الأحد 19 ذو الحجة 1441هـ الموافق لـ 9 غشت 2020
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

محمد يسف: المجتمع المدني في خدمة القيم الدينية

محمد يسف: المجتمع المدني في خدمة القيم الدينية

ألقى الاستاذ  محمد يسف، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، في حضرة أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يوم الخميس 26 رمضان 1435هـ الموافق لـ 24 يوليو 2014 بمسجد محمد السادس بمدينة وجدة، الدرس السادس في سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1435

تناول فيه بالبحث والتحليل موضوع "المجتمع المدني في خدمة القيم الدينية" انطلاقا من قول الله تعالى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون". 

وفيما يلي نص الدرس:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

 

مولاي أمير المؤمنين

أتشرف بإلقاء هذا الدرس في مجلسكم الديني العلمي المنيف الذي تتنزل عليه السكينة وتغشاه الرحمة وتحفه الملائكة، والغاية منه التذكير بالأمر العظيم الذي يشهد عليه التاريخ، وهو أن جدكم المصطفى صلى الله عليه وسلم، قد صنع واقعين كبيرين، صنع المدينة بمعناها السياسي، وبنى في هذه المدينة مجتمعا لم يعرف له مثيل قبل ذلك في باب اهتمام الناس بالشأن العام.

فالمدينة بالمعنى السياسي هي التي افتخرت بها أثينا الإغريقية قرابة عشرة قرون قبل البعثة المحمدية وأطلق عليها فلاسفة اليونان اسم Polis، ولكن المجتمع الذي بناه الرسول الأكرم على الأخوة والتعاون والتساكن والتسامح والمجاهرة بالحق، لم تتوفر كل مقوماته في مجتمع أثينا.

ونظرا للأبعاد التي اتخذها المجتمع المدني في حياتنا المعاصرة، مصطلحا وواقعا، فمن المفيد ذكر مجتمع المدينة في الإسلام، سيما وأن بعض الأذهان ترى في المجتمع المدني الحالي إما كيانا معارضا للدين، أو كيانا لا علاقة له بقيم الدين.

وبعد، فإن الناس في مجتمعهم الذي يعيشون فيه، يحتاج بعضهم إلى بعض في شؤون الحياة، وهم في مجموعهم يؤلفون قوة لا تبلغ تمامها واكتمالها إلا بقوة كل فرد من أفرادها وسعادته، فبقدر ما تتوفر هذه القوة في الأفراد يعتبر المجتمع قويا، وبقدر ما تتوفر السعادة لكل فرد فيه يعتبر سعيدا.

ومن المعلوم أن مشكلة الفقر والجوع والمرض والحرمان والتفاوت بين الأفراد، كانت وما تزال من أهم مشكلات الحياة، وكانت مهمة الأنبياء والمصلحين على اختلاف أزمنتهم، وأمكنتهم هي الدعوة إلى الإنصاف والعدالة بين الناس، ودفع الظلم الاجتماعي عنهم.

والديانات السماوية الثلاث: الإسلام، والمسيحية، واليهودية بحكم أصولها المشتركة، متفقة على الاعتراف بما يترتب عن الحياة العملية من تفاوت بين الناس، وهي حين تعترف بذلك لا تقر الظلم الاجتماعي، ولا تترك المستضعفين عرضة للحرمان والإهمال والمهانة.

ومما يتميز به عصرنا هذا الذي نعيش فيه، أنه عصر يعج بالشعارات الداعية إلى تحقيق الحقوق والمساواة والكرامة للإنسان، ومن حول كل شعار عشرات المنظمات والجمعيات والهيآت: سياسية، ونقابية، وجمعوية وثقافية، وفكرية، ومذهبية، وغيرها . ينضوي معظمها تحت عنوان كبير اسمه: "المجتمع المدني" الذي تختلف النظريات في تموقعه بين المواطن والدولة.

ومن المعلوم -أيضا- أن أوروبا عاشت من وقت سقوط روما إلى عصر النهضة تاريخا موصوفا بالضعف والانحطاط، بينما كان العالم الإسلامي في بعض مناطقه يشهد حضارة زاهية، وتجارة مزدهرة، ومستوى من العيش تتجلى فيه الرحمة والتعاون، والتكافل الاجتماعي في أبهى صوره، وأسمى معانيه.

واستيقظت أوروبا من سباتها، فبدأت تحطم القيود والأغلال، وتطوي المراحل والمسافات، حتى تحققت نهضتها الحديثة، فجاءت -مع الأسف- متزامنة مع بداية التخلف والتفكك في العالم الإسلامي وتخليه عن المكاسب الحضارية والعلمية التي رفع المسلمون لواءها حينا من الدهر.

 

حركة الإحياء الأوروبي

فخلال القرن الثامن عشر الميلادي وما بعده، شهد الجزء الغربي من هذه القارة حركات فكرية وسياسية متعددة، تتوخى كلها معالجة التفاوت الاجتماعي، وإصلاح الأعطاب والعاهات التي خلفتها القرون الوسطى من الظلم والحرمان، والمهانة والضياع والاستبداد.

نجحت بعض الحركات في تصور أنظمة لحكم يناهض الاستبداد، كما تأَتَّى لبعضها أن تنجح في حمل الحكومات على سن قوانين ترُوم في روحها إنصاف المحرومين والتخفيف من وطأة المستغلين.

