الجمعة 20 محرّم 1441هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

أي دور للمسجد في حياتنا العامة للأستاذ المصطفى زمهنى

نص الدرس الحسني الثالث - الأربعاء 8 رمضان الأبرك 1434 ه -  في موضوع أي دور للمسجد في حياتنا العامة الذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الأستاذ المصطفى زمهني، رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة ".

أمير المؤمنين يترأس اليوم الأربعاء بالرباط الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

   مولاي أمير المومنين وسبط النبي الأمين، حفظكم الله تعالى بما حفظ به الذكر الحكيم، وأبقاكم ذخرا وملاذا لهذه الأمة المباركة، وأعز أمركم وأدام نصركم وجزاكم عن الأمة خير جزاء.

   فأستأذن جنابكم الشريف في تناول موضوع هو من صميم اهتمامكم وعظيم عنايتكم وسمو رعايتكم من خلال ما تبذلونه من جميل سخائكم وكريم أريحيتكم في سبيل خدمته وعمارته.

إنه موضوع المسجد ودوره في حياة الأمة، وسنحاول بسطه انطلاقا من قوله تعالى: )وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا(.

وذلك عبر ثلاثة محاور أساسية، وهي:

المحور الأول: مكانة المسجد في الإسلام؛

المحور الثاني: رسالة المسجد في الإسلام؛

المحور الثالث: جوانب من عمل المغرب في خدمة بيوت الله تعالى من خلال الممارسة الميدانية.

وقبل أن نشرع في هذه المحاور، نقف عند الآية الكريمة منطلق الدرس.

وردت الآية الكريمة في سورة الجن ونزلت بمكة على الأرجح قبل الهجرة بعامين، ومعلوم أن السور المكية تركز على غرس العقيدة الصحيحة في النفوس بإفراد الله تعالى بالعبادة وعدم الإشراك به شيئا. وسورة الجن تبدأ بقوله تعالى : )قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إن سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا(. لذلك قال المفسرون إن فتح أن في قوله و)أن المساجد(معطوف على قوله قل أوحي إلي أنه..." قال بعض المفسرين إذا كان المقصود في هذه الآية هو المسجد الحرام فلأن المشركين كانوا وضعوا فيه الأصنام والأنصاب وجعلوا الصنم هبل على سطح الكعبة. والمعنى قل أوحي إلي أن المساجد لله، وذهب الخليل إلى أن الكلام على حذف لام الجر قبل أن، فالمجرور مقدم على متعلقه للاهتمام، والتقدير: ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا. لأن الله وحده مستحق العبادة في المساجد. والراجح ما ذهب إليه من المفسرين من قال إنه خطاب عام وأن هذا الحكم يجري على كل المساجد. ففي تفسير الطبري عن عكرمة: )وأن المساجد لله(قال: "المساجد كلها". وفي الكشاف للزمخشري قوله: "مع أن المساجد لله لا يُذْكَر فيها إلا الله فإنه تجوز القسمة فيها للأموال، ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم الاشتراك بين المساكين وكل من جاء أكل، ويجوز حبس الغريم فيها، وربط الأسير والنوم فيها وفتح الباب للجار إليها، وإنشاد الشعر فيها إذا عري عن الباطل. والمعنى إفراد المساجد لذكر الله وعدم اتخاذها هزوا ومتجرا ومجلسا ولا طرقا وألا يجعل لغير الله فيها نصيب. 

وإنما نال المسجد هذا التشريف الرباني والاهتمام القرآني لما له من مكانة عظيمة ومنزلة جليلة في ديننا الإسلامي الحنيف كما سنبين ذلك في المحور الأول من هذا الدرس.

 

المحور الأول: مكانة المسجد في الإسلام

المسجد هو الفضاء الذي قام حوله الإسلام دينا ومجتمعا ودولة. فالمقصود به أولا المسجد الحرام بمكة، فقد كان والمسجد الأقصى من الأماكن التي يعبد فيها الله قبل الإسلام، وإن كان قد ورد في بعض الأحاديث أن اسم المسجد أطلق على بعض معابد اليهود والنصارى، وحول المسجد الحرام شاهدت الدعوة المحمدية أطوار التضييق على حرية تبليغها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقيم الصلاة قرب الكعبة، وفي فضائها كان يناقش من يريد دعوتهم إلى الإسلام. وقام المشركون من قريش بطرد المؤمنين منه. واضطر المؤمنون مدة إلى الصلاة في منازلهم جماعة، وبقدر ما ارتبطت الصلاة بفضاءات محددة هي المساجد لغاية تكوين جماعة المؤمنين وتنظيمها، بقدر ما تقرر أن الأرض كلها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مصلى طهورا.

وبعد الهجرة وتوفر الحرية في المدينة كان أول إنشاء أنشأه صلى الله عليه وسلم هو بناء المسجد على أرض اشتراها من يتيمين، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم المسلمون كيف يكون المسجد وكيف يكون السلوك اللائق به وكلها أمور تبين حرمته وقدسيته ابتداء من آداب الدخول إليه وآداب التصرف داخله، فكان هو مصنع الجماعة، جماعة المسجد التي هي نواة الأمة، فالتزام الصلوات الخمس في المسجد صار هو التعبير عن الانتماء إلى الجماعة. وللحض على تقوية ذلك الالتزام تقرر أن ثواب الصلاة في المسجد يفوق ثواب الصلاة في غير المسجد سبعا وعشرين أو خمسا وعشرين مرة. كما كان المسجد في ذلك العهد مقر تأسيس الدولة واشتغالها وتوجيهها.

