الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

توفيق الغلبزوري: الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة

ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، يوم الأحد 26  رمضان 1434هـ موافق 4 غشت 2013م، بالقصر الملكي بالرباط، الدرس السابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

 وألقى هذا الدرس، بين يدي جلالة الملك، الأستاذ توفيق الغلبزوري، عضو المجلس العلمي بالمضيق الفنيدق، تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة"، انطلاقا من قول الله تعالى "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون".

 وفيما يلي النص الكامل لهذا الدرس:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،

وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه،

 مولاي أمير المومنين، وحامي حمى الملة والدين، وسبط النبي الأمين، أبقاكم الله حصنا حصينا للإسلام والمسلمين، ولهذا البلد الكريم،

 مولاي، إنها لفرصة كريمة، ومناسبة سعيدة؛ أن تفضلتم جلالتكم فأتحتم لي أن أتحدث في حضرتكم، وفي مجلسكم العلمي المنيف في موضوع  يتصل بالفتوى، ومن المفيد أن يتكرر الكلام عن الفتوى لأن ضبطها يدخل في ما هو منوط بإمارة المؤمنين من حماية الملة والدين، ولأن الكلام في هذا المجلس له من الذيوع والتقرير والقبول ما ليس للكلام في غيره.

 إن مما يجعل الكلام عن الفتوى في الوقت الحاضر أكثر وضوحا أن نمهد له بالملاحظات الآتية:

  1. أن مشروعية قيام مختصين بإعطاء أجوبة عن مسائل في الدين طارئة بعد استنباطها من النصوص، وهذا ما يسمى بالفتوى، مظهر من مظاهر الحيوية التي تميز بها النقاش في الدين على امتداد تاريخ الإسلام؛
  2. أنه بالرغم من كون مهنة الإفتاء حرة فإن الطلب الذي يمثله الاستفتاء من لدن الجمهور والعرض الذي تمثله أجوبة المفتي كان منضبطا بالحرمة أي المسؤولية التي لمسائل الدين في نفوس الناس من جهة، وبإشراف الجهة الموكل إليها حماية الناس من الغش في كل شيء ولاسيما في أمور الدين؛
  3. أن الفتاوى كانت تتناول على الخصوص أمور العبادات والمعاملات ولم تعد تتناول أمور الشأن العام منذ أن تميزت في القرون الأولى المرامي السياسية لبعض الآراء الشاذة عند الفرق الدينية التي نبذها الجمهور؛
  4. أن مزيد انتشار التعليم وذيوع الكتب في العبادات وفق كل مذهب والتزام كل أناس بمذهبهم قلل من الكلام على الفتوى إلى غاية أعوام السبعين من القرن العشرين سيما وأن الدول قد اتخذت مدونات قانونية تضبط على الخصوص أمور المعاملات؛
  5. أن رجوع الكلام عن الفتاوى الذي تزايد في العقود الأربعة الأخيرة هيأت له عوامل عدة، منها:

1. الجهل بضوابط ممارسة هذه الخطة في تاريخ المسلمين؛

2. تزايد الأمية الدينية بين صفوف المتعلمين العصريين؛

3.ضعف التنزيل الديني للأساليب الحديثة للمشاركة في تدبير الشأن العام؛

4. تخوف بعض الفئات من مظاهر الحداثة في جميع المجالات وهو خوف تستغله فئات متنوعة من أدعياء المشيخة في الدين وجلهم إما من ذوي الأهواء وإما من أهل الضيق في الفهم الديني المستغلين لما يتوفر من حرية التعبير؛

5.تعطش الشباب إلى قيادات كاريسماتية، وهي حاجة يغتنمها طلاب الشهرة من المتصدرين لمشيخة الفتوى؛

6. يضاف إلى كل ما ذكر، ما نشهده من ثورة في وسائل الإعلام، واحتياج وسائل الإعلام كل يوم إلى ترويج ما لا يحصى من المعلومات، وتعد المعلومات المتعلقة بالدين من بين الأخبار الأكثر إثارة، مع العلم بأن هذه الصفة، أي الإثارة، تتوفر في الآراء الشاذة الهدامة أكثر مما تتوفر في القواعد التي أثبتت فعاليتها في البناء.    