في أوج هذه الحركة التغييرية ظهر مصطلح: "المجتمع المدني"، والباحثون المعنيون بهذا الموضوع وقضاياه يرجعون جذوره إلى عمق الوجود الإغريقي الأثيني الأفلاطوني، حيث ظهرت بذوره الأولى كثمرة لما كان يجري في مدينة أثينا من نقاش فلسفي صاخب. تولى بعثه وتحيينه وتطويره فلاسفة العصر الحديث الذين قادوا حركة التغيير من أمثال "توماس هوبز" و"جون لوك" و"جان جاك روسو" ومن بعدهم "إيمانويل كانت" و"فريدريك هيجل"، ثم طبقة المجددين في المفهوم، والأسلوب والحركة، من أمثال "كارل ماركس"، و"أنطونيو غرامشي"، ومن نهج نهجهم، واقتفى أثرهم من دعاة الاشتراكية.

كان التحدي الذي واجه دعاة التغيير هو: السلطة الحاكمة بمنطق القرون الوسطى، وبعض حلفائها في السلطة الدينية، ضدا على السواد الأعظم من الشعب الذي ألهب حماسه خطباء الثورة بخطبهم النارية.

*****

ومن المؤسف أنه وقع في أوج هذا التدافع بين المحافظة والتجديد، إسقاط ينظر إلى الدين مناصرا للظلم والاستبداد من غير تمييز، وهو ما يحتاج إلى بعض التوضيح، وشيء من البيان.

لعل الدرس، الذي أشرف بإلقائه بين يدي أمير المؤمنين -أعزه الله- يمكن أن يلقي بعض الضوء على موقف دين الله من مجتمع الناس وقضاياه، بدءا بالنظر في الآية الكريمة عنوان الدرس ومستنده.

قال تعالى:﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هو المفلحون﴾.

تنتمي هذه الآية، إلى سورة آل عمران المدنية، وقد ورد في فضلها وفضل سورة البقرة حديث أبي أمامة الذي يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقرأوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرأوا الزهراوين –البقرة وآل عمران- فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صَوَّاف).

وحديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران).

وكلمة ﴿أمة﴾ في الآية، كما قال القاضي أبو بكر ابن العربي: (ذكر لها علماء اللسان خمسة عشر معنى، منها: أن الأمة بمعنى الجماعة، ومنها أن الأمة: الرجل الواحد الداعي إلى الخير)،﴿إن إبراهيم كان أمة﴾.

ومعنى قوله:﴿يدعون إلى الخير﴾،أي يدعون إلى الإسلام، فإن الخير اسم يقع على خصال الإسلام كلها، و(آل) في (الخير) للاستغراق، فتفيد العموم في المعاملات كلها.

وصيغة الأمر في:﴿ولتكن﴾تقتضي الإلزام، كما هو الشأن في الأوامر عند الإطلاق، وهو موجه إلى الأمة جميعها بأن يُكَوِّنوا من مجموعهم جماعة خيرة تعمل على إشاعة فعل الخير والتخلق به، فإن هي فعلت ذلك كانت أفضل الأمم، وهي أهل المدينة الفاضلة المنشودة للحكماء في كل زمان ومكان، وهذا الوجوب يشمل كلجيل، بعد جيل الصحابة الأكرمين عن طريق القياس حتى لا ينقطع دعاء الخير أبدا، على غرار قوله تعالى:﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.

وتعد هذه الآية الكريمة في رأي أهل الدراية والتحقيق، أقوى آية في باب ضبط حياة الناس وتنظيم مجتمعهم، ضبطا وتنظيما يكفل له التماسك والالتحام عن طريق انتداب فئة من أهل الخير والصلاح، تنوب عن الأمة كلها في القيام بالسهر على تحقيق الانسجام والأخوة، والسعي في حدود صلاحيتها التربوية والتنويرية من أجل توفير شروط العيش في مجتمع آمن مستقر، مع اجتهاد دائم للتخفيف من آثار الفوارق المتعارف عليها بين الناس، وتلك هي السمة المفترضة في المجتمع المدني في الإسلام.

علما بأن الفئة المنتدبة لهذه المهمة، نيابة عن الأمة، ليست بديلا للدولة الحاكمة بأجهزتها المختلفة، بل هي معينة لها في مجال، تفقيه الناس، وتذكيرهم بواجبهم وبحقوق الآخرين من إخوانهم في الإنسانية، وما تفرضه حقوق التعارف والتعاون والتعايش الباني من احترام متبادل، وتعاون على جلب المصالح ودرء المفاسد.

فإن قصرت الأمة عن انتداب من ينوب عنها في التفقد والمراقبة الدائبة من أجل التنبيه للاختلالات وإصلاحها كانت آثمة بأجمعها كما هو الشأن في فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإذا أهملوه وعطلوه، كان المجتمع آثما عاصيا بكل أطيافه وفئاته، فرادى وجماعات.