وجاء القرآن الكريم يبين هذه المكانة التي للمسجد في الإسلام، فشجب عمل المشركين في التضييق على حرية المسلمين في استعمال المسجد في قوله تعالى: )ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها(، سورة البقرة، الآية 113،  ثم وصف هيئة الذين يعمرون المساجد بقوله تعالى: )إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله(، سورة التوبة، الآية 18، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان". ثم ربط القرآن انتشار الدين وقيام أركانه بالمساجد وأسبقية النشاط فيه في قوله تعالى: )في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة(، سورة النور، الآية 36، وبعد ذكر مسؤولية رفع المساجد أي بنائها جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا بنى الله له مثله في الجنة". وفي حديث آخر: "أحب البقاع إلى الله مساجدها". وكيف لا وهي محل الذكر والله تعالى يقول: )ألا بذكر الله تطمئن القلوب(. فالعبادة في المسجد يقوم بها الفرد لنفسه وخلاصه الشخصي ولكنها في الإسلام مرغب فيها لأنها تبني الجماعة المشتركة في الإيمان وفي المصير السياسي في نفس الوقت، لذلك ورد في الحديث: "فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية". وحتى من ينظف المسجد فله الجنة، كما في حديث المرأة التي كانت تلقط القذى من المسجد وماتت ولم يؤذن فيها.

 

مولاي أمير المؤمنين

نسمع في هذا العصر من تدفعه الغيرة على الدين إلى القول بضرورة أن يرجع للمسجد كل ما كان له من الوظائف في العهد الإسلامي الأول، وهو كلام يستحق أن يوضح حتى لا يبقى غموض في شأن المساجد وأدوارها. الواقع أن المسجد كان هو المؤسسة الأولى التي جمعت في عهد الرسول بين نوعين من الوظائف، نوع ظهر أنه جوهري وهو المتعلق بالعبادة وبناء الجماعة وتقوية روحها، وهي وظائف دائمة مادامت المساجد، ونوع عارض في ذلك الزمن الأول وكان يتمثل في اتخاذ المساجد مقرا ومنطلقا لتدبيرات مدنية وعسكرية يتوقف عليها تسيير الدولة. فقد كان المسجد في ذلك الزمن مركزا للنشاطين معا الديني والسياسي، إن جاز الفصل بينهما في ذلك العهد الأول. فلا يخفى أن هذين الأمرين كانا متطابقين تطابقا تاما في العهد النبوي، واستمر شيء منه في عهد الخلفاء الراشدين، فقد كان الخليفة يبايع في المسجد ومن منبره يلقي خطبته الأولى التي هي أشبه ببرنامجه، وكانت الأهمية السياسية يشخصها المنبر عندما كان المتكلم من فوق المنبر هو الخليفة أو من ينوب عنه. وبينما بدأ تأسيس الدواوين أي الإدارات التي نقلت إليها من المساجد أوجه تدبير الشؤون التي كانت تعظم باتساع أرض الدولة ومشاغلها، ظلت الرمزية السياسية للمسجد قائمة بعد الخلفاء الراشدين أي في عهد الأمويين والعباسيين، إذ كانت البيعة تؤخذ في المسجد ويعلن عنها انطلاقا منه. وكذلك كان الأمر بالنسبة لعمال الأقاليم، يقومون على المنبر إذا تعلق الأمر بقراءة خطبة تكون باسم الخليفة، وكان يدعى لولي العهد بعد الدعاء للخليفة، وبصفة عامة كان منبر المسجد هو المكان الذي تنطلق الإعلانات الرسمية والتوليات في المناصب العليا والإعلان عن قيادات رجال الدولة وانتصارات جيوشها، وإشهار عموم أوامرها، وكانت في المساجد على الخصوص إدارة المال والجبايات، وكان يجلس فيها القضاة للأحكام، والمفتون لإصدار الفتاوى. كان هذا يحدث في المساجد قبل أن ينتقل كل ما يتصل بالإدارة إلى الدواوين التي بدأت تنشأ وتكثر بقدر اتساع الدولة وتكاثر المشاغل التي صارت الدولة تأخذها على عاتقها ولم تعد بالبساطة التي كانت تتم عليها داخل المساجد.

وقد وقع تطور مواز لتطور المسجد على مستوى الإمامة، فإراثة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كان الخليفة حاكم الأمة وإمام الصلاة ورئيس الإدارة، وكان ولاة الأقاليم بالانتداب أئمة للصلاة ومدبرين للضرائب ولاسيما الخراج وكانوا يخطبون في الجمعة أيضا وقد ينوب عن الوالي في هذه الأمور صاحب الشرطة، ولكن كثرة المساجد وتغلب العنصر غير العربي على الدولة أدى إلى تقلص هذا الدور للحكام في المساجد، وصار الأئمة يعينون من بين العلماء، وكان يقدم لصلاة التراويح من برز من القراء، وفي جميع الحالات كان الإمام يعيَّن من ولي الأمر المحلي ويكون من مهامه أن يؤم بالمصلين وأن يحفظ النظام في المسجد، وهو جانب كبير من خطته تعرض للتدهور.

