الجمعة 24 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

أحمد التوفيق والشعور الوطني عند المغاربة

 افتتح السيد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدروس الحسنية الرمضانية بالقصر الملكي العامر بالرباط يوم  الخميس الثاني من رمضان 1434ه الموافق 11 يوليوز 2013م. تناول فيه موضوع :"الشعور الوطني عند المغاربة"، انطلاقا من قوله تعالى:"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور".

 

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحابته الأكرمين

 

مولاي أمير المؤمنين

إن أقوالكم وأفعالكم التي هي تصرفات قيادية،وتخطيطات ملوكية، تحمل معها وفي ثناياهَا نَفَسا وطنيا، وجذوة قوميةً تجدد الشعور الوطني لدى المغاربة، أما تجاوب رعاياكم مع نفسكم الوطني فهو يستند إلى رصيدهم التاريخي، ولذلك وددت أن أتناول في هذا الدرس، بعد إذنكم، ما يشبه التذكير المجمل بملامح هذا الرصيد وبارزِ تجلياته.

 

مولاي أمير المؤمنين

أستأذن جنابكم الشريف في طرح هذا السؤال: ما هو الشعور الذي يغمر نفوس كثير من المواطنين في مملكتكم اليوم؟ لا أقصد المشاعرَ أمام أنواع المشاكل والهموم التي تنم عن الغيرة والمسؤولية والطموح إلى الأحسن، ولكن أقصد التعبير الذي نسمعه من مختلف الفئات على النحو التالي: "هذا البلاد معها شي بركة وعناية ربانية". من منا لم يسمع مثل هذا التعبير أو لم يُحس بمثل هذا الشعورِ في قرارة نفسه؟ المراد من هذا الدرس، يا مولاي، أن نبين بقدر الإمكان أنها عناية سابقة لها شواهدها في التاريخ، إذ تجلت في هداية الله المغاربة إلى اختيارات حاسمة، وأعمال جليلة، هي التي نجني ثمارها اليوم في مسارنا الوطني.

ليس الشعور الوطني شعارات قولية ترفع، بل هو وقائع تاريخية بنى من خلالها المغاربة شخصيتهم المتميزة، في ميادين السياسة والمجتمع والثقافة، ومن خلال التفاعل مع الأرض وكل ما تتجلى فيه عبقرية الإنسان وعطاء المكان.

إن الشعور الوطني في حياة شعب من الشعوب يتجلى في أربعة مظاهر هي:

أولا: دفعُ الغزو الأجنبي، ويقابله ما وصفته السنةُ المطهرة بالجهاد الأصغر؛ وسنذكر له أمثلة من تاريخ المغرب؛

ثانيا: دفع كل تهديد داخلي صادر عن أي جهة تضر بسيادة الوطن أو هويته أو أمنه أو استقراره أو مسيرته بتقديم مصلحة فردية أو فئوية، والحال أن الوطن كيان سام يفترض من جميع المنتمين إليه مراعاة المصلحة العليا وهي مصلحة الوطن؛

ثالثا: كل أعمال البناء التي تخدم الوطن، لاسيما في وضع المقومات المشكِّلة لشخصيته، أو المسهمة في قوته وعزته، وهذا في الحقيقة شعور من خلال براهينه، وعلى هذا الصنف سنركز في معظم أمثلة الدرس، ويقابله ما وصفته السنة بالجهاد الأكبر؛

رابعا: كل أعمال صيانة المكتسبات وتجليات الشكر لله عليها.      

وسنمهد للحديث في هذا الموضوع من خلال مقدمات ثلاث، أُولاها تهم تداول مفهوم الوطنية والشعور الوطني في التاريخ الأوروبي، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية. وثانيتها تتعلق بتأصيل مضمون الشعور الوطني في الدين بالاستناد إلى الآية التي اخترناها منطلقا للدرس. وثالثة المقدمات في كيفية تجاوز الحرج الذي وقع فيه من امتعض في أفق الإسلام من فكرة الوطن والوطنية، قائلا إن الانتماء لا ينبغي أن يصح إلا إلى الأمة.

 

المقدمة الأولى

ما من شك في أن محبة الوطن قديمة بقدم العالم، والشعور الوطني هو الذي عبأ عددا من الشعوب ضد الغزو والظلم، وهو محبة تتخذ أفقا يستند بدرجات متفاوتة إلى عناصر مشتركة كالجغرافيا والجنس واللغة والدين والعوائد والتاريخ. وببروز ظاهرة الشعور الوطني بوضوح أكبر في العصر الحديث نجد المفكرين يتتبعونها، إما بفهم تجريبي عقلاني تعاقدي، وإما بفهم نظري مثالي وصوفي. فميشليMicheletمثلا يرى أن المهم في الوطنية هو الاشتراك في الشعور بقطع النظر عن أي شروط أخرى، ومنهم من يرى أن العناصر المادية المذكورة لا تكفي، إذ لابد من نَفَس حياة، ومنهم من أعطى الأهمية لمقوم دون آخر مثل رانكه  Rankeالذي يرى أن أهم ما يُسند شعورا وطنيا هو وقائع التاريخ. ومنهم من يرى مثل مامسن Mommesenأن أساسه الاشتراك في الأفكار والمصالح والذكريات والآمال، ويرى هنري بير Henri Berrأن الأمة الحاملة لشعور وطني تحتاج إلى دولة خاصة بها مقبولة منها. والذي نخرج به من هذه المقدمة تأكيدُ الأهمية التي أعطاها بعض المنظرين للتاريخ، لأن التاريخ هو الذي يصنع الوقائع، بينما تقوم الفلسفة بتنظيمها.   

 

نمر بعد هذا إلى المقدمة الثانية، وتدور حول الآية التي اخترناها منطلقا للدرس، قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿الذِينَ إِنْ مَكَنَّاهَمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الاُمُور﴾.