وفي هذا الميدان -أيضا- يقدم الإسلام مشروعا يسعى إلى التوازن ويتجنب الإسفاف والإسراف والغلو في كل شيء، ومعنى هذا أن ما نسميه اليوم بالمجتمع المدني موجود وجودا مركزيا في الإسلام من حيث المبدأ والآلية والوظيفة والغاية، والغاية المتوخاة منه هي بناء المجتمع الأخوي المتعاون المتكافل أولا، والتواصي بالحق والمجاهرة به ثانيا، وفي هذا المجال تتنافس المذاهب الاجتماعية وتتبارى.

 

التجربة الإسلامية في الإصلاح الاجتماعي

إن تحليل أحكام الدين وتوجيهاته الأخلاقية في الإسلام يظهر بجلاء ما له من عناية كبيرة بقضايا الناس في مجتمعهم عامة، وبخاصة الطبقات التي يسميها صراحة بالمستضعفين سياسيا، وبالذين لا يجدون اجتماعيا، لأن شرائع الله عامة لا يمكن إلا أن تكون كذلك، فالخلق كلهم عيال الله، وقد وسعت رحمة الله كل شيء، قال تعالى:﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾.

وأهم ما امتازت به طريقة الإسلام في المعالجة، ميزتان:

الأولى: إنه لم ينظر إلى مشكلة التفاوت في المجتمع على أنها مشكلة قائمة بذاتها، بل متصلة بغيرها من شؤون الحياة، فلابد لمعالجتها من معالجة صحيحة لكل ما له ارتباط بها.

الثانية: إنه لم يقتصر على المواعظ والوصايا الأخلاقية، فذلك مما لا يؤثر في سواد الشعب غالبا، إلا أن يكون مصحوبا بقوانين واضحة تحدد الواجبات وتحميها، دولة تمنع المسيئين وتأخذ على يد الظالمين، وتحمل الذين لا تجدي فيهم الوصايا والمواعظ على تنفيذ تلك القوانين، وتلك سنة الله في إقامة الحياة وانتظام أمر الخليقة.

والناظر في قوانين الإسلام، يجدها كلها تتوخى تحقيق مصالح الناس وحاجتهم الضرورية والحاجية والكمالية في الحياة الدنيا، وسعادتهم في الحياة الأخرى.

والعلماء مجمعون على هذه الحقيقة، والفقه الإسلامي في جميع مذاهبه قائم عليها، وإنما يختلف مذهب عن مذهب في شرحها وكثرة التفريع عليها. ومن هنا نشأت نظرية المصالح المرسلة في الفقه الإسلامي التي أخذ المذهب المالكي بالحظ الأوفى منها.

واتفق العلماء على أن الضروريات التي جاء الشرع لتحقيقها، خمسة:

حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.

قال الإمام الغزالي -رحمه الله-: (إن مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأحوال فهو مفسدة، ودفعها مصلحة).

وقال أبو إسحاق الشاطبي -رحمه الله-: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد، لا تعدو أن تكون ضرورية، أو حاجية، أو تحسينية).

في ضوء هذه الحقيقة التي أجمع عليها فقهاء الإسلام، وعلى هدي النصوص التشريعية الخاصة بحقوق الإنسان، وبخاصة حقوق الفئات المحتاجة إلى عون المجتمع والدولة، يمكن رسم صورة المجتمع المدني في التجربة الإسلامية، بدءاً بالحقوق الطبيعية: حق الحياة، والحرية، والمساواة، والعلم، والكرامة، التي كَرَّس الإسلام لصيانتها والحفاظ عليها، مجموعة من التدابير والإجراءات والقوانين؛ أكتفي هنا بذكر نموذجين، منها تمثيلا لا حصرا، وهما: حق الحياة، وحق العلم.

 

حق الحياة

الحياة في منظور الإسلام منحة ربانية مقدسة لا يملك أحد حق انتزاعها من الأفراد بغير حق، وقد أُعطي هذا الحق للدولة وحدها بموجب قانون القصاص لحماية مصلحة الجماعة وحياة الأفراد تطبيقا لنص قرآني كريم:﴿ولكم في القصاص حياة﴾.

ومن ثم، فإن العدوان على حياة فرد بدون حق هو عدوان على المجتمع كله، والاقتصاص من الجاني هو إحياء للمجتمع كله، قال تعالى:﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعا﴾.

كما أنه أحاط هذه الحياة بمجموعة كبيرة من الضمانات والتدابير القانونية والتربوية.

فحرم من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات وغيرها ما يضر بصحة الإنسان الجسدية والعقلية والمالية والأخلاقية، كما أسقط عنه بعض التكاليف والواجبات عندما يتعارض القيام بها مع سلامة الجسد، وأباح له بعض المحرمات عند الضرورة، ولكن بالقدر الذي يدفع تلك الضرورة.

وفي مجال حماية حياة الأطفال الجسدية والعقلية، حرم الإجهاض واعتبره كقتل النفس، وإذا ماتت الأم وفي بطنها حمل معلوم الحياة، وجب شق بطنها وإنقاذ حياة وليدها. وأوجب على الأم رضاعة طفلها، فإذا امتنعت من ذلك لعذر مشروع وجب على الأب استئجار مرضع لوليده الطفل إبقاء على حياته. وسواء كان الطفل شرعيا أو لقيطا، فالحقوق مكفولة شرعا لكل منهما سواء بسواء، فعلى من وجده في الطريق أن يلتقطه وينفق عليه حتى يسلمه للدولة.