 

مولاي أمير المؤمنين

إنه من الطبيعي بمقتضى روح الدين الإسلامي أن يكون المسجد مدار الشؤون التي تتعلق بمصير الأمة، إذا كان ولي أمر الأمة هو الذي يقرر ما يمكن أن يطرح في المسجد من تلك الأمور المصلحية، أما بعد أن تعددت المساجد فالإمام مكلف بإمامة الصلاة أو بالخطبة أو غير ذلك في حدود نيابته والمواصفات التي استقرأها العلماء من السنة النبوية الشريفة.

أما النزوعات التي تظهر عند قلة من الأئمة في العصر الحاضر عندما يتصرفون وكأنهم أصحاب القرار في ما ينبغي أن يقال أو يفعل في المسجد فهو سلوك ليس له أصل لا في آداب الإمامة والمسجد كما وردت في السنة ولا في وقائع تاريخ المساجد في الإسلام، بل هي سلوكات من فعل الخوارج القدامى أو من تأثير التيارات السياسية التي لا تلتزم لا بقواعد السياسة العصرية ولا بآداب الدين وما درجت عليه من مراعاة حرمة المساجد.

على أن في ما هو مقرر بالسنة ودرج عليه عمل السلف الصالح ما يحافظ للمسجد على مهمته الجوهرية الأصيلة ويفتح للعلماء من خلاله ما يرضي غيرتهم في القيام بواجب التبليغ والإرشاد وممارسة الإصلاح الجذري المتمثل في صنع الإنسان المسلم كما يتعين أن يخرج للناس، على أن الصعوبة إنما هي في الفكر التنزيلي الذي يعمل به العلماء، وكذلك في قدرتهم على انتزاع العامة من براثين الجاهلين والمنتحلين والغالين. فلننظر إلى هذه الوظائف الدائمة التي يجب أن تتولاها المساجد إلى يومنا هذا وفي عصرنا هذا.             

 

المحور الثاني: رسالة المسجد في الإسلام

يضطلع المسجد بمهمات نبيلة وأدوار جليلة رشحته لأن يكون أهم معلمة توجيهية ضمن شبكة معالم المجتمع الإسلامي.

وأهم ملحظ يمكن تسجيله في سياق الحديث عن رسالة المسجد تعدد أدواره وتنوعها بما أضفى على وظيفته صبغة الشمول والتكامل في تربية الإنسان وتبصير الأمة بآيات الطريق.

والناظر المتدبر في النصوص الشرعية وفي تاريخ سلفنا المجيد يلمح الأثر الأبرز لهذه المؤسسة الشريفة في حياة الأفراد والمجتمعات.

وكم يبدو صعبا أن يحيط المرء بكل وظائف المسجد في حياة المسلمين، بفعل تأثيره القوي على كل مجالات الحياة من جهة، وبحكم أنه كان قبل تطور الدولة وظهور مرافق التدبير كما رأينا، محل جميع الوظائف الدنيوية والأخروية. على أن دوره الأساسي ظل كما هو عليه، ألا وهو وظيفة الصلاة وما يعد امتدادا وثمرة لها من أحوال استقامة الأفراد والجماعات، وهذا يتبين من قوله تعالى: )إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر(. فإذا لم يكن ذلك التحول والتطهر هو ثمرة التردد على المسجد فإن دوره يظل غير كامل لا بسبب المسجد ولكن بسبب خلل يتوجب على العلماء أن يبحثوا فيه ويبادروا إلى علاجه من داخل المسجد نفسه، فهو معمل لصناعة تحويلية مادتها ونتاجها الإنسان.

وعلى سبيل الاضطرار الذي يستوجبه التوضيح سنصنف المهمات المشمولة في رسالة المسجد إلى أربع مهمات، وهي:

أولا : المهمة التعبدية؛

ثانيا: المهمة التربوية والتعليمية؛

ثالثا: المهمة الاجتماعية؛

رابعا: المهمة الإعلامية.

 

المهمة التعبدية:

والأنسب أن نسميها بالمهمة الروحية لأن كل ما يقوم به الإنسان وهو مشروع داخل المسجد أو انطلاقا منه يمكن أن يوصف بأنه تعبدي، أي يتعبد به الله ويتقرب به إليه. أما البعد الروحي لمهمة المسجد فنبدأ التقرب منه من خلال الحديث الشريف الذي ورد فيه: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله في من عنده".

   فالمسجد من خلال هذا الحديث فضاء روحي مقصود للتعرض في أجوائه لذلك التلقي الذي تفيض منه تزكية القلوب  وتتأسس تقوى النفوس فضلا من الله ورضوانا، فهو حينئذ المكان الذي يفوح فيه عطر الإيمان وينتشر عبير الصلاح وتملؤه أمواج السكينة، في أوقات من الصلة الوثيقة بين الناس وخالقهم الواحد الأحد مستشعرين معاني الجلال والجمال والكمال لله سبحانه وتعالى.

فالمسجد يمكن أن يجسد حسيا التحول في حياة أي إنسان في أي فترة من عمره ليغير المسار الذي ينقله من الغفلة إلى الذكر ليصدق عليه قوله تعالى: )أو من كان ميتا فأحييناه([1]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت"[2].