إن هذه الآية الكريمة من أنسب ما في القرآن الكريم لتأصيل المفهوم الذي نحن بصدده في الدين، موضوعِ الوطنية والشعور الوطني، لأن الفطرة تأبى والمنطق لا يقبل أن يغيب هذا المفهوم الأصيل عن الدين، وقد لا يتنبه لهذه الآية من يعتبر ذلك المفهوم مقترنا بنزعات من قبيل الحمية والتعصب، أو حتى مدافعة العدو التي ليس من ورائها الانتصار للحق. فلنرجع أولا وباقتضاب إلى أقوال المفسرين في الآية المذكورة:

وقف المفسرون أولا عند المقصودين ب"الذين" فقال بعضهم هم المهاجرون، لأنهم تمكنوا من مكة عند الفتح، وقال آخرون هم الخلفاء الراشدون، لأنهم قاموا على الشروط الواردة في الآية، وقال معظمهم إنها عامة تعني كل الأجيال المتعاقبة من المؤمنين. ووقفوا عند "التمكين" فقالوا التملكُ للأرض والتوطينُ والسلطنةُ فيها، ذهب البعض إلى أنها في ولاة الأمور، لكن ابن كثير نقل في تفسيره كلاما نفيسا عن عمر بن عبد العزيز يدل على تصور تعاقدي يقول فيه: إنها، أي الآية، ليست في الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، يؤاخذهم بحقوق الله، ويأخذ لبعضهم من بعض، ويهديهم للتي هي أقوم ما استطاع، وعليهم الطاعة غيرُ المبزوزةِ ولا المستكرهِ بها ولا المخالِفِ سرُّها علانيتَها. وبلغ الشيخ ابنُ عاشور الغاية في فك بعض أسرار الآية عندما قال: "الكلام في الآية مسوق للتنبيه على الشكر".

وبمزيد من تدبر الآية نقف على أنهاتتضمن عددا من مقومات الوطن والوطنية وهي:

  1. العنصر البشري وهم الممكنون؛
  2. الأرض أو المكان؛
  3. الاستيطان الراسخ؛
  4. سيرورة يحصل بها التمكن وهي التاريخ؛
  5. حصول وعي استتبع الشكر وهو ما يقابل أسمى صور الشعور الوطني؛
  6. اقتران تمكن الجماعة بوجود الدولة التي سماها مفسرون سلطنة؛
  7. بلورة هذا الشكر على التمكين في برنامج؛
  8. شمولية هذا البرنامج، حيث إن الصلاةَ تعطي معنى الحياة وتجدده باستمرار، والزكاةَ تدخل في توازن المجتمع، والأمرَ بالمعروف يُقوِّم السلوك بالوعظ أو القانون.

هكذا، فالعلاقة التي يمكن أن تكون بين المواطن والوطن من منظور هذه الآية هي علاقة التعبير الفعلي عن الشكر الموجب للالتزام.

وليس هناك من دليل على أن الشرط في هؤلاء الممكنين في الأرض أن يكونوا كل الأمة، وأن تكون أرضهم تشمل كل الأرض، فقد ورد التمكين في القرآن بصدد أقوام معينين وفي أرض محدودة، ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾(الأعراف 09) وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الاَرْضِ﴾(يوسف 56) بل إن مما يمكن أن يستشف من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمُ﴾حضٌّ على التعارف الذي يتبعه الاعتراف مع الإبقاء على الشعوب والقبائل دون صهرها في كيان سياسي واحد. فالأمة واحدة بالتوحيد وبشعور التضامن الذي يجعلها كمثل الجسد الواحد.

أما المقدمة الثالثة حول العلاقة بين الوطن والأمة، فيتضح الكلام فيها بوقائع بارزة على امتداد تاريخ المغرب ومنها:

  1. البناء السياسي النابع من العمق الاجتماعي في توازن مع الانتماء للأمة؛
  2. خدمة الأمة بالرسالة الدينية والحضارية، لا سيما في الأندلس وإفريقيا؛
  3. الإبداع الحضاري الممَّيز للمغرب، والذي يعد، بكيفية منطقية، إسهاما في حضارة الإسلام من جهة، وإسهاما كمكون إسلامي في حضارة الإنسان من جهة أخرى.

إن المثل التاريخي الحي الذي قدمه المغرب في أحوال تدينه وفي رعايته لأواصر الانتماء للأمة لا يحتاج إلى مزيد دليل. والجدال بين دعاة التيار القومي وبين حملة الحنين إلى السديم الأممي جدال لا يقر بتجارب الأمم، ولا يتدبر أشكال التقارب والتباعد بين الوحدات السياسية والاقتصادية والثقافية بحسب معطيات تستجد كل يوم في العالم. 

 

ومما يدخل في هذا المعنى التنبيه إلى ما كان لبعض الأوطان من ادعاء الترشح لمصير متميز أو استثنائي، استنادا إلى أحاديث نبوية في فضائل أوطانهم، ومن هذه البلدان اليمن والشام والعراق ومصر والمغرب. والحديث المذكور بصدد المغرب هو الذي جاء بصيغ منها في رواية مسلم بسنده إلى سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".

والمؤرخ يهمه من هذه النصوص أن ينظر إليها من جهة دلالتِها الواقعية وتأثيرِها النفسي على المعنيين بها، فهل تُصدَّق وقائعُ تاريخ المغرب هذا التميزَ الموعى به من البداية إلى يومنا هذا؟


سنحاول بحول الله القيام بإطلالة على هذه الوقائع عبر ثلاث مراحل هي:

أولا: مرحلةِ التشكل والتأسيس، وتمتد مما قبل الإسلام وبعده إلى نهاية الموحدين؛

ثانيا: مرحلةِ الاستكمال والترصيص، وتمتد على العصرين المريني والوطاسي؛

ثالثا: مرحلة التنزيل والتكريس، وتمتد على العصرين السعدي والعلوي.


لقد أظهرت أبحاثُ الأنطروبولوجية الفيزيائية أن العنصرَ الأمازيغي الذي هو العنصرُ المتمكن في هذه الأرض منذ العصر القديم، ذو هوية لا يحددها الجنس بقدر ما تحددها الثقافة، فالمغرب بوثقة انصهرت فيها جملةٌ عديدة من الأجناس، ولكن شخصيته الثقافية انبنت على لحمة لها من الصلابة ما للحمة الجنس والقربى. في ميزة هذا الانتماء الثقافي تكمن مؤهلاتُ التساكنِ المتعدد الذي هو تمرين دائم على قبول الآخر.