ولم تقف عناية الإسلام بالحياة عند الإنسان وحده، بل اعتبر ذلك حقا للحيوان غير الضار وغير المأكول.

فلا يجوز قتل الحيوان غير المؤذي، ولو بلغ من الهرم حدا لا يستطيع معه صاحبه أن ينتفع به كالخيول العاجزة أو المريضة، ومن امتنع عن إطعام الحيوان الذي يملكه، وجب عليه أن يطعمه أو يسيبه إلى مكان يجد فيه مأكله، فإذا امتنع من ذلك أجبره القضاء على الإنفاق عليه أو بيعه، وبه قال جمهور فقهاء الإسلام.

 

حق العلم

العلم حق ثابت لكل مواطن في المجتمع الإسلامي، وسأكتفي في هذا المقام بذكر قضية غير مسبوقة في التاريخ حتى ذلك العهد، وهي وجوب التعلم والتعليم على كل مواطنة ومواطن تحت طائلة صارم العقوبة.

فقد خطب صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: (ما بال أقوام لا يُفَقِّهون جيرانهم، ولا يُعَلِّمونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون؟، والله ليُعَلمن قوم جيرانهم، ويفقهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون، ويتعظون، أو لأُعاجِلنَّهم العقوبة.

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قوم: (من ترونه عَني بهؤلاء؟ قال: الأشعريين (والأشعريون اسم قبيلة من اليمن) هم قوم فقهاء، ولهم جيران من أهل المياه والأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ذكرت قوما بخير، وذكرتنا بشر، فما بالنا؟ فقال: ليعلمن قوم جيرانهم، فأعاد الكلمات الأولى السابقة، ثم أعادوا السؤال، فأعاد نفس الكلام: (ليعلمن قوم جيرانهم ...)، فقالوا:"أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم....، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليهوسلم هذه الآية:﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبيس ما كانوا يفعلون﴾.

إن الواقف على هذا الحديث سيجد فيه من الحقائق ما يجدر التنبيه إليها منها:

  • أولا: إن الرسول عليه السلام، يرفض رفضا قاطعا إقرار قوم على جهلهم وأميتهم، وهم بجانب قوم متعلمين؛
  • ثانيا: اعتبر بقاء الجاهلين على جهلهم، وامتناع المتعلمين عن تعليمهم، عصيانا لأوامر الله وشريعته؛
  • ثالثا: اعتبر ذلك عدوانا ومنكرا يستوجب اللعنة والعذاب؛
  • رابعا: أعلن الحرب والعقوبة على الفريقين حتى يبادروا إلى التعلم والتعليم؛
  • خامسا: أعطاهم لذلك مهلة عام واحد للقضاء على آثار الجهل والأمية فيما بينهم؛
  • سادسا: إن هذه الواقعة، وإن كانت قد وردت بشأن الأشعريين العلماء، وجيرانهم الجاهلين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلن ذلك المبدإ بصفة عامة، لا بخصوص الأشعريين وحدهم بدليل أن الأشعريين لما جاءوا يسألون عن سر تخصيصهم بهذا الإنكار كما فهم الناس، لم يقل لهم: أنتم المرادون بذلك، بل أعاد القول العام الذي سلف ثلاث مرات دون أن يخصصه بالأشعريين، إشارة إلى أن القضية قضية مبدإ عام، غير مخصوص بفئة ولا عصر معين.

بهذا يكون الرسول الكريم قد أعلن مكافحة الأمية والجهل وإجبارية التعليم، وإنه لشيء عُجاب أن يصدر ذلك من نبي أمي في بيئة أمية، لولا أنه رسول الله وخاتم النبيئين حقا؛

إن كلمة "أمة" الواردة في الآية منطلق هذا الدرس تحيلنا على:

 

أهمية الجماعة في الإسلام

-الجماعة في مكة -

أولى الإسلام أمر الجماعة عناية فائقة في تشريعاته التعبدية والمدنية على السواء، باعتبارها الأداة الحاسمة في القضايا المصيرية، بما فيها التشريعات وسن القوانين ولمن شاء أن يزداد فهما لأهمية الجماعة في الإسلام أن ينظر أيضا في كون المسلمين الأوائل الذين فهموا روح هذا الدين قد جعلوا الإجماع ثالث مصادر التشريع، بعد كتاب الله وسنة رسوله، ناهيك عن حثه على العمل الجماعي حتى في العبادات نفسها، حيث جعل للنشاط التعبدي رتبة تعلو رتبة العمل الفردي بسبع وعشرين درجة كل ذلك حثا منه على الانخراط في سلك الجماعة، ولزوم العمل في إطارها، وعدم مفارقتها، فمن فارق الجماعة قيد شبر فمات، فموتته جاهلية، والذئب إنما يأكل من الغنم القاصية عن القطيع.

وتشهد سيرة المصطفى الأكرم صلى الله عليه وسلم بأن عمله طيلة عصر المبعث كان محكوما بمنطق الجماعة بوصفها أمضى سلاح لمواجهة التحديات العقدية والفكرية والمعنوية والمادية.