فالمسجد عيادة لأمراض النفس الناشئة عن الذنوب، والذنوب إما مترتبة عن الإخلال بحقوق الله أو حقوق النفس أو حقوق الناس. لأن جوَّه جوُّ خلوة، لذلك كان الضجيج فيه ممنوعا،وتلك التخلية تؤدي إلى التحلية برفق لأن الله بواسع رحمته يغفر الذنوب جميعا. ولا يخفى على أحد أن كثرة انشغال الناس بدنياهم التي تعذبهم تجعلهم لا يتوقفون عند هذه السبل اليسيرة التي أتيحت لنا من طريق المسجد، ولربما أدت بهم الفتنة إلى التقليل من قيمة هذا التوجيه الذي سماه الله وعظا، إذا حال بينهم وبينه مرض القلوب، والحالة أن بروتوكول هذا التحول بالذكر في المسجد والصلاة موصوف لنا في القرآن الكريم، فبالصلاة يتخلص من عوائده السيئة وتمحى سيئاته وذنوبه وتعرج روحه في نزهة تحول  تدريجي إرادي يستعان عليه بالأسباب التي من أهمها وأسهلها الإقبال على المسجد حتى تتحول النفس الأمارة بالسوء إلى نفس لوامة قادرة على المحاورة ثم إلى نفس مطمئنة هي التي يريدنا سبحانه تعالى أن نلقاه بها، )يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي(.

وفي الحديث الشريف: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط"[3].

وإذا نظرنا إلى المنظومات الروحانية التأملية والطبيعية المنتشرة اليوم في العالم والتي تقترح رياضات لعلاج كسل الجسم والنفس ومن أشهرها اليوكا، نجدها تعطي أهمية خاصة للطاقات الكامنة في الإنسان وفي الطبيعة، فإننا لا نستغرب أن نجد في الإسلام استنهاضا مماثلا ولكنه مبني على استمداد الطاقة من مصدرها الأصلي مباشرة، وهو الخالق سبحانه، لأن الطاقة التي في الطبيعة إنما نستدعيها منه بمختلف صيغ الدعاء، ولعل حض الإسلام على الصلاة في الجماعة لا تنحصر فائدته في المحصلات الاجتماعية لهذا البعد الروحي فحسب، لأن المؤمنين في المسجد وفي صفوف الصلاة خاصة يتقوى بعضهم ببعض من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.    

 

 قال صلى الله عليه وسلم: "وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله"[4].

وقال كذلك في السياق ذاته: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين مرة".

وقال أيضا: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، فإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة ويمحى عنه بالأخرى سيئة"[5].

ولأن المساجد بيوت الله والتعلق بها أشرف وأسنى، فقد خص الحق عز وجل عمارها المتعلقة قلوبهم بها، بفضل عظيم وهو الكينونة في زمرة السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

قال صلى الله عليه وسلم:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...منهم رجل قلبه معلق في المساجد"[6].

 

المهمة التربوية والتعليمية:

لقد كان المسجد عبر التاريخ محل تربية وتعليم يقصده المصلون لتصحيح تصوراتهم وتقويم مفاهيمهم الوجودية والمعرفية على هدي الدين، كما كان مدرسة تعليمية يتصدى فيها العلماء للتدريس والإقراء نجم عنه انتشار العلوم وبزوغ علماء أجلاء قدموا للإنسانية خدمات جليلة.

فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخص صحابته بمجالس في المسجد يتخولهم خلالها بمواعظه الرشيدة وتوجيهاته القويمة بمنهج رباعي الأركان يشمل تلاوة القرآن وتزكية النفوس وتعليم الشرع والحكمة. وقد سلك في ذلك مسالك متنوعة تراعي سمات الأشخاص والفروق بين الأفراد.

وتعتبر خطبة الجمعة فرصة لمعالجة العديد من الآفات والانحرافات التي تظهر ملامحها في صفوف المجتمع، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينهج في معالجتها أساليب متنوعة في الإبلاغ والإفهام كضرب الأمثال وسرد القصص والترغيب والترهيب وغيرها من الأساليب التربوية التي تحفل بها كتب الحديث ومظان السيرة والتي يتحدد القصد منها أساسا في توجيه الناس إلى ما ينفعهم من صالح الأعمال وثمراته وتنبيههم إلى خطورة الشر ومآلاته.

ولذلك كانت خطبة الجمعة محطة إيمانية يتربى فيها المسلمون على المبادئ السامية والمواقف الصافية ويتطهرون بها من الذنوب والآثام. قال صلى الله عليه وسلم: "الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"[7].

وبصدد خطبة الجمعة لابد من التذكير في عصرنا هذا بالمنهج الذي وضعه لها مؤسسها صلى الله عليه وسلم، ففي سنن الترمذي عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع رسول الله صلى عليه وسلم، كانت صلاته قصدا وخطبته قصدا". وفي سنن أبي داود في حديث مرفوع قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الحميد يعني الحماني، حدثنا الأعمش، عن مسلم عن مسروق عن عائشة، قالت: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء، لم يقل ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا". ومخالفة المنهج النبوي في الخطبة وهو القصد وعدم ذكر أشخاص بأسمائهم مما يوقع قلة من الخطباء في الزلل، علما بأن القصد يوجب عليهم الاهتمام بالقضايا ذات الأولويات التي إذا عولجت واحدة منها نتج عنها علاج العشرات من الخلل والمخالفات، كالتزام الصدق والإخلاص في القول والعمل وأداء حقوق الله وحقوق النفس وحقوق العباد. إن خطبة الجمعة بأصلها ومقامها في المسجد والصلاة وشروط تلقيها بالخشوع المطلوب توجب على الخطباء اغتنامها لخدمة أساسيات احتياجاتها. ولا يجوز التشويش بها وهي تستقطب ملايين الناس في موعدها الأسبوعي. 