وقد ابتُليت هذه الصلابة ونجحت بتحديات منها:

  1. التعامل السلمي مع شركاء أجانب مثل الفينيقيين؛
  2. المقاومة الشديدةُ للإمبريالية والاستعمار في العصر القديم؛
  3. إظهار الطابع الخصوصي في تقبل المسيحية على المذهب الأريوسي ذي النزعة التحررية، وهي علامة مبكرة على التمييز بين الدين وبين الاستغلال السياسي باسم الدين.

ولابد من الإشارة إلى ثلاث ظواهر برزت مبكرة منذ ذلك الوقت وهي:

أ‌)      انعكاس الاختلالات الداخلية على درجة التعامل مع الدخيل؛

ب‌) الاستعداد للاستلاب الثقافي الأجنبي لدى نخبة من السكان؛

ت‌) النضال لرفع التقسيم الثلاثي المفروض من الخارج عدة مرات على بلاد المغرب الكبير.

تتمثل المظاهر الداعمة للوعي بالكيان المتميز من وقت الانفتاح للإسلام إلى قيام المرابطين في وقائع مؤسساتية عظمى، سياسية ودينية وبشرية وحضارية.

ففي الجانب السياسي انتمى المغرب بوعيه وواقعه إلى فضاء الإسلام، وبعد تجربةِ أقلَّ من قرن تحت الولاة الجهويين العاملين باسم الخلافة الأموية في دمشق أو الخلافة العباسية في بغداد، واجه وضعا سبق أن عرفه في العهد الروماني حيث كان عليه أن يختار بين الانتماء إلى الأخذ بالحق الذي يمثله الدين، وبين معاناة الظلم في المعاملة من قبل ولاة يحكمون باسم الدين، حيث إن جوهر الدين هو الهداية ولا يمكن اختزاله في مجرد جباية، فقرر أن يؤسس مع الأدارسة دولته المستقلة وملكيته الممتدة إلى اليوم.

ومما يدل على أن هذا الاستقلال يدخل في التدبير الرباني لمصير أمة أريد لها التمكين، أنه وقع على يد شخص أعزلَ دخل المغرب لاجئا من المطاردة السياسية، هو إدريس بن عبد الله. وقد ترتب عن اختياره إدخال عناصرَ جوهريةٍ في الكيان الوطني المغربي أبرزها:

  1. قيامُ نظام البيعة؛
  2. قيامُ النظام الملكي في المغرب؛
  3. اختيارُ المغاربة لصف أهل السنة والجماعة؛
  4. اختيارُ مذهب الإمام مالك في الفقه مبكرا؛
  5. قيامُ شروط التحكيم السياسي المؤسِّسِ لمشروع دولة، وسط اتحاديات كبرى من القبائل. 

وليس قيامُ الأمازيغ حول المولى إدريس الثاني ببناء مدينة فاس مجردَ تحول طوبوغرافي في مركز الحكم، بل هو تأسيسٌ للعاصمة، لأن الشعور المصاحب لبناء مدينة عاصمة شعور تأسيسِ الجماعة تأسيسا يرمز إلى الأمة في حدود الوطن وبقيادة إمارة مبايعة، وقد أتى لإغناء هذا التأسيس ذلك الصنيعُ المجيد الذي قامت به امرأة، هي فاطمة الفهرية، حيث زرعت في قلب هذه العاصمة جامعا ينطلق منه خطابُ الجماعة والأمة والإمارة، جامعا نموذجيا بالأسبقية، تقام فيه الصلاة ويُحض فيه على الزكاة والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وتنشأ فيه وحوله ثلةٌ من العلماء تدافع عن اختيارات الأمة في وقت كانت تتعرض فيه لمناوشات مذهبية مخالفة.

هكذا اجتمعت في أقلَّ من قرنين عناصرُ أساسيةٌ في بناء الأمة، عناصرُ تبني الشعور بالانتماء بقدر ما تبني الكيان الوطني بمقومات تتعدى شروط العيش، لتشمل بناء معنى الحياة في إطار الانتماء إلى الدين.

كان الاستقلال السياسي تصحيحا عن طريق اختيارات أسفرت عن موقف عقلاني لم ينكر الأمة باسم الاحتجاج، ولو كان مشروعا، بل رتب أواصرَ تأسس عمَّقها على رابط المحبة في آل البيت، ثم على الارتباط الفكري مع مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، باختيار مذهب مالك، ثم على هذه الرحلات العلمية المؤسسة لأسانيد المشيخة، أضف إلى ذلك الإقبالَ على الحج، كل هذه وشائج أدوم وأقوى مع الأمة، تتعدى آثارُها علاقةً سياسية بمركز حكم بعيد لا تنتج إلا التوتر.

ومن الظواهر المرتبطة بهذا المسار المغربي ظاهرةُ التجاوز، ونعني به المرور من الانفعال إلى الفعل، وأولُ تجلياته قيامُ المغاربة الذين لم تمض على أسلمتهم سوى مدة عقدين، قيامُهم بنقل الدين والحضارة إلى الأندلس.

آل حكم الأندلس إلى الأمويين في الأندلس بعد سقوط دولتهم في الشام، وهذا يعني أن جسما سياسيا ذا ملامح شرقية قد حل على أميال من حدود المغرب الشمالية، وليس في شرقيته من بأس، لولا أن هذا الجسم كانت له أطماع في المغرب، جلبت هموما للأدارسة وعمِلت على استغلال قيِام إمارات على أنقاضهم، وحدثت للمغرب مشاغلُ ناتجة عن أطماع مماثلةٍ من جهة الشرق بعد أن قامت في إفريقية، تونس الحالية، الدولة الفاطمية التي كانت أطماعها في المغرب أخطرَ من مجرد أطماع سياسية، إذ كانت أطماعا عقدية تهدف إلى نشر المذهب الشيعي.

لم يكن الشعور ببناء الهوية ليتثقفَ ويصمدَ للأطماع الخارجية وقوى التفرقة الداخلِية على مستوى الهيكلِ السياسي الأعلى لو لم تَسنده في القاعدة مؤسساتٌ تمثلت على الخصوص في المساجد وفي مشيخة العلماء، ثم في النخب الحضرية، وفي حماس القبائل  لانتداب أبنائها للتفقه في الدين وفي إنشاء زعامات معنوية إلى جانب ما كان لها من زعامات حربية.    