وأول جماعة قامت على عبادة الله الواحد الأحد هي جماعة دار الأرقم بمكة قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة، تفرعت عنها مجموعات نشيطة في الدعوة والتبليغ، كانت تجتمع في بعض البيوت المؤمنة التي تكتم إيمانها، مثل بيت سعيد بن زيد زوج فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، الذي كانت مجموعة خَبَّاب، سببا في إسلامه، وعلى الرغم من فتوة هذه الجماعة، وصعوبة الظروف التي تعيش فيها، قامت بنشاط إنمائي إحساني لفائدة بعض المستضعفين، دعما لصمودهم في وجه شراسة الشرك وبطشه.

ولما لم تفلح محاولة رموز الشرك في إقناع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقبول عروضهم المغرية، بما فيها توليه سلطة الحكم بمكة، مقابل التخلي عن الدعوة إلى ما يدعو إليه، انعكست آثار هذا الرفض على حياة المستضعفين من أتباعه بتشديد الحصار عليهم، والبطش بهم، والانتقام منهم، مما اضطر معه بعضهم للهجرة إلى الحبشة بتوجيه نبوي، حيث أسسوا لهم هناك جماعة تتولى تمثيلهم لدى سلطة البلد والتحدث باسمهم، والدفاع عنهم، وقد قامت جماعة المهاجرين إلى الحبشة بإبطال مناورة قريش التحريضية، وكشف باطلها، بالرغم من الهدايا السخية والرشاوي التي قدمتها قريش للنافذين في دولة الحبشة.

العمل الجمعوي بيثرب 

وبيعة العقبة الكبرى

بعد حدث الطائف المؤسف الذي كاد اليأس فيه أن يفعل فعله في النفوس، جاء مدد الله وغوثه، وتلك سنة الله في الحياة إذا اشتدت الأزمات، أعقبها فرج وانفراج.

وكل الحادثات إذا تناهت      فموصول بها فرج قريب

نور بدأ خافتا في أفق يثرب، ثم ما لبث أن تألق فأضاء أرجاءها، فما من بيت من بيوتات الأوس والخزرج إلا وفيه ذكر للإسلام، وتلاوة للقرآن. إذ في ظرف عام واحد بعد بيعة العقبة الأولى والثانية أصبحت يثرب تمثل طليعة المد الإسلامي، بل باتت قلبه النابض بالنشاط والحركة، حين صار للإسلام بها حواريون وأنصار، وهيأة تخطط وتفكر، وتقترح وتبادر، يشرف على نشاطها سيد من سادات الخزرج هو أسعد بن زرارة، ويؤطر نشاطه التبليغي الفقيه الشاب مصعب بن عمير مبعوث النبي إليها للتعليم والتنوير.

ولعل أعظم ما حققته الجماعة اليثْريبيَّة قبل هجرة الرسول الكريم، السبق إلى إقامة شعيرة صلاة الجمعة، وهي أكبر تجمع أسبوعي للمسلمين.

كانت حركة التاريخ تسير بوتيرة متسارعة في اتجاه الحدث الكبير الذي تحددت على أساسه معالم الطريق لإقامة وجود إسلامي حقيقي.

إنها بيعة العقبة الكبرى التي اتفقت فيها الرعية والراعي على وضع العقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وحقوق كل طرف وواجباته، وباركت السماء هذه العملية الدستورية القرآنية الجليلة بما نزل في شأنها من قرآن يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما﴾.

 

دولة الحقوق والحريات

قبل الحديث عن مجتمع المدينة، يحسن التمهيد له بنبذة عن طبيعة الحكم في الإسلام مقارنا بأنظمة الحكم المعاصرة، لارتباط المجتمع المدني بالدولة في الإسلام ارتباط المسبب بسببه، فالدولة الإسلامية هي من صَنع المجتمع من أول يوم أسست فيه، فما هو شكل هذه الحكومة؟

وبيانه أن الحكومة إذا كانت تسير في تشريعاتها دون مراعاة لعقيدة أساسية فهي الحكومة الدستورية المطلقة، أما إذا كانت تخضع في توجهها لعقيدة ولدين فهي الحكومة الدستورية المقيدة.

وبسبب ظهور خلافات حادة بين حركة الإصلاح في أوروبا الغربية وبين المؤسسات الدينية المعاصرة لها، قامت حركة تدعو إلى لادينية الدولة وحيادها بالنسبة لجميع المعتقدات الموجودة في بلادها مع ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية للجميع، وقد تزعمت فرنسا هذه السياسة ولم يتابعها أحد من الدول الديموقراطية التي قررت اعتبار إحدى الديانات دينا رسميا للدولة.

وغني عن البيان أن الإسلام بعيد كل البعد عن كل سلطة كهنوتية، ومن ثم، فإنه من الخطإ الجسيم طرح سؤال حول تدين الدولة أو عدم تدينها، فوضع القضية في العالم الإسلامي على النحو الذي توضع عليه في أوروبا يعد خطأ في المبدإ، وإنما يجب وضعها كما قال الأستاذ علال الفاسي، رحمه الله، على أساس الواقع الشعبي، فإن الأمة إما أن تكون متمسكة بعقيدة ما، فإن نوابها سيراعونها لا محالة لأنهم اختيروا على أساسها، وإما أن تكون غير متمسكة بعقيدة ما، وحينئذ فإن النواب سيكونون مطلقي الحق في تفكيرهم التشريعي.