 وبعد هذه الملاحظات التمهيدية نشرع في صلب الموضوع ونقول:

لقد كثُرت في هذا العصر فوضى الفتاوى الشاذة والمضطربة التي لا يضبطها ضابط، ولا يَحْكُمُها ميزان، والتي تسير بل تطير في الناس بغير زمام ولا خطام، وزاد في الطين بلة، وفي الطبل نغمة؛ سرعة انتشارها وذيوعها اليوم، بعد أن أصبح العالم قرية واحدة، بسبب ثورة الإعلام والاتصال الحديثة، ولاسيما الفضائيات وما يُذاع فيها من فتاوى على الهواء، والشبكات العنكبوتية المختلفة، والصحف والمجلات السيارة، والهواتف الجوَّالة التي تجيب المستفتي عن سؤاله أحيانا قبل أن يرتدَّ إليه طرفُه، وهذا كلُّه وغيرُه وَسَّعَ آفاق انتشار الفتاوى الشاذة والمتسيبة؛ انتشار النار في الهشيم،فأصبح خطبها جسيما، وخطرها عظيما.

فاقتضى ذلك دَرْسَ هذه النازلة؛ دَرْساً فقهيا معاصرا؛ بتحديد ضوابط الحكم على الفتوى بالشذوذ، وتعيين الأسباب الباعثة على الفتاوى الشاذة، ثم البحث عن سبل العلاج والوقاية منها. 

تمهيد: عن مفهوم الشذوذ في الفتوى لغة واصطلاحا

الشذوذ في اللغة: مصدر شَذَّ يشُذُّ شذوذا، والشَّاذّ: المنفرد عن الجمهور، أو الخارج عن الجماعة، وشَذَّ الكلام: خرج عن القاعدة وخالف القياس[1].

ولم تَرِد هذه اللفظة في القرآن الكريم، ولكن وردت في السنة النبوية، فقد روى الإمام الترمذي في سننه عن ابن عباس مرفوعا: "يد الله مع الجماعة، ومن شَذَّ شَذَّ في النار"[2].

أما الشذوذ في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: فالشّاذُّ في اصطلاح الحنفية والمالكية: هو ما كان مقابلا للصحيح أو المشهور أو الراجح، أي أنه الرأي المرجوح أو الضعيف أو الغريب[3].

التعريف المختار للفتوى الشاذة في هذا العصر:

ولم أقف على من عرَّف (الفتوى الشاذة المعاصرة) بخصوصها تعريفا دقيقا جامعا مانعا، لكن إذا جَرَيْنا على المعنى العام للفتوى: وهي الإخبار عن الحكم الشرعي، أمكن القول: بأن الفتوى الشاذة: هي الحكم المصادم للنص أو للدلالة القطعية للكتاب أو السنة، أو كان مصادما لما عُلم من الدين بالضرورة، أو مصادما لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه، فما كان من الفتوى بهذه الصفة، فهي الفتوى الشاذة، التي شذت عن المنهج الصحيح.

والفتاوى الشاذة بهذا المعنى في تراثنا الفقهي المحرر قليلة بل نادرة، أما في عصرنا هذا فهي كثيرة، تطير كل مطار، وتقرع أبواب القرى والمدن والأمصار، في كل وقت من الليل أو النهار. 

فما هي ضوابط الحكم على الفتوى بالشذوذ والاضطراب؟ لقد اجتهدنا ما وسعنا الجهد في استخراجها؛ فبَلَغنا بها أحد عشر ضابطا. 

المبحث الأول: ضوابط الحكم على الفتوى بالشذوذ

الضابط الأول: أن تصدر الفتوى من غير أهلها

وأهلها هم أهل الاختصاص في هذا المجال الموقعون عن رب العالمين. قال الإمام الشاطبي: "المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم"[4].

وهذا الضرب لا يسمى في الحقيقة فتوى إلا بزعم قائله، كالحديث الموضوع فإنه لا يسمى حديثا في الاصطلاح إلا بزعم قائله. ولهذا لا يَحِلُّ أن يتقحمَ الفتوى، وبيانَ الحلال والحرام، إلا من تأهل واستجمع شروط المفتي، وهي نفسها شروط المجتهد. وحالُ كثيرٍ من المفتين في هذا العصر على غير هذا المسلك السوي، والمهيع الرَّضِي.

فبعضهم ليس من أهل الاختصاص في ورد ولا صدر، وليسوافي العير ولا في النفير، ولا في قبيل ولا دبير، ومثلهم بعض الشباب الحدثاء الأسنان، الذين حسبوا أمر الفتوى سهلا طيِّعا، وأنها أضحت كلأ مباحا لكل من هبَّ ودبَّ، فإذا وقع أحدهم على حديث واحد؛ يُفتي به، ولا يدري ما قبله ولا ما بعده، فيطير به كل مطار، ناشرا فهمه الكليل، وفقهه العليل على الناس؛ وإذا أضيف إلى سوء الفقه سوءُ القصد؛ زاد الأمرُ ضِغْثاً على إِبَّالَة.

ولذلك كثُر من هاذين الصنفين هذا الضرب من الفتاوى الشاذة والمضطربة؛ التي جاء التحذير منها في آيات وأحاديث كثيرة، منها: 

قال الله تعالى:﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾[5]

وهذه الآية المكية التي صُدِّرَ بها لهذا الدرس؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في بيان معناها في تفسيره "أحكام القرآن": "لا تصفوا الأعيانَ (أي الأشياء) بأنَّها حلالٌ أو حَرَامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم؛ إنما المحرِّمُ المحلِّل هو الله سبحانه"[6]

وقال تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون﴾[7].

وكان إمامُ دارِ الهجرة ومعدنِ السنة مالك رضي الله عنه - لخوفه من الله تعالى وتحرجه من الفتوى- كثيرا ما يتلو قولَه تعالى: ﴿قل أرآيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً قُلْ آلله أذِنَ لكم أم على الله تفترون﴾[8].

قال ابن العربي المعافري عن هذه الآية: "وهي دليل على أن التحريم والتحليل لا يكونان عقلا ولا تشهِّيا؛ وإنما المحرِّم والمحلِّل هو الله"[9].

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه"[10]. وهذا الحديث صريح في مسؤولية المفتي بغير علم.

وبعض المتعالمين في عصرنا الذين هم محلُّ تقديم وتصدير عند بعض الناس مع جهلهم بشروط الإفتاء؛ هم ممن ورد فيهم الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالما؛ اتخذ الناس رؤوسا جُهَّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)[11].

قال الإمام ابن حزم، رحمه الله: (لا آفة على العلوم وأهلِها أضرُّ من الدُّخلاء فيها وهم من غير أهلها؛ فإنهم يجْهَلُون ويظنون أنهم يَعْلَمُون، ويُفْسِدُون ويُقَدِّرُون أنهم يُصْلِحُون)[12]، وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: (إذا تَكَلَّمَ المرءُ في غير فَنِّهِ أَتَى بهذه العجائب)[13].

وصنف ثالث هم من علماء الدين، ولكن لا علم لهم بالفقه وأصوله، والفتوى وعلومها، وإنما تخصصهم في علوم إسلامية أخرى. وقاصمة الظهر في هذا الأمر أن عوامَّ الناس لا يُفرِّقُون بين اختصاصات العلماء، بل سائرُهم يظنُّ الخطيب الْمِصْقَع، أو الواعظ البليغ، أو الداعية المشهور، أو المفكر الإسلامي الذائع الصيت، من أهل الفتوى، والحقيقة أنه ليس كل هؤلاء كذلك، فلكل علم رجالُه، ولكل فَنّ أهلُه، ورحم الله امرَءاً عَرَفَ قدْره، فوقف عنده.

وقد نَبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي فِعْلُه إذا وقع ذلك في كل عصر من العصور، فقال: (يحملُ هذا العلمَ مِنْ كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)[14].

وإذا لم يقُم أهلُ العلم العدول بما أَمَرَ به الحديث النبوي؛ صارت الفتوى فوضى سائبة، لا يَتَبيَّن فيها صواب من خطأ، ولا صحيح من سقيم، ولا حق من باطل، ويختلط العالم بالجاهل، والحابل بالنابل، وتَنتشر البلبلة والفتنة، وتتسع دائرة الخلاف بين المسلمين التي يقصد الشرع الحكيم أن يُضَيِّقَها، فَيَكْثُر الشذوذ في الفتاوى، والتناقض والاضطراب فيها، والتسَيُّب والانفراط، ويتَعَذّرُ التحكُّم والانضباط.

ورحم الله من قال: لو سَكَتَ من لا يعلم لَقَلَّ الخلاف، ومن قال: العِلْمُ نُقطة وسَّعَها الجاهلون.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله شديدَ الإنكار على هؤلاء، ولما قال له بعضُ هؤلاء يوما: أَجُعِلْتَ مُحْتَسِبًا على الفتوى؟ قال له: يكون على الخبَّازين والطبَّاخين مُحتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب[15].

وذَكَرَ مالكُ بنُ أنسٍ إمامُ دار الهجرة رضي الله عنه: أن رجلا دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن – إمام المدينة ومفتيها وشيخ مالك- فوجده يبكي؛ فقال له: ما يبكيك، أمُصيبة دخلتْ عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفتِيَ من لا علمَ له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وبعضُ من يُفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق[16]

الضابط الثاني: أن تصْدُرَ الفتوى في غير محلّها

وذلك: أن يكون موضوع الفتوى من المسائل المقطوع بحكمها في الشريعة، الثابتة بأدلة قطعية في ثبوتها ودلالتها، المعلومة من الدين بالضرورة، وهذه ليست محلا ولا مجالا للاجتهاد، ثم يأتي بعد ذلك من يزعم الاجتهاد فيها من جديد، والتجديد فيما لا يقبل التجديد، مدعيا استنباط حكم يخالف ما استقر عليه الفقه، واستمر عليه العمل، وأجمعت عليه الأمة.

ومن أمثلة الفتوى الشاذة التي صدرت في غير محلِّها بدعوى الاجتهاد والتجديد وتطور العصر، ما صار يدعو إليه البعض من التسوية بين الذكور والإناث في الميراث في كل الحالات دون استثناء، مناقضين بذلك صريح قوله تعالى:﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُُنْثَيَيْنِ﴾[17]. وهذا الكلام – إن سميناه فتوى واجتهادا تجوُّزا – فهو شاذ مردود على أصحابه، باطل مرفوض في ميزان الشريعة: لأنه صادر من غير أهله، ولأنه اجتهاد في غير محله.

ولذلك كان تعقيب الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى في جوابها عن طلب إفادة بتاريخ 8يونيو 2009م الفتوى الآتية: "أنه لا مجال للرأي في طلب التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث في الحالات المنصوص فيها على التفاوت بينهما كما في الآية السالفة وغيرها، إذ لا اجتهاد مع وجود النص كما هو مقرر في القاعدة الأصولية الفقهية عند علماء الشريعة". 

الضابط الثالث: أن تعارض الفتوى نصا من القرآن الكريم

فالقرآن يحرم وهي تبيح، أو هو يبيح وهي تحرم، أو يُوجب وهي تُسقط.فأي فتوى تخالف نص القرآن بدعوى الرأي أو الاجتهاد أو التجديد معارضةً جَلِيَّةً بيِّنة؛ فهي فتوى شاذّة مردودة، غير مقبولة.

ومثالها الفتوى الشاذة التي جنح إليها البعض في تجويزه زواج المسلمة بغير المسلم، والأصل أن من شرط صحة النكاح إسلامَ الزوج، قال تعالى: ﴿...وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُومِنُوا وَلَعَبْدٌ مُومِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَو اَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾[18]،  فالأصل تحريم نكاح المسلمة لغير المسلم.

وهي الفتوى الشرعية السديدة للهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى  عندما سئلت وأجابت بتاريخ 12أبريل 2012م، قائلة: "هذه المسألة وردت فيها نصوص شرعية قطعية الدلالة، واضحة المعنى، تمنع زواج المسلمة بغير المسلم، وتحرمه تحريما قطعيا، سواء أكان مشركا أو كتابيا، وأجمع علماء الشريعة على ذلك خلفا عن سلف، ولم يقل أحد بخلاف ذلك". 

الضابط الرابع: أن تعارض الفتوى حديثا نبويا صحيحا صريحا أو متواترا

وللأسف الشديد فإن هذا يحدث كثيرا؛ للانفصام النَّكِد المبتدَع الذي وقع بين علم الفقه وعلم الحديث.

والأخطر من هذا؛ أن تكون هذه المخالفةُ الشاذةُ؛ لأحاديث العقيدة المتواترة القطعية الْمُثْبِتَة لعصمة الأنبياء ومعجزاتهم أو الغيب وأشراط الساعة:

ومثاله: ما ذهب إليه البعض من إنكارٍ لعصمة الأنبياء مطلقا، أو لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية، زاعما أن لا معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، مع ثبوت عدد من المعجزات في القرآن والسنة الصحيحة. ومثله ما ذهب إليه بعض الفقهاء المعاصرين الذي أنكر من أشراط الساعة نزولَ عيسَى بنِ مريم عليه السلام؛ بدعوى أنها تتعارض مع أصْلِ ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم. والأحاديث في ذلك متواترة قطعية الثبوت.وهذه وأمثالها أقوال شاذة باطلة. 