أما في مجال التعليم، فلا يخفى ما للمسجد من دور تعليمي عبر التاريخ وإلى اليوم، ولكن الذي ينبغي التذكير به هو ما كان للمسجد من دور في تثقيف عامة الناس، لأن لدى عامة الناس حتى من الذين لا يقرأون، لديهم حاجة ملحة وعطش كبير إلى الثقافة في الدين وإلى الثقافة العامة في مختلف المجالات مما يحتاج إليه المواطن. وإذا لم يوف العلماء بمتطلبات الاستجابة لهذا الاحتياج فإن العامة بما لديهم من حسن القصد والنية معرضون لأن يقعوا ضحية لاستقطاب أهل الأهواء من غير المخلصين للأمة. ومما يدل على تميز المسجد في باب نشر العلم أن الدروس التي تنقلها القناة التلفزية من كرسي المسجد لها حلة خاصة ووقع بالغ وتقبل أحسن.

ومن حديث عبد الله بن عمرو قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرأون القرآن ويدعون الله والآخرين يتعلمون ويعلمون فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل على خير هؤلاء يقرأون القرآن ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون وإنما بعثت معلما فجلس معهم"[8].

 

المهمة الاجتماعية:

المسجد مؤسس للجماعة، وهذا هو الركن الأكبر لبعده الاجتماعي، فهي جماعة المسجد التي هي في نفس الوقت جماعة الحي أو جماعة القرية، فقد نص الفقهاء على وجوب إقامة المسجد للصلاة ولغرض بناء الجماعة، وفي نوازل الونشريسي أقوال للعلماء في هذا الباب، وقد حرصوا على ألا تتعدد الجماعات على صعيد مدينة وإن كانت جماعة الجامع في الجمعة متكونة من جماعات المساجد الصغيرة في الأحياء، فلما ظهرت الضرورة لكثرة الناس أجازوا تعدد الخطبة في الجوامع، وإذا كان الغرض من الجماعة وقائيا وهو الحفاظ على الوحدة وتجنب الشقاق فإن جماعة المسجد لا يجوز أن تتوقف عند هذا المظهر، يدخل الأفراد إلى المسجد متناكرين ويخرجون متناكرين، ولا وجود لجماعتهم إلا بالعدد، ولكن الواجب هو إقامة صلات التعارف والتراحم والتضامن لوجه الله الذي ينسب إليه المسجد لا لغرض آخر، وهنا أيضا يجب التنبه إلى أنه في تاريخ الإسلام وإلى يومنا هذا يظهر في المساجد من يكونون جماعات تستغل فضاء المسجد وحرمته للدعوة إلى روابط أخرى تقيم جماعات تخالف روحها فكرة الجمع على الله إذا شابتها أدنى شائبة، وقد يكون ذلك بحسن نية تدخلها قلة الورع. وعلى العلماء وعموم الناس أن ينخرطوا فعليا في جماعة المسجد بشروطها مع تمام الحرص عليها.

ولاشك أن التعارف يفضي إلى التضامن، وعلى أساس أخلاق الدين فإنه تضامن برئ من الأغراض، لا الرياء فحسب، بل الاستقطاب الفكري حول اجتهادات معينة وأهداف مسطرة، ففي الوقت الذي تدعو فيه الحاجة إلى جماعة المسجد للتقليل من التوتر الاجتماعي وإيجاد الحلول لمشاكل الناس تصير الضرورة ملحة لصيانة جماعة المسجد كما يصان العمل داخله عل أساس ثوابت الأمة.

وتعتبر الصلوات الخمس المناسبات المتاحة التي يتفقد فيها المسلمون بعضهم بعضا، فإذا غاب أحدهم سألوا عنه لتبين أحواله وملابساته، وإذا أصيب أحدهم بمكروه تعاطفوا معه ودفعوه عنه. وهكذا يحفظون للأمة تماسكها وللأخوة الإيمانية سريانها.

وعلى هذا حمل المالكية قول النبي صلى الله عليه وسلم لسليك الغطفاني حين أمره أن يصلي ركعتي تحية المسجد يوم الجمعة وهو صلى الله عليه وسلم على المنبر "صل ركعتين وتجوز فيهما". قال أبو بكر بن العربي في توجيه هذا الحديث بعدما ذكر أوجها متعددة تفيد جميعها منع تحية المسجد حالة كون الخطيب على المنبر : "إن سليكا كان ذا بذاءة وفقر فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهره لترى حاله فيغيره منه"[9].

وفضلا عن الوحدة الاجتماعية، تسهم مؤسسة المسجد في تكريس الوحدة الفكرية للأمة التي تجسدها اختيارات معينة، الغاية منها تحقيق الوحدة بين المسلمين ودرء الاختلافات المذهبية والنزاعات العقدية التي من شأن حصولها نشوب الخلاف والتدابر والفوضى بين أفراد المجتمع.