فما هي طبيعة الحكم الإسلامي في سياق الأنظمة المتعددة؟

ولإعطاء جواب واضح، ينبغي التمييز بين العهد الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم حيا، وبين عهد الخلفاء من بعده، فعهد الرسول عليه السلام كان فيه معتبرا في نظر المسلمين وغيرهم، رئيس الأمة الإسلامية والمدبر لشؤونها، والقاضي والمشرع فيما يعرض لها من الأمور، كما كان يعتبر في نفس الوقت الرسول الذي يبلغ عن الله ما أمره بتبليغه من عقيدة وشريعة ومنهاج للحياة لا يختلف في ذلك أحد.

ومع أنه عليه السلام، رسول من عند الله، وبحكم مرحلة التأسيس التي قام فيها امتثالا لأمر الله بتبليغ الدين الإسلامي وتأسيس الدولة الإسلامية، فقد كانت حكومته عليه السلام طيلة حياته حكومة مقيدة، لأنه -عليه السلام- كان يستشير أمته في سائر أمور الدنيا، وحتى في أمور الدين التي لم ينزل فيها تشريع من السماء، اتباعا لأمر الله النازل عليه في قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.

وقد وصف القرآن الكريم المجتمع الإسلامي كما رباه عليه الإسلام بقوله:﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.

وقد استشار عليه السلام أصحابه في فداء الأسرى في غزوة بدر، وفي قضية الأذان، ورجع إلى رأي أصحابه في غراسة النخل وتأبيره، كما هو معروف في كتب الحديث والسيرة.

وتتجلى بوضوح كبير شورية الحكم الإسلامي على عهده عليه السلام في الميثاق النبوي الذي رتب فيه العلاقة بين المهاجرين والأنصار، وسكان المدينة وقبائلها على اختلاف أصولهم ودياناتهم، فهذا الميثاق يبين الأسس التي قامت عليها الأمة المحمدية وحكومتها.

لقد كان انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، إيذانا ليس فقط بالتحول من بلد إلى بلد آخر، بل كان إعلانا عن تحول جذري في الأفكار والمفاهيم والتصورات، وفي نمط الحياة، أساسه الاستقرار والانخراط في الحياة المشتركة، الناظم للحياة فيها الالتزام بقبول الآخر والتعايش معه على أساس قيم إنسانية مشتركة قوامها التعاون على حفظ الأمن والاستقرار.

وتعبيرا عن معنى هذا الانتقال العميق بصيغة أكثر وضوحا، وما يتضمنه من التزامات جديدة أطلق صلى الله عليه وسلم، على الوطن الجديد اسم "المدينة"، وكان اسمه "يثرب" قبل ذلك، ونهى عن استعمال الاسم القديم منذ ذلك اليوم.

ومن هنا، يصح أن يسمي المجتمع الجديد الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة "المجتمع المدني"، وقلما توقف الدارسون على تغيير اسم "يثرب" باسم "المدينة"، سيما إذا عرفنا أن هذه التسمية المدنية تقابل في الترجمة التسمية التي سمى بها الإغريق المجتمع السياسي والمدني في تصورهم الديموقراطي، وسماها الفلاسفة المسلمون الذين ترجموا تراث الإغريق ب"المدينة الفاضلة، واسمها عند الإغريق Polisأو Politeiaومعناها المدينة أو الدستور أو كلمة Politiqueأو السياسة. والرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام أسس هذا المجتمع المدني على أساس المبدأ العام لكل مجتمع مدني وهو الاهتمام بالشأن العام والانخراط فيه، أسسه صلى الله عليه وسلم بما لا حصر له من الأحكام والتوجيهات وأجمله بقوله: "من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم"، وقوله: "من غشنا فليس منا".

ولو رُمْنا رسم صورة لهذا المجتمع، لما وجدنا أوضح وأوفى وصف له من الذي نجده في هذه الآية الكريمة: ﴿يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير﴾، إنه إعلان للأخوة البشرية في الحقوق والواجبات، وفي موجبات الكرامة، وإنك مهما تصفحت من إعلانات حقوق الإنسان الخاصة والعامة، فلن تجد مضمونا أشمل وأعم مما تضمنته هذه الآية التي تعتبر أول دستور للأخوة الإنسانية.

وإذا كان هذا الإعلان القرآني هو الأول من نوعه، فإن خير تطبيق له هو الدستور المدني الذي سوَّى في الحقوق والواجبات بين المومنين وبين غيرهم في حكومة يرأسها محمد النبي الكريم، وفي مواطنة مفتوحة لكل من رضي بالرسول، وبما أعلنه من دين ومن تشريع.

ثم كتب رسول الله كتاب معاهدة بين المهاجرين والأنصار، بين فيه دعائم الأخوة التي تقوم بينهم في مجتمعهم الجديد، وأقر فيه اليهود على دينهم وأموالهم، وعاهدهم على الحماية والدفاع عنهم ما لم يتآمرا ضد الدولة الجديدة والنظام الجديد.