ونستطيع أن نقرر أن العلماء كانوا في العمق يضعون للمشروع الوحدوي أسسا صلبة لا تتأثر كثيرا بالتقلبات السياسية، وإلا كيف نفهم أن أبا عمران الفاسي، وهو في قمة هرم السلطة الدينية في القيروان يستعمل شبكة الاتصال العلمي الديني المخترقة لهذا المجال، ويتدخل لدى سلطة علمية أخرى في مدرسة رباط نفيس، قريبا من المكان الذي بنيت فيه مراكش فيما بعد، لينتدب له تلميذا من عيار عبد الله بن ياسين المصمودي، ليرافق زعماء صنهاجة إلى الصحراء ويهيئ معهم قيام دولة المرابطين.

فهذا الفاسي في القيروان، وهذا الصنهاجي المكون للعلماء في نفيس، وهذا المصمودي من أعيان المتخرجين به، خططوا ما بين خليج سرتة في الشرق ونهر السينغال في أقصى الجنوب الغربي على شاطئ المحيط، خططوا لمشروع سياسي وحدوي تدعو إليه الضرورة.

وهنا نقف في الشوط الأخير من مرحلة التأسيس، وهو الشوط الموافق لدولتي المرابطين والموحدين، على واقعتين وهما قيام الدولتين المذكورتين على أساس عصبيتين قبليتين، فهل العصبية هنا تعني التعصب القبلي بالمفهوم الجاهلي؟ لو كان الأمر كذلك لما وجدنا في أصل المشروعين فقهاء. بل المدهش تاريخيا هو هذا التناوب التاريخي الصارخ المتمثل في زعامة الكتل البشرية القبلية الثلاث الكبرى، صنهاجة ومصمودة وزناتة، أسهمت كل واحدة منها في بناء كيان الوطن عن طريق بناء الدول وإنتاج الحضارة، وذلك على امتداد خمسة قرون من الاستمرار، وهذه المحصلة تُعد من أعظم الشواهد على ما يمكن أن نسميه بعقل التاريخ المغربي القاصد منذ البداية إلى وجهة تهيأت فيها أدوار أتاحت بناء الكيان، لبنةً لبنة، وركنا ركنا، على سبيل شكر النعم مع تنامي الوعي بضرورة صيانته والعض عليه بالنواجذ.

لقد أتاح قيام الدولتين المرابطية والموحدية وقائع وعناصر، ومن أهمها:

  1. الصمودُ أمام النورمانديين والقشتاليين على الخصوص؛
  2. ترسيخٌ نهائي لمذهب السنة في المغرب؛
  3. الاحتياطُ من الأطماع الخارجية ولو من جهات سياسية مسلمة؛
  4. تعبير المغرب عن الانتماء للأمة رمزيا عندما تسمى سلاطين المرابطين بلقب "أمير المسلمين"؛
  5. تجربةُ صنف من النظام السياسي التشاوري كان الحاكم فيه يُصغي إلى رأي العلماء في بعض أمور البلاد؛
  6. اغتناء تدين المغاربة بالسلوك الروحي المعروف بالتصوف، وقد تميز خاصة بغلبة الطابع الاجتماعي، وحتى في الجانب العرفاني، نجد ابن عربي في رسالة الانتصار، يعبر عن التميز المغربي في هذا المجال ويقول: "فتح المغرب لا يجاريه فتح
  7. قيام الفقهاء بوضع نموذج للتعبير عن الكمال المحمدي من خلال كتاب الشفا للقاضي عياض؛
  8. قيام تجربة بنى فيها ابن تومرت مشروعه السياسي على الخلاف الجزئي منذ ذلك الوقت، خلافٍ تمثل في جزئيات من التوحيد أُقحم فيها عوام الناس، ثم ركز على أمور لاستهواء العامة مثل كسرِ آنية الخمر، وكسرِ آلات الموسيقى، ونهر النساء على عدم التزام حجاب معين. وحيث إن هذا المسلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كشف غير ما مرة على خلفياته السياسية فقد صار مبتدلا لا يحمل أي مفاجئة بالنسبة للمغرب؛
  9. إعطاء برهان آخر على قدرة الكيان البشري المغربي على استيعاب عناصر جديدة وتركيبها في هويته المتعددة أصلا، وذلك حين دخلت المغرب قبائل من عرب بني هلال واستوطنت سهول الغرب ثم تقدمت إلى سهول أخرى؛
  10. تزايد تدفق عنصر آخر على المجال المغربي وهو العنصر السوداني، من غانا ومالي، مع ما رافقه من تبادل في الحضارة المادية واللامادية، يضاف إلى مراجع الهوية الوطنية.

إن التبادل الحضاري الثري مع الأندلس كان أعظم عائد على تدخلات المغاربة وتضحياتهم في ذلك المجال لعدة قرون.

بنهاية هذا العصر الموحدي استُكمل جل عناصر الشخصية المغربية في بناء الدولة وتركيب المجتمع وإرساء الثوابت الدينية وبناء الحضارة والتمرس بتبعات العلاقات الخارجية والروابط مع الأمة وتحمل الرسالة الحضارية إزاء آفاق في الشمال وفي الجنوب.

يتأتى لنا الآن أن نمر إلى المرحلة التي أسميناها مرحلة الترصيص، وتوافق العهدين المريني والوطاسي، والمقصود بالترصيص كما أسلفنا تثبيتُ المقومات المتبناة على أساس اختيارات موفقة، وإن كان النموذج الموحدي في قوة الدولة واتساع مداها وفخامة تراتيبها وزخم العلم والفكر حول سلاطينها قد انتصب نموذجا لبقية الدول الموالية.