وقد وفق الله تعالى هذا البلد الحبيب لأن يحسم في اختياراته منذ زمن مبكر من تاريخه التليد بجعله من العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المومنين ثوابت أصيلة عصمت البلاد من الفتن والاضطرابات التي شهدتها بلدان أخرى.

وهو اختيار ذكي من قومنا وأهلنا يدل على عميق فهمهم لرسالة المسجد الاجتماعية المتمثلة أساسا في الوحدة الناظمة وسد الذرائع أمام كل ما من شأنه أن يزعزع الأمن الروحي للمواطنات والمواطنين.

وقد عرف تاريخ الأمة امتحانات عسيرة كان للمسجد فيها الدور الحاسم في حماية بيضة الأمة من أن تمتد إليها أيدي العابثين، ويصور القرآن الكريم موقفا منها حينما نهى الله تعالى الرسول الكريم عن الصلاة بمسجد الضرار الذي اتخذه المنافقون تفريقا لصف المسلمين. قال الله تعالى: )الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المومنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا([10].

كما عرف تاريخ المغرب محاولات من قبل المحتل للنيل من جسم الأمة المغربية بإقدامه على خلق صراع بين العرب والأمازيغ من خلال ما عرف بالظهير البربري، وقد واجه المغاربة وفي طليعتهم العلماء هذا العمل العدواني انطلاقا من المسجد رمز الوحدة والأخوة الإيمانية حيث كانوا يرددون هذا الدعاء "اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر".

إن للمسجد دورا بارزا في الحفاظ على وحدة الأمة وتعزيز الأخوة الصادقة بين مكوناتها، لذا منع الإسلام كل ما يمس بجوهر هذه الرسالة ومن ذلك نهيه عن البيع والشراء وعن إنشاد الضوال في المسجد.

قال صلى الله عليه وسلم: "من سمع رجلا ينشد ضالة بالمسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا "[11].

فبان من الحديث أن إنشاد الضوال في المسجد ممنوع سواء أكانت هذه الضوال مادية صرفة أو معنوية من قبيل استغلال بيوت الله في الدعوة إلى هوى متبع أو تيار معين أو فكر خارج عن إجماع الأمة.

وقد انتبه علماؤنا إلى خطورة الفصل بين الناس في المساجد وما له من مآلات تمس جوهر رسالة المسجد فما كان من بعضهم إلا أن نزه بيوت الله عن ذلك.

ونختم الكلام في هذه المهمة الاجتماعية بالقول إن حماية المساجد من الزيغ هي من مهمة العلماء ومن مهمة جماعة المسجد، ولكنها في مستوى آخر قد تكون من مهمة الجهات الموكول لها حفظ النظام العام، لأن التربص بالمساجد تربص بالأمة، ويستعمل في هذا التربص غموض وتلبيس مفاده أن المسجد للجماعة، والأمر كذلك، بيد أن الجماعة ما كانت في يوم من الأيام متربصة بالأمة.    

 

المهمة الإعلامية:

إن الإسلام في أصله رسالة إعلامية تتغيى إخبار الناس بالحق المبين ببيان خطاب الوحي وما يتضمنه من بصائر منيرة تنأى بالإنسان عن التيه والضلال. قال تعالى: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الالباب"[12]. وقال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"[13].

وقد وظف الإسلام في تحقيق هذه الوظيفة وسائل مختلفة ومتنوعة أهمها المسجد في ما مضى، لأنه أنجع وسيلة إعلامية في حياة الأمة لما يتسم به من صدقية وقدسية لدى المسلمين ومن جمهور واسع ولأن الإمام رائد والرائد لا يكذب أهله.

والإعلام في المسجد يبدأ بالأذان للإخبار بدخول وقت الصلاة ينادي من خلالها المؤذن للصلاة لقوله عز وجل: "إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا"[14].

ويمكن أن تتضمن خطبة الجمعة بلاغات تدخل في الأمور الجامعة التي تفيد الجماعة في مجال من المجالات. وهي إمكانية عظيمة للتبليغ النافذ، لا تستغل بما يناسب لحد الآن، ولاشك أن الوصول بها إلى الهدف الإعلامي المطلوب يتوقف على التأهيل من جهة، وعلى التوجيه من جهة أخرى. ولابد أن نقر بأن الاحتياط من استغلال المسجد يعطل قدرا من طاقاته في كل المجالات والمهام التي ذكرنا، وهي حالة لاشك زائلة إذا توضحت خصوصية المسجد واتضح أن التفريط لا يمكن أن يقع حماية لقدسيته ومهامه.

ويعد الخطيب رائد القوم الذي لا يكذب أهله، لأن الرائد والخطيب كليهما ثبت ثقة عند قومه. فالرائد هو الشخص الذي تختاره القبيلة ليبحث لها عن مكان خصب فيه الماء والمرعى لتنتقل إليه، وهو عندما يختار لها مكانا فإنها تصدقه وتثق بما أخبر به.

 

جوانب من عمل المغرب في خدمة بيوت الله من خلال الممارسة الميدانية

 نحسب يا مولاي أن إطلالة على تجربة محدودة في نطاق المجلس العلمي لإقليم خنيفرة من شأنها أن تبين نموذجا من التأطير الذي أسفرت عنه سياسة جلالتكم في ما يخص المساجد وتأهيلها لأداء رسالتها الشاملة.