 

دستور المدينة

وأشير هنا إلى أهم المبادئ التي تضمنتها هذه المعاهدة التي أثبت نصها كاملا، عبد الملك بن هشام في "سيرته" تبعا لابن إسحاق إمام أهل السيرة، ومن الأهمية القصوى لهذه المعاهدة التي يطلق عليها الدارسون "دستور المدينة" أنها تضع الأسس التي أتيحت للمجتمع المدني أو المجتمع السياسي في مدينة الرسول، لكي ينشط في كل توجهات الخير التي ينشط فيها المجتمع المدني الحديث:

  • البند الأول: وحدة الأمة المسلمة من غير تفرقة بينها؛
  • البند الثاني: المساواة بين أبناء الأمة جميعا في الحقوق والكرامة؛
  • البند الثالث: الوقوف ضد الظلم، والإثم، والعدوان، والفساد؛
  • البند الرابع: اشتراك الأمة في تقرير العلاقات مع أعدائها؛
  • البند الخامس: تأسيس المجتمع على أحسن النظم، وأهداها وأقومها؛
  • البند السادس: مكافحة الخارجين على الدولة؛
  • البند السابع: حماية من أراد العيش مع المسلمين؛
  • البند الثامن: لغير المسلمين دينهم، وأموالهم لا يجبرون على دين المسلمين؛
  • البند التاسع: على غير المسلمين أن يساهموا في نفقات الدولة كما يساهم المسلمون؛
  • البند العاشر: على غير المسلمين في الدولة الإسلامية أن يتعاونوا مع المسلمين لدرء كل عدوان؛
  • البند الحادي عشر: وعليهم أن يتعاونوا معهم في نفقات؛
  • البند الثاني عشر: على الدولة أن تنصر من يظلم منهم؛
  • البند الثالث عشر: على المسلمين وغيرهم أن يمتنعوا عن حماية أعداء الدولة؛
  • البند الرابع عشر: إذا كانت مصلحة الأمة في الصلح، وجب على الجميع أن يقبلوا بالصلح؛
  • البند الخامس عشر: لا يؤاخذ إنسان بذنب غيره؛
  • البند السادس عشر: حرية الإنسان مصونة بحماية الدولة؛
  • البند السابع عشر: لا حماية لظالم ولا لآثم؛
  • البند الثامن عشر: المجتمع يقوم على أساس التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان؛
  • البند التاسع عشر: هذه المبادئ، تحميها قوتان: قوة معنوية وهي إيمان الشعب بالله، ومراقبته له، ورعاية الله لمن بر ووفى.

وقوة مادية هي رئاسة الدولة التي يمثلها محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ثم أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تنزيل بنود هذه المعاهدة وتفعيلها في حياة المجتمع الجديد، فوثق صلاته بيهود المدينة، وآخى بين المهاجرين والأنصار على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلا.

كان ذلك منذ خمسة عشر قرنا دون أن تكون هناك في البيئة العربية التي ظهر فيها الإسلام عوامل اقتصادية اضطرت الإسلام إلى إعلان هذا النظام، ودون أن يصدر ذلك عن حقد من فئة نحو فئة، أو رغبة في انتزاع المال والسيطرة عليه انتقاما من الأغنياء والأثرياء، لكنها نزعة إنسانية عميقة وعدالة ربانية نازلة ممن خلق الأرض والسماء.

 

صورة مجتمع مدينة الرسول الكريم

لقد بدأ المجتمع الإسلامي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما وصفه القرآن الكريم:﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.

مجتمع كان فيه الفقر والغنى، ولكن لم تكن فيه المهانة والاستغلال، وكان فيه الحاكم والمحكوم، ولكنه لم يكن فيه الظالم والمظلوم. وصفه الله تعالى بقوله:﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار، رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾.

مجتمع كان فيه أغنياء لا يخافون حقد الفقراء لأنهم أدوا إليهم حق الله في أموالهم، وفقراء لا يخافون شح الأغنياء لأنهم ما برحوا في فيض غامر من برهم وسخائهم، ولكن كانوا يتنافسون فيما بينهم ويتسابقون إلى فعل الخير والحث  عليه.

جاء الفقراء يوما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: فقالوا: (يا رسول الله، ذهب أهل الدثور (الأغنياء) بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة).

إنها مظاهرة للفقراء من أغرب ما عرفه التاريخ لم يحتشدوا فيها للاحتجاج على قسوة الأغنياء، فذلك ما لم يقع في ذلك المجتمع قط، ولم يحتشدوا فيها للمطالبة بحق مأخوذ، وكرامة مسلوبة، فذلك ما لم يحصل أبدا. ولكن احتشدوا ليعربوا عن آلامهم في تخلفهم عن الأغنياء في ميادين الخير، والإحسان، فكيف يفعلون؟ لقد ظنوا أن سبيله هو المال فحسب، وهم لا يملكون ما ينفقون، فكان  جواب الرسول الكريم أروع ما يمكن أن يوجه إليه أمثال هؤلاء ليكونوا بنائين في المجتمع غير هدامين، إيجابيين لا سلبيين، عاملين لا عاطلين، إن سبيل الخير ليس وقفا على وجود المال، بل لها سبل كثيرة يجدها كل إنسان ولو كان غير غني، فلا يحرم منها مواطن ولا يقصى عنها فقير، إنه كف اللسان عن الثرثرة، بذكر الله تعالى وتسبيحه، والقيام بالإصلاح الاجتماعي عن طريق الموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن طريق الناس، والتقريب بين المتباعدين، وإصلاح ذات البين بين المتخاصمين، وإمداد المجتمع بالنسل الطيب والذرية الصالحة، بمثل هذا ينبغي أن يكون التوجيه الاجتماعي البناء، والتربية على حب العمل في ظل مجتمع تسود فيه روح الأخوة والتعاون، والحرص على تحقيق أمن الجماعة، واستقرارها. لا يستثنى من المشاركة أحد من أفراده، كل واحد بما هو مهيأ له وقادر عليه. وهكذا علَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيلا صنع الله منه خير أمة أخرجت للناس.