والواقع أن ملوك بني مرين حافظوا على مجمل الإرث، غير أن عهدهم تميز بثلاثة أمور أساسية هي:

  1. حركة تصحيحية تمثلت في إزالة كل آثار العقيدة التومرتية وعودة التأثير للفقهاء المالكية على الدولة، بشكل معتدل بالنسبة للعهد المرابطي، وعلى المجتمع من خلال المساجد والمدارس التي انتشرت بوثيرة غير مسبوقة؛
  2. إدماجُ عناصر بشرية جديدة في الجهات الشمالية للمملكة، منها العنصر الزناتي المترحل الذي أسس هذه الدولة والذي دخل في سيرورة استقرار واكبتها حركةُ تعريب متسارعة؛ ومنها عنصرٌ عربي جديد أكثر بداوة من السابق وهو العنصر المعقلي المتكون خاصة من ذوي منصور وذوي حسان؛
  3. تحقيق درجات من الترقيق والتأنيق في جميع مناحي الحياة المعيشية الحضرية؛
  4. قيام حركة علمية وفقهية وأدبية غير مسبوقة في كثافتها؛
  5. ظهور عناصر يستشف منها بوضوح إحساسٌ إضافي عند المغاربة بهويتهم وخصوصيتهم، ومن بين هذه العناصر:

أ‌)       نشاط الكتابة التاريخية المتخِذةِ للمغرب الأقصى مركزا ومنطلقا؛

ب‌)       ظهورُ الكتاب الشهير الذي ألفه ابن عبد الحليم الأيلاني حول مفاخر البربر مع ماله من مغزى ودلالة.

في عهد بني وطاس وقعت وقائع هيأت لمغرب ذي ملامح فيها تغيرات ملموسة بالنسبة للتاريخ السابق، فقد احتل الإيبيريون مدينة سبتة وسقطت الأندلس، وخرج الأوروبيون لغزو العالم الجديد، وفي طريقهم احتلوا عددا من مدن المغرب بين طنجة وأكادير، فكان الظرف ظرفَ اختبار لحمية المغاربة ولمشاعرهم الوطنية في وقت وصلت فيه الدولة إلى الدرك الأسفل في قدرتها وهيبتها في الداخل والخارج، ولم تعد هناك قوةٌ قبلية عصبية كالقوى الأمازيغية التي أسست الدولَ الثلاث الكبرى، وكانت التجارةُ وتزايدُ مراكزها في المدن مما أضعف أواصر العصبية القبلية، ولكن عبقرية هذا التاريخ المغربي كما أشرنا قائمةٌ على إيجاد البدائلِ أمام كل الأزمات، فالتصوف الشعبي الذي تعمق في جميع الفئات بين القرن الثامن والقرن العاشر، أسهم هو أيضا في إضعاف البنى القبلية، ولكن هذا التصوف هو الذي خرجت من رحمه القوةُ الوطنية الجديدة المرشحة، لا للمقاومة والتحرير وحسب، بل للاقتراح السياسي وفق متطلبات الوقت. تكونت هذه القوة الصوفية من تلاميذ الشيخ محمد بن سليمان الجزولي مؤلفِ دلائل الخيرات، وبجهادهم التحريري أمكن إنقاذُ المغرب لا من مصير استعماري وحسب، بل من مصير حضاري كان سيُلحقه بالعالم المسيحي الغربي، كانت حركته وطنية على الخصوص لأنها لم تجاهد مقابل الوصول إلى الحكم والاستلاء عليه باسم الدين.

هنا نمر إلى المرحلة الثالثة التي أسميناها مرحلةَ التكريس، وتوافق العهدين السعدي والعلوي، والمقصود بالتكريس ضمانُ استمرارية المقومات التي تأكد إرثها وأصبحت جزءا من الهوية المركبة في السياسة والدين واللحمة الاجتماعية والثقافية، وتفترض هذه الاستمرارية حسنَ التمثلِ والتنزيلِ على مقتضيات ظروف لها طابعُ الأزمة.

هنا مرة أخرى يستنجد المغاربة بعنصر أساس ترصع في لوحة هويتهم وهو عنصرُ الشرفاء، وكأنه وُضع في حالة الاحتياط منذ نهاية الأدارسة، لأن قيادة البلاد في بدايات العصر الأوروبي الحديثِ المتصفِ بالغزو والجشع، تستدعي قوة لها الأهليةُ للتعبئة وللتحكيم في آن واحد.

جاء الشرفاءُ السعديون والشرفاء العلويون من الحجاز في القرن الثالث عشر الميلادي، سكن السعديون واحة تاكمدرت جنوبي تامكروت على وادي درعة. وسكن العلويون في قصورهم المعروفة في واحات تافلالت.   

لم نعد بحاجة إلى التذكير بالعناصر التي رأينا كيف دخلت تباعا في بناء الهوية، فكلها حاضرة، ولكن غياب عنصر الدولة القوية في هذا الظرف كان يعرض العناصر الأخرى للهشاشة والاضمحلال.

وسنقتصر على تحليل مظهرين من مظاهر الشعور الوطني على هذين العهدين، مظهرِه في حالة مواجهة الغزو الأجنبي، في عهد السعديين، ومظهرِه في حالة إعادة الوحدة الداخلية وإعادة بناء التوافق وخدمة المجتمع في عهد العلويين.

فقد فُرض على المغرب أن يتقلص إلى حدوده الحالية على وجه التقريب، وكان في تاريخه يشمل معظم شمالي إفريقيا، وفي القرن السادس عشر استولى العثمانيون على أجزاء من المغرب الأوسط. وبصدد هذا الجوار مع الترك يجدر القولُ إن المغاربة اعتبروا جميع المسلمين إخوة لهم في الدين، ولكنهم لم يجعلوهم على قدم واحدة في الوطنية. فقد كان للسعديين حذر من الأتراك كما كان لهم حذر من الإسبان على حد سواء، بل إن ذلك الحذر دفعهم إلى ربط علاقات التقارب والتبادل مع إنكلترا.

أما الجهاد لتحرير الأرض من المحتلين، فقد شاركت فيه جميع المكونات الأمازيغية والعربية والأندلسية، كان الناس العاديون من المتطوعين يقضون شهورا في قراهم أو مُدِنهم لجمع قوتِ العام، ويقضون الشهور الأخرى في رباطات الجهاد، وكان العلماءُ والطلبة يتَّبعون نظاما مماثلا، حيث يقضون الشتاء في المساجد والمدارس، ويقضون بقية العام في الرباطات القريبة من الأماكن المحتلة، وكانوا يعمرون هنالك وقتهم بالعلم والدرس والعبادة، يراقبون تحركات المحتل حتى تسنحَ فيه فرصة المواجهة. ولو كان هؤلاء المجاهدون يتصرفون بدوافعَ محليةٍ لما قاد يحيى الحاحي الجهاد لتحرير الجديدة، ولما هب أبو حسون السملالي من سوس لإغاثة سلا التي كان يهددها البرتغال، ولما جاء الدلائي من جهات خنيفرة لحماية المعمورة قرب القنيطرة الحالية، ولما ذهب الفاسيون لتحرير أصيلا، ولما أمر الشيخ عبدُ الله بنُ حسون من سلا تلميذَه العياشي بالدفاع عن طنجة.