لا يخفى أن قبائل هذا الإقليم عريقة في التاريخ وفي الدين والجهاد والأصالة الثقافية على السواء، وهي حريصة في عهد جلالتكم على مواصلة تشبثها بثوابتها الدينية والوطنية، والمسجد له دور اساسي في هذه الاستمرارية كما هو الشأن بالنسبة لأقاليم المملكة الأخرى. فمجموع المساجد التي يشرف المجلس العلمي على تأطيرها ستمائة وخمسون، منها اثنان وثمانون في المجال الحضري والباقي في قرى الجماعات. وللمجلس تواصل مستمر بأئمة هذه المساجد إما عن طريق تنظيم الدورات التكوينية أو عن طريق برنامج ميثاق العلماء الذي يجري مرتين في كل شهر ويجتمع فيه مكونون ينتدبهم المجلس بجميع أئمة الإقليم في مجموعات متوسط عدد الأئمة في المجموعة الواحدة خمسة وثلاثون إماما. وبفضل هذا التأطير انبعثت حركة تجديدية في المساجد، وتعزز لدى الأئمة الشعور بعظم رسالة المسجد ومتطلبات القيام بها بشروطها، وعلى رأس هذه الشروط العمل بالثوابت المتمثلة في العقيدة والمذهب وإمارة المؤمنين والسلوك الروحي الملتزم بالسنة. وأدى هذا التأطير إلى تذكير عميق بالمقومات النظرية لمهمة الإمامة وأظهر يقظة خاصة، ونبه من كان في حاجة إلى التنبيه وأفضى الحال والحمد لله إلى الالتزام التام من لدن جميع الأئمة، فما من مسجد إلا ويقرأ فيه القرآن الكريم على سبيل الحزب الراتب بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب، وهذه القراءة كما لا يخفى وإن كانت جزئية لها دلالتها في ما يتعلق بالالتزام بالثوابت من قبل الإمام. وقد أنشأ المجلس أكثر من أربعين مركزا لتحفيظ القرآن الكريم للصغار والكبار من الرجال والنساء، و قد وضع رهن إشارة المجلس العلمي أربعة وعشرون من الأئمة المرشدين يساعدون في برامج تأطير المساجد، ويصلون بتكليف من المجلس إلى جميع المساجد في القرى القريبة والنائية لأداء مهمتهم، كما يستعين المجلس بالوعاظ المؤهلين وعددهم واحد وخمسون واعظا يتولون مهمة الإرشاد في مختلف المساجد، ومن أبواب الخدمة المقدمة للناس انطلاقا من المسجد في جهتنا الحلقات العلمية داخل بعض المساجد لتدريس بعض العلوم الشرعية للعامة لاسيما في التفسير والحديث والفقه والسيرة. ومن مظاهر الاندماج الاجتماعي للمساجد النظرة التقديرية للإمام بحيث يظل قبلة الناس في الشؤون التي يرجع إليه فيها عادة، أو التي يحضرها للتيمن والتبرك أو يلجأ إليه فيها للصلح وحل النزاعات.

وحيث إن المسجد مرتبط بالإمام فإن التدابير التي أمرتم بها يا مولاي بخصوص تحسين الأوضاع المادية للأئمة قد أسهمت في دعم المساجد ماديا ومعنويا وأدبيا.

 

مولاي أمير المؤمنين

هذه وقائع ميدانية حية تتعلق بالعناية بالمساجد في مملكتكم، ومن ثمرات تدبيركم، والوقوف عليها في هذا العصر يضاهي الأسفار من الحديث حول المسجد ودوره في التاريخ،وتتوافق مع فكركم العملي الميداني وحرصكم الدؤوب على أن تصان لهذه الأمة شخصيتها ومقدساتها، والمسجد ورسالته في طليعة ما ينبغي أن يصان ويستخدم في الخير والإصلاح والبناء. وإذا علمنا أن كل مجلس علمي من المجالس العلمية التي يبلغ عددها اثنين وثمانين مجلسا يقدم مثل هذه الخدمة للمساجد وأكثر في منطقة اشتغاله تأكدنا أن المسجد في قلب تنمية المجتمع وأنه موضوع على خطة ستصل به إن شاء الله إلى موقع يليق بالبيوت المنسوبة إلى الحق سبحانه تعالى.    

 

في ختام هذا الحديث يتأتى لنا القول إن المسجد في أبعاده الدينية والتربوية والاجتماعية والسياسية مؤسسة لا تعدلها في القدر والقيمة مؤسسة أخرى، فهي من حيث العدد أكثر من ضعف عدد المدارس، والمقارنة بالمدارس جائزة بحكم الاشتراك في الوظيفة التربوية، وهي من حيث القرب أكثر الأماكن العمومية حضورا في النسيج العمراني في المدن والبوادي على السواء، وهي من القدسية بحيث يلتزم فيها الناس من الخشوع وراقي السلوك وتجنب الإسفاف والضرر ما لا يلتزمونه في مكان آخر، وتهيئ قدسيتها لنوع استثنائي من الإنصات والاستعداد للتلقي، ويزيد من هذا الاحتمال إيقاع تردد يبدأ مع الفجر ويختم بصلاة العشاء، فهي مكان الصلاة والتواصل والتواصي، يعتقد الناس بحكم ما ورد من الحديث أن الملائكة تحفهم بين جدرانها. ولكل هذه الاعتبارات وغيرها يأتي تأثير الخطاب الذي يسمعه الناس داخل المساجد قويا لأن الناس لا ينسبونه لقائله الذي يحتمل أن يوافقه البعض ويختلف معه البعض الآخر، بل ينسبونه لله ورسوله كما ينسبون المساجد لله.  