نخلص من ذلك إلى أن القيم التي قام المجتمع المدني على أساسها، متجذرة في الملة الإسلامية لا  تنفك عنها تأصيلا، وتمثلا، وتنزيلا، وتفعيلا، لا يجادل في ذلك من عرف تشريعاتها التي شملت جوانب حياة الإنسان بكل تمظهراتها، ثم اتخذت طريقها إلى التطبيق العملي تحت نظر النبي الكريم ذي الخلق العظيم، وبإشرافه وتوجيهه.

وخلاصة القول، إن المجتمع المدني، له عمقه في الإسلام وتاريخه، مجتمع مدني، في دولة مدنية ليس فقط في شقها التدبيري للشأن الدنيوي، بل وحتى فيما هو منها تعبدي، حيث يبرز فيه البعد الاجتماعي بروزا ظاهرا. وإذا كانت التربية على البذل والعطاء ونكران الأنانية هي من مقومات العمل في إطار المجتمع المدني فإن للإسلام في مبادئه وبنائه التشريعي والأخلاقي ما لا سبيل إلى إنكاره وجحوده وله على الخصوص تميزه بأن غايته هي وجه الله تعالى تعبدا وطاعة، وأمام هذه الحقائق تتهافت وتتهاوى دعاوى كل المدعين باسم فهم خاص للسياسة والحرية بأن الإسلام غير متلائم مع المجتمع المدني كما هو غير متلائم مع الديموقراطية، فالبرغم من المظاهر العقلانية لمثل هذه المواقف الفكرية فإنها لم تصمد أمام التحليل الموضوعي الصارم، ومن أمثلة ذلك الانتقادات التي وجهها عدد من الباحثين إلىأطروحات إِرْنِسْت ﮔيلْنير (Ernest Gellner)، على أن المهم من ذلك، ألا تكون لدينا عقدة نفسية نابعة من أجل الدين حتى لا ننزلق في تصور التعارض بين الدين والمجتمع المدني، بل الذي ينبغي أن يكون، هو العكس من ذلك تماما.

 

مولاي أمير المؤمنين

لعل في هذا القدر من البيان ما يكفي، جوابا على سؤال من ظن بالإسلام ما ظن من الغفلة عن قضايا مجتمع الناس. فلئن حدث في حياة المسلمين من الذهول والغفلة ما فوَّت عليهم شرف الريادة فيما هو لهم بالأصالة، حتى اضطروا لتلقي الدروس من غيرهم، فالعيب ليس في الإسلام وهو المؤسس الأول له، بل العيب في الذين ضيعوا الأمانة، ونقضوا العهد والميثاق﴿ولله عاقبة الأمور﴾.

غير أن الأمة المحمدية، كالمطر لا يدرى أوله خير أو آخره، وقد يتيح الله بفضله لبعض اللاحقين من عباده ما لم يتهيأ مثله للسابقين.

وفي المغرب اليوم حركة مباركة توذن بفجر صادق يتولى زمام قيادتها إمام المغرب الأعظم أمير المؤمنين محمد السادس، ومن حوله كل المواطنات والمواطنين في الحواضر والبوادي، وفي السهول والجبال، يقود بخطى واثقة على المحجة البيضاء شعبا يجر وراءه تاريخا مجيدا، وحضارة أضفى عليها من خصوصية عبقريته ما كساها حلة متميزة سداها ولحمتها، الجمع بين موروثه العريق، والانفتاح على كل ما هو نافع من تجارب الأمم وعطاءاتها في مختلف الميادين.

وهو اليوم منكب على بناء نموذج متفرد لمجتمع سياسي ومدني جامع بين تالد المجد وطارفه، لا هو شرقي ولا غربي، بل مغربي خالص شكلا وجوهرا، صالح لأن يكون قدوة ومثلا للآخرين.

أبقى الله مولانا أمير المؤمنين حصنا حصينا وملاذا أمينا يقود سفينة الأمة بحكمة وروية إلى شاطئ الأمن والأمان والازدهار والاستقرار، وحفظه في ظعنه وإقامته وفي غدوه ورواحه، وفي تقلبه ومثواه. وحقق للأمة في دينها ودنياها على يديه أملها ورجاءها، آمين.

ومسك الختام من مولانا أمير المؤمنين.

والحمد لله رب العالمين

للاطلاع أيضا

الأنشطة الإعلامية والدينية الموازية للدروس الحسنية لعام 1435

علي بن مخلوف : حقوق البدن في الإسلام

أبو بكر دوكوري: أهمية الحديث الشريف فـي معرفة الأحكام والأخلاق

أحمد التوفيق; حماية الملة والدين وآلياتها في المملكة المغربية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة عيد الأضحى ويقوم بنحر أضحية العيد
facebook twitter youtube