وجاءت وقعة وادي المخازن لتبلور تحرك وطن بكامل مكوناته. لقد احتل البرتغاليون معظم شواطئ المغرب بين عام 1415وعام 1525، ولكن الاحتلال ظل مقتصرا على تحصينات على الشاطئ يُضيِّق عليها المجاهدون حتى حرروا جلها، وكانت معاهدة Tordissillasالتي أشرف عليها وباركها البابا ألكسندر الرابع بورجيا، قد نصت على أن يكون للبرتغال ما يغزوه من أراضي المغرب، ولإسبانيا ما تغزوه من بلدان المغرب الأخرى. وبعد تحرير عدد من الثغور على أيدي الدولة السعدية والقوى الشعبية المؤيدة، لها قرر البرتغال أن يقوم بمعركة كبرى في عمق التراب المغربي.

علم السعديون بمخطط الغزو فوقع الجمع الأول في مدينة سلا، حضره السلطان عبدُ الملك والمتطوعون من عدد من قبائل الشمال والجنوب، وأتى كل فريق بمعونة قبيلته، أما الجيش الرسمي فقد بقي في حراسة مواقع الجنوب. ولولا هذا الشعور الوطني العارم لم يكن لعبد الملك ولا لأخيه أحمد الذي لقب فيما بعد بالمنصور، لم يكن لهما أن يهيئا في شهر واحد ما يلزم لمواجهة آلة عسكرية أوروبية قوية في معركة تم الإعدادُ لها لمدة أربع سنوات، وشارك فيها إلى جانب البرتغاليين إسبان وإيطاليون وألمان.

وانتصر المغاربة وكان لانتصارهم وقع دوي وأثر دولي بعيد، وتوقف مشروع البرتغال بالاستيلاء على المغرب وإخضاعِ هويته لتبعات الغزو في ذلك العهد، ومنها التنصير. وبعد مضي ربع قرن على وقعة وادي المخازن، جاء مغامر إسباني اسمه خورخي دي هنين وقام بجمع المعلومات عن الإمكانات الدفاعية للمغرب، ورجع باستنتاج سهولة غزو المغرب لو أن الملك الأسباني بارك خطته وأعطاه خمسة آلاف من المقاتلين، ولكن ذكرى وادي المخازن جعلت مستشاري الملك فيليب الثالث  يقنعونه بأن لا أمل في نجاح تلك المغامرة، وهذه من الألطاف الخفية أيضا سيما وأن الدولة السعدية بدأ فيها الوهن والتفكك منذ أن توفي أحمد المنصور بالطاعون عام 1603، ولم يستطع خلفاؤه من أولاده صيانة إرثه.

وتمسك المغاربة بترشيح الشرفاء، وجاء قيام الدولة الجديدة على أيدي الشرفاء العلويين القاطنين بتافلالت.

ومع السلطانين الكبيرين مولاي إسماعيل (1672-1727) وسيدي محمد بن عبد الله (1754- 1792) سيتهيأ المغرب للعصر الحديث بشروط تحفظ مشاعره الوطنية بحفظ رافعاتها، وعلى رأسها الدولة القوية، وسنرى هذا التهيؤ من خلال مثالين:

أولهِما من عهد المولى إسماعيل، ويركز على استعادة قوة الدولة، والثاني من عهد سيدي محمد بن عبد الله ويَنصبُّ على سياسته في اتخاذ أسباب المعاش التي بها تزول أو تخف التوترات بين الدولة والمجتمع، ويكون الرخاء والاطمئنان اللذين بهما يُدفَع العصيان ويتفادى الكفر بالدولة والوطن معا.

كانت الأولوية في عهد المولى إسماعيل هي إعادة الوحدة واستعادة قوة الدولة ونشر الأمن في البلاد، وتعامل بصرامة مع منازعيه الطامعين في الحكم من أسرته أولا، ثم من بعض الأدعياء من المنتسبين لحركات دينية، وتعامل بحكمة مع القيادات الدينية ذات النفوذ الاجتماعي في جهاتها، حتى استيقن من وفائها لمبادئ الوحدة، ونخص بالذكر شرفاء الزاوية الوزانية وشرفاء الزاوية الشرقاوية في أبي الجعد بمنطقة الهضبة الوسطى، وآل الزاوية الفاسية. وأسس قوة عسكرية غيرَ مسبوقة في العدد والترتيب تذكر بالجيوش النظامية الحديثة، أراد بها أن تكون آلة لخدمة سياسة الدولة لا يقع لها ما يقع للقبائل من العصيان، وبنى عددا من حصون الحراسة حول الجبال، وأبدع نوعا من المراقبة المجتمعية الذاتية، واهتم بالعلائق مع قبائل معقل في الساقية الحمراء ومع أمراء الترارزة والبراكنة شمالي نهرِ السينغال.

من الطبيعي أن يكون هذا المجهود مما يتطلب نفقاتٍ باهظة، لذلك كانت لسياسته الضريبية آثارٌ سلبية تجلت في توترات اجتماعية.

وبعد هذا التمهيد أمكن لحفيده سيدي محمد أن يصب جهده على أولويات أخرى بعد إعادة بناء الدولة واستتباب الأمن.

فأول ما عالجه هو تحييد الآلة العسكرية التي أسسها جده بعد ان ظهر أنها صارت عائقا للاستقرار.