وهذا سر الطابع الجامع للمسجد، يطلب فيه الناس ما لا يوجد في غيره من الأماكن، ويجتمعون فيه على التوحيد الذي يحطم كثيرا من الأصنام في قلوبهم فيكونون أقرب إلى المحبة وأبعد من التنافر والبغضاء، وبالنظر إلى ما ذكر واحتراما للناس ورعيا لهذه المنافع الكبرى للمسجد وجب التنصيص على طبيعته كمؤسسة بين المؤسسات، فالمعروف عادة هو المؤسسات العمومية التابعة للدولة، والمؤسسات المسماة بشبه العمومية والصنف الآخر الذي هو المؤسسات الخصوصية، أما المسجد فلا هو بمؤسسة عمومية ولا هو بمؤسسة خصوصية، بل هو مؤسسة الأمة، لوظيفة معينة لا لغيرها، هي عبادة الله في معناها الواسع، وهذا ما يوافق قوله تعالى: )وأن المساجد لله(وهذا التعريف للمسجد بأنه مؤسسة الأمة له في نظامنا المغربي مقتضيات واضحة، لأن مقام الأمة هو مقام إمارة المؤمنين، ولذلك فالمساجد تقع في عمق الشأن الديني الذي تختص به إمارة المؤمنين، ومن حماية المساجد من التجاذبات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع تبدأ حماية الملة والدين، وهذه الحماية تكون بضمان الحياد للمسجد بحيث تكون استفادة الجميع من خيره وفضله مضمونة للجميع، ولاشك أن الإغراء السياسي بالتسلل إلى المسجد إغراء قوي لاسيما في هذا العصر، ولكن فرض حياد المسجد بوسائل قانونية وتدبيرية ضمن سياسة الشأن الديني التي يخطط لها ويوجهها أمير المؤمنين حفظه الله، ستفضي مع مرور الزمن إلى اقتناع الجميع بهذا الحياد الذي تستفيد منه السياسة السليمة أكثر من غيرها، لأن كل محاولة لاستغلال المساجد في السياسة الفئوية مخالفة للدين من جهة وغش في السياسة من جهة أخرى. والواضح أن حماية المساجد لضمان حيادها تقتضي ما هو جار وقائم في سياستكم يا مولاي من عناية ببنائها تشييدا وترميما وتجهيزا، ثم العناية بأئمتها رفدا وتأهيلا، ولا يختلف عقلان سليمان واعيان بمقاصد الدين أن العقيدة التي توجه سلوك الإمام واضحة راسخة وهي الانطلاق من كونه هو الإمام الأصغر الذي ينوب في مسجده عن الإمام الأكبر أمير المؤمنين، فهو منتدب لتلك النيابة ومستخلف فيها، وتوفر له الشرعية والحرية ليؤدي مهمته في دائرة تبينها كثير من التوجيهات القرآنية و الإرشادات السنية، والأئمة في هذا كله يستعينون بالعلماء في هذه المهمة التي تواجهها صعوبات التنزيل في وقتنا الحاضر، وهذا الحضور من جهة العلماء بجانب الأئمة في أداء مهمتهم قائم والحمد لله في البلد الأمين.  

 

مولاي أمير المؤمنين،

نحمد الله على أن رزق هذه الأمة المغربية في شخصكم الكريم من يصدق عليه وصف جدكم الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، عندما قال: "ورجل قلبه معلق بالمساجد".

اللهم احفظ مولانا أمير المؤمنين بما حفظت به الذكر الحكيم، واجزه عن الأمة الجزاء الأوفى يحمي دينها ويرعى مساجدها، وأعطه من كل خير عندك.

 

والختم من مولانا أمير المؤمنين.

 


[1]ـ سورة الأنعام الآية 123.

[2]ـ متفق عليه واللفظ للبخاري.

.[3]أخرجه مسلم والترمذي.

[4]ـ أخرجه أبو داود والبيهقي في السنن الكبرى.

[5]ـ أخرجه مالك في الموطأ

[6]ـ متفق عليه.

[7]ـ شعب الإيمان للبيهقي.

[8]ـ أخرجه ابن ماجه.

[9]- عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ج2/254 منشورات دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1418هـ1997م.

[10]ـ سورة التوبة الآيتان 108 ـ 109.

[11]ـ أخرجه مسلم في صحيحه.

[12]ـ سورة إبراهيم الآية 54.

[13]- أخرجه البخاري.

[14]- سورة النساء الآية 102.

للاطلاع أيضا

توفيق الغلبزوري: الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة

دور الإيمان في المحافظة على صحة النفوس والأبدان للأستاذة أمينة عراقي

شد الرحال إلى المسجد الأقصى للشيخ محمد أحمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية

الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لعبد السلام العبادي

شوقي علام وارتباط المعاملات بالأخلاق

أحمد التوفيق والشعور الوطني عند المغاربة

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube