد بلاطات جامع الأندلس ستة كما في نص البكري أو سبعة كما عند الجزنائي، بينما كان عددها بالقرويين لا يتعدى أربعة. أما الصحن فكان في كليهما واسعا ومغروسا بأشجار الجوز وبأنواع أخرى من النباتات. وقد كان كل واحد من الجامعين يتوفر على صومعة مربعة الشكل وعلى أقواس مرفوعة فوق سواري حجرية مستديرة مكونة من قطع أسطوانية موضوعة الواحدة فوق الأخرى. وهذه الخاصية تجعل منهما بنايتين تندرجان في إطار التقاليد المعمارية التي طبعت عمارة "المساجد المغربية الأولى التي عمدت إلى أن تضع أقواس بلاطاتها فوق السواري، إسوة بالمساجد التي بنيت بكل من بلاد إفريقية(تونس الحالية) والأندلس".جامع الأندلس بمدينة فاسوإذا كان جامع الأندلس قد فقد هيأته الأولى بسبب التوسيعات والتغييرات العميقة التي تعرض لها في عهد الخليفة الناصر الموحدي، فإن جامع القرويين قد حافظ بالصورة التي نعرفه بها، على مصلى فاطمة الفهرية ;ذلك ان توسيعات الزناتيين خلال القرن العاشر للميلاد، وتلك التي أحدثها المرابطون في القرن الثاني عشر الميلادي قد ابقت على النواة الأصلية مكانها،حيث أدمجت هذه النواة بطريقة ذكية ضمن البناية الجديدة، إلى درجة أن الزائر العادي أو غير المتيقظ لن يلاحظ أي فرق بين النواة الأولى هذه والأجزاء المضافة إليها، وذلك على الرغم من أن التدخلات والتغييرات التي شهدها مسجد القرويين كانت هامة جدا، سواء فيما يتعلق بالإضافات إلى الهيكل أو بالزخرفة. فمصلى القرن التاسع كان، كما أكدنا من قبل أكثر اتساعا منه طولا، ومشكلا من أربعة بلاطات موازية لجدار القبلة، يتقاطعها عموديا اثنتا عشرة بلاطا عموديا، يتوسطها بلاط يتميز باتساعه عن البلاطات الأخرى. على أن هذا البلاط الأوسع يتوسط خمسة بلاطات من الجهة الشرقية وستة غربا دون أن نعرف السبب في ذلك. لكن الأمر المهم، هو أنه تم حوالي سنة 778م، بناء قبة أمام المحراب.

 تكمن أهمية هذا الأمر في تثمين قيمة المحراب وفي الرفع من دوره ;وقد أصبح هذا الفعل تقليدا فيما بعد، بل صار القاعدة المتبعة عند بناء المساجد. أما أولى الصوامع الثلاث التي عرفها جامع القرويين، فكانت تحتل مكانا مواجها للمحراب آخذة بهذا التموضع بالنموذج الذي دشنه في بلاد المغرب الكبير جامع القيروان وصومعته.

فاس جامع القرويينبعد ذلك، وبفضل تدخلات الزناتيين في هذا الجامع، اتسعت رقعة المسجد بما مقداره ثلاثة صفوف من الجانب المقابل للقبلة. وهذه الصفوف تخللتها أربعة بلاطات غربا وخمسة أخرى شرقا، وتم اعتماد أقواس نصف دائرية متجاوزة(Plein cintre outrepassé) إبرازا لتناسق الفضاء الداخلي لقاعة الصلاة. وعند نهاية القرن العاشر للميلاد، وتحديدا في سنة 899م، تم تشييد قبة عند مدخل البلاط المحوري للمسجد.

وعلى الرغم من أننا لا نتوفر على نص يصف هذه القبة بدقة، إلا أن ما نعرفه اليوم عن بساطة عمارة تلك الفترة يسمح لنا بالقول إنها لم تكن تحمل زحرفة جديرة بالذكر. ذلك أن وجودها وحده كان يكفي، بدون شك، ليجعل من مسجد القرويين الأول مسجدا يتوفر على قبتين تبرز كل واحدة منهما أحد العناصر الثلاثة المهمة في أي بيت للصلاة، وهي المحراب والبلاط المحوري، والبلاط الأفقي الممتد على طول جدار القبلة، والذي سيكون له هو بدوره شأن في عناية بناة المساجد في القرون الموالية.

‏وخلال هذا القرن العاشر بنيت صومعة جديدة، وهي التي ما تزال ماثلة للعيان إلى ‏اليوم. والصومعة كما هو معلوم، عنصر أساسي في كل مسجد ;لذلك فصومعة القرويين هي وثيقة تاريخية بالغة الأهمية لمعرفة الهندسة المعمارية الإسلامية خلال القرن العاشر في المغرب ;  كل شيء في بنائها مفيد لمعرفة تصور البنائين إلى جانب اختيارهم لمواد البناء وطريقة استعمالها وتثبيتها في جسم المعلمة.

 فصومعة جامع القرويين برج تحول من وضعه المحوري، وهو الموضع الذي كانت تحتله أولى صوامع هذا المسجد، إلى وضع جانبي في البناية ;ثم إنه هيكل مربع الشكل (59.4 ‏متر لكل ضلع) يصل إلى علو 57,62‏متر، لينتهي لا بما يسمى العْزري (وهو البرج الصغير الذي يعلو عادة المئذنة في المغرب)، يل بقبة نصف دائرية ;

 أما السلم الداخلي فمكون من أبراج تتتابع مستقيمة تحت سقوف نصف أسطوانية (en berceau‏) ;وقد اختار البناؤون الحجر كمادة لإنشاء هذه الص.معة، لكن الأحجار المعتمدة لم تكن من النوع الجيد، مما دفع إلى طلاء واجهات الصومعة بلياط سميك من الرمل والجير حفاظا عليها ;هذه الواجهة ملساء لا تتخللها سوى فتحة عادية بسيطة، مكونة من ثلاثة فصوص على الواجهة المقابلة للقبلة، وكوة أخرى مزدوجة، مكونة من فتحتين مقوستين تفصل بينهما، داخل إطار مستطيل أملس، سارية صغيرة حن الرخام.

أما الجزء العلوي من الصومعة، فيحيط به حاجز عريض، خال من كل زخرفة، وقليل البروز على الواجهات.

هكذا إذن، نجد أن صومعة القرويين تنتمي في نفس الوقت، سواء في تصميمها أو في بنائها، إلى كل من الهندسة المعمارية التي كانت معتمدة في الأندلس أيام الأمويين وإلى تلك التي كانت سائدة في إفريقية زمن الأغالبة.

والملاحظ أن مؤرخي الفنون الإسلامية لا يفتأون يؤكدون هذا التلاقح بين تأثيرات مشرقية وأخرى مغربية، كتب لها أن تجتمع وتتجلى في صرح واحد: الأولى قادمة من إفريقية الفاطمية، والثانية من الأندلس السنية، مالكية المذهب.

من كتاب مساجد المغرب إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2011 عمل علمي يقدم رؤية شاملة عن مساجد المغرب عبر العصور. تم إعداده استنادا على بحث تاريخي أركيولوجي حول المساجد٬ وقام بتأليفه مجموعة من الجامعيين٬ وأشرف على تنسيقه الأستاذ عبد العزيز التوري..