ثم عكف على إيجاد حل لمعضلة موارد بيت المال، لأن ثقل الضرائب بعد الجَوْرِ هو السبب في التوتر الاجتماعي، وذلك بأن اتجه إلى التجارة الخارجية، ففتح الموانئ التي على المحيط الأطلسي للتجارة، وضيق من القرصنة، وفي 1769أسس الصويرة وجعل مرساها رئيسيا في نشاطه التجاري مع الخارج، وتقاطر نتيجةً لهذا الانفتاح عددٌ من الأجانب على المغرب، وأسس بعضهم فروعا لشركاتهم، وبذلك تكوَّن نوع من نشاط الأُوفشورين الذي يفيد موارد البلاد دون أن يضر ببنية الاقتصاد المحلي. وقدم قروضا لفئة من التجار تسموا بتجار السلطان. ومن نفس المنظور الاجتماعي الجديد، نجد السلطان سيدي محمد يبادر عند وقوع مجاعة 1777فيوزع الحبوب على الناس من خزائن الدولة المسماة بمرس السلطان، ثم أعفى الفلاحين الصغار من الضرائب، وقدم قروضا قصد شراء الحبوب من قادس ولشبونة. ونظم نوعا من الجهاز الحكومي وزاد بإحداث وزارة للخارجية يسمى صاحبها وزير البحر، ثم أنشأ سلكا من الأمناء في المراسي والأمراس التي تتلقى الزكوات والأعشار. وبعد أن تبين أن القبائل والقوات الاجتماعية الأخرى لم تعد تستهدف استقرار الدولة ومشروعيتها أدخل في التعامل معها أسلوب اللين والحكمة والتفاوض والتحكيم.       

    

مولاي أمير المؤمنين

المستنتج مما جرى في العهدين الإسماعيلي والمحمدي هو أن ترتيب الأولويات في كل عمل وطني هو كالتالي: دولة قوية لضمان الوحدة والسيادة والأمن، وبذلك تتوفر شروط الحفاظ على الحماسة الوطنية بالعدل والكرامة وهما شرط العبادة لمن كان يسمع قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.

وهنا لابد أن نشير إلى أن المجتمع الذي تحمل الدولة كان منتظما في قواتٍ اجتماعية كالقبائل وأربابِ الحرف والصنائع في المدن، أو ملتفا حول زعامات دينية كالعلماء وشيوخ الزوايا، ولم يكن مجتمعا طيعا في جميع الحالات. وكان حفظ التوازن هو القاعدة الذهبية في التعامل مع هذه القوات، ومن الأمثلة على ذلك أن المولى إسماعيل استعمل قبيلة أمازيغية كبرى هم أيت يافلمان لإجبار قبيلة أمازيغية أخرى هم أيت عطا نومالو، لغرض اساسي وهو تأمين الطريق الرابط بين فاس وتافلالت المسمى بطريق السلطان.  

كان من شأن تلك الإصلاحات أن تهيئ للمغرب الحديث فيما يخص ملامح الدولة، وفيما يخص علاقاتها مع المجتمع، لولا تزايد الضغوط الأجنبية بأشكالها العسكرية والدبلوماسية والتجارية، وبعد قرن أخضعته تلك الضغوط لشروط مؤتمر مدريد، وهي التي مهدت للاستعمار، وقد كانت التعابير عن الشعور الوطني خلال القرن التاسع عشر كثيرة ومتنوعة، جمع بعض شواهدها المرحومُ الأستاذ محمد المنوني في كتابه "يقظة المغرب الحديث"، وجلها إما دعوة إلى الإصلاح وإما دعوة إلى الجهاد، ومما تجلى فيه الشعور الوطني الرسائل التي وضعها العلماء في بداية القرن العشرين للتنديد بالمستنصرين بالأجانب المعروفين بالمحميين. ووقعت مقاومة الاستعمار في الشمال والجنوب قبل دخوله وبعد دخوله بأكثر من عشرين عاما. أما الوطنية السياسية فقد بدأت في عهد المولى يوسف لتتبلور في الحركة الوطنية من أجل الاستقلال، ولا تخفى تضحياتُ هذه الحركة وعمقُها الشعبي، وما أكدته من أن الدولة تتشخص في رمزها الملك، كما برز في عهد جدكم محمد الخامس طيب الله ثراه، عندما تبلورت حول رجوعه من المنفى الحركة في مرحلتها الحاسمة.

تتحصل من البناء التاريخي الذي استعرضنا بعضَ معالمه مقوماتٌ أساسية فاعلة في حياتنا الحاضرة، هي النظام السياسي المبني على إمارة المؤمنين، والثوابت الدينية في العقيدة والمذهب والسلوك وما ترسخ من تقاليد التمكن بأرض الوطن الذي رُفع دلائل الخيرات شعارا لتحرير ما اغتصب منه منذ خمسة قرون، ورُفع القرآن في المسيرة التي دعا إليها والدكم المنعم مولانا الحسن الثاني تغمده الله برحمته،  وترسخ في الأخلاق الوطنية للمغاربة وتقدير نماذج الصلاح وأخلاق التساكن والتراحم بين سائر المكونات البشرية للمجتمع، وصيانة الأنفة في مواجهة الظلم والضيم، ورعاية المشاعر إزاء الأمة بالتضامن، ومواصلة العلائق الروحية مع آفاق إفريقيا خاصة، ومعانقة أمل تحقيق المجال التاريخي والطبيعي في أفق مغرب كبير، وهكذا فالمقومات التي شيدها الناس عبر التاريخ على أساس أنها اختيارات هي الأسباب الشرعية والموضوعية لما يشعرون بأنه داخل في بركة هذا البلد وفي عناية الله بمسيرته.   

 

مولاي أمير المؤمنين

تكتسي المقومات التي وقفنا عندها صبغة مؤسسات، ولكن المغاربة في تاريخهم بقدر، ما أفرغوا الجهد والمهج في إقامة المؤسسات، بقدر ما تألقوا في صنع الفكر والحضارة، نشير إلى هذه الحقيقة باعتبار أن كل ما يفتخر به المغاربة ويعرف علامة لهم في الداخل والخارج، يشكل عنصرا من شعورهم الوطني، ونستحضر مقولة لبعض المشارقة قال فيها على سبيل المنافسة منذ تسعة قرون: "لولا عياض ما ذكر المغرب". ويقصد الفقيه القاضي المعروف، وهو تنافس يؤكد قبل كل شيء الغبطة إزاء المغرب. وعياض رأس أجيال صنعت التميز الفقهي الذي جسده ما سمي ب"عمل أهل المغرب" وهو لهم إسهام وخصوصية، ويمكن ترجمة كل "عمل" بمصطلح Tradition، مغرب الكتاتيب القرآنية في كل قرية وحي، مغرب حفاظ الروايات السبع والعشر، مغرب دخل تاريخ الفكر بأمثال ابن رشد وابن طفيل وابن خلدون،ودخل تاريخ العرفان بأمثال ابن عربي وابن مشيش وابن عباد، ودخل تاريخ العلوم بأمثال أبي الحسن المراكشي وابن البناء، مغرب أغدق على الدنيا بعطائه في الأسانيد الروحانية التي تشد إليه القلوب إلى اليوم من مختلف بقاع العالم، مغربِ الرحالين والتجار والمكتشفين الذين حملوا البضاعة والفضيلة والرسالة إلى الأقاصي، وتركوا هنالك جميل الذكر والامتنان، مغربِ أهل الكرامات، كرامات أشخاص من أهل الصلاح كانت أمعاؤهم تتعرف على الطعام إذا كان من الكسب الحرام فتأباه، وأشخاصٍ كانوا يمشون على الماء إذا رأوا المنكر في السفينة، مغربِ أهل دلائل الخيرات وطوائف التحنن الشعبي الذي تتخلله لازمة واحدة هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، عند كناوة وعساوة وحمادشة وأمثالهم، مغرب الفنون اليدوية وعشرات الصناعات الأصيلة المتحدرة لنا من القرون، والتي يشتغل اليوم في مزاولتها الملايين، تتجلى في عمارة الدور والقصور وعمارة المساجد والمدارس خاصة، بأشغالها الرائقة على الجبس والخشب والزليج، مغربِ نمط العيش الرائق المباهي بلباسه وفراشه وبطيبات طبيخه وطعامه وألوانه، مغربِ التضامن والضيافة والرفد والإغاثة، مغربِ الأوقاف التي طالت وجوهُها أنواع البر حتى شملت الطير والبهيمة، مغربِ التعدد اللغوي والتنوع الثقافي الذي احتضن البلاغة وجوامع الكلم، وزخر أدبه الشعبي في مختلف اللغات الوطنية بما ينافس حكمة الأمم العريقة، تنوعٍ كرسه ووضع خارطته خطابكم التاريخي السامي يا مولاي بأجدير والدستورُ الجديد، مغربِ العاملين في المشاغل والطرازات من الحرفيين رواد كراسي العلم في الجوامع، الذين كان شعارهم على الدوام الكفاف والعفاف والغنى عن الناس، ولما دخلت منهم طائفة إلى معامل الصناعة الحديثة قال فيهم أحد كبار ساسة الغرب: "المغاربة سلالة صناع". مغربِ الفلاحين الذين يقترن عندهم خرز الأرض بالعرق والجهد والرجاء والدعاء، مغربِ ملايين المهاجرين إلى الخارج المتشبثين بثوابت الوطنية والدين، والذين تهفو قلوبهم كل عام إلى البلد ليسمعوا الأذان أو يشموا رائحة الزعتر والقيصوم، مغربِ التراث الشفوي الذي جعل صاحب كتاب "الممتلكات المعجبة" يقول: "اكتشفت في حلقة الفرجة بجامع الفناء أن الحكي له بنية مستقلة عن اللغة". مغربِ الفرس الأمازيغي وشجرة أركان، وحيث إننا لا نحصي نعم الله علينا في هذا الباب ولا في غيره نختم بالإشارة إلى مغربِ المرأة المغربية صانعة كل الفعال والمكارم، ويصدق عليها وصف سوزان ديفيس التي يفيد عنوان كتابها: أن المرأة المغربية في عالمها  سلطانة ولكنها سلطانة صبارة.

هذا المغرب يا مولاي، هو الذي انتهت إليكم رعايته وأمانته، تصونون حماه ترابا وإنسانا وعلى مدراج اليمن والنماء.         

 

مولاي أمير المؤمنين

 ربما فُهم من السؤال الذي ألقيناه في البداية، أن الحديث سيتخذ وجهة قراءة غيبية أو صوفية للتاريخ، بيد أن الوقائع التي اعتمدناها وقائع أثبتها البحث التاريخي الرصين، على أن المؤمن بالغيب يرى أن وراء كل الأسباب يَد الله الفاعل المختار﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. فالمؤمن في مقام انسجام في الفهم بين قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾وقوله تعالى ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾فلا يجدُ غضاضة في الموافقة بين قراءة واقعية وقراء ة ربانية، والحكم الشرعي يوجب الحرص على النعم بالشكر المتمثل في الأسباب، وبرنامج هذه الأسباب واضح في الآية التي انبنى عليها الدرس، وله شطران شطر الإيمان وشطر الإصلاح. كان من المفكرين الذين تكلموا في موضوع الوطنية في القرن التاسع عشر الإيطالي مازيني GiuseppeMazzini، ومن أقواله: "غاية التاريخ تحقيق مراد الله في الأرض". لكن تحقيق المراد الإلهي موكول إلى اجتهادات الناس، والتحدي القائم أمام المغاربة هو بلورة هذا الاجتهاد في حسن فهم البناء الذي آل إليهم ولا سيما بالتحقق وبأنه من ثمرات الاجتهاد بأنه بناء غال في قدره ونفيس في قيمته، يتطلب الاستمرار على الشكر من جهة، والفقهَ السياسي الكبير المتوقف على العلم والإخلاص من جهة أخرى، ومنهُ فقه العالم الذي نحن فيه، وفقهُ الأولويات، الأمر الذي لا يقبل تأويل الدين بفكر ضيق منحدر، ولا يقبل العجب بالنفس، وقد نُقل عن القاضي عياض عن إمامنا مالك أنه قال: "لا يُصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". والمؤكد أنه يقصد إصلاح الجوهر والمقاصد، لا مظاهر صغار المسائل.     

والختم من مولانا أمير المؤمنين.

لمشاهدة التسجيل المرئي بدرس الأستاذ أحمد التوفيق والشعور الوطني عند المغاربة ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1434 بحضرة أمير المؤمنين، المرجو التأشير على هذا الرابط أو الصورة المعلنة بالدرس أعلاه

للاطلاع أيضا

توفيق الغلبزوري: الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة

دور الإيمان في المحافظة على صحة النفوس والأبدان للأستاذة أمينة عراقي

شد الرحال إلى المسجد الأقصى للشيخ محمد أحمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية

الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لعبد السلام العبادي

أي دور للمسجد في حياتنا العامة للأستاذ المصطفى زمهنى

شوقي علام وارتباط المعاملات بالأخلاق

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمراكش حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف
facebook twitter youtube