الضابط الخامس: أن تعارض الفتوى إجماعا متيقنا قطعيا

لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وهي معصومة بمجموعها. فمن خالف من أهل الفتوى إجماعَ الأمة في قضية من القضايا، أو مسألة من المسائل؛ عُدَّت فتواه شاذة، لا تقوم بها الحجة، ولا تكون على المحَجَّة، ولا يُعْتَدُّ بها عند علماء الأمة.

ومن أمثلة ذلك ما لا يزال يُفتي به البعض في عصرنا هذا بعدم وجوب زكاة عروض التجارة أي السلع والبضائع المعروضة للبيع، وهي مخالفة للإجماع الذي نقله غير واحد من العلماء الثقات، ولم يشذّ عن ذلك إلا الظاهرية[19]. قال ابن المنذر في كتابه "الإجماع": "أجمعوا على أن في العروض التي تُدَار للتجارة الزكاة؛ إذا حال عليها الحول"[20]. وذكر الإجماع على ذلك أيضا حافظ المغرب ابن القطان الكتامي الفاسي في كتابه "الإقناع في مسائل الإجماع"[21]

الضابط السادس: أن تعتمد الفتوى على قياس غير صحيح أو فاسد، أو يكونُ المقيسُ عليه واقعةَ عينٍ أو حالٍ لا عموم لها،

كمسألة رضاع الكبير التي أثارت ضجة لا معنى لها. 

الضابط السابع: أن تخالف الفتوى مقاصد الشريعة

ذلك أن الاهتداء بالمقاصد في الفتوى أساسٌ لمن يريد حُسْنَ تنزيل الحكم الشرعي، وأن لا يكتفيَ بالوقوف عند حرفية النصوص، ويجْمُدَ على ظواهرها، ولا يتأملَ فيما وراء أحكامها من علل، وما تهدف إليه من مقاصد، وما تسعى إلى تحقيقه من مصالح. وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي المالكي: "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا"[22].

ومثاله في عصرنا: إصرار البعض على الإفتاء بوجوب إخراج زكاة الفطر من الأطعمة فقط، ورَفْضِ القول بجواز إخراجها بقيمتها نقدا رفضا مطلقا، وينادون في الناس كل عام في أواخر رمضان: أن من أخرج زكاة الفطر نقودا فزكاته باطلة؛ لأنها خلافُ السنة، وعليه أن يُعيد إخراجها ثانية من الطعام حتى تُقبل. 

وقد شاهدت بنفسي في أحد مساجد بلد أوروبي؛ حيث أفتاهم بذلك أحدهم؛ كيف يُؤتى بأحمال من الأرز؛ فتظل متراكمة لا يأخذها أحد، فيالله العجب !. 

وإخراج القيمة نقدا -في عصرنا- هو الأيسر على المكلف، والأنفع للفقير، لا سيما في المدن والحواضر الكبرى، وقد صح هذا القول عن بعض كبار التابعين، وأئمة الأمصار المجتهدين، كما صح عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز[23].

وقد ألف الحافظ المغربي أحمد بن الصديق الغُماري رسالة لطيفة أسماها: (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال)، ذهب فيها إلى جواز إخراج القيمة، بل إلى تفضيلها على غيرها في هذا الوقت.

وبجواز إخراجها بالقيمة نقدا؛ أفتت الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء بتاريخ فاتح شتنبر 2010م، وإن جعلت المرجع في القدر هو الصاع من أحد أنواع الأطعمة المقتاتة في البلد.

ومن شذوذ بعض الجماعات المعاصرة: ما أفتوا به من عدم اعتبار النقود الورقية التي يتعامل بها العالم كله نقوداً شرعية، تجب فيها الزكاة ويجري فيها الربا!لأن النقود الشرعية عندهم هي الذهب والفضة التي نصت عليها الأحاديث.

ومع ذلك فهذه النقود عندهم يدفعونها أجرة العمل، وثمناً إذا اشتروا، ومهراً للمرأة، وغيرها من التصرفات المالية الشرعية...

فكيف ساغ لهؤلاء أن يُغفلوا ذلك كله، لولا الغلو في النزعة الظاهرية الحرفية التي تتنكب مقاصد الشرع، والتي ذهبت بهم بعيداً عن الصواب. 

الضابط الثامن: أن تسيء الفتوى فقه واقع المسألة

أي الخطأَ في تَصَوُّرِ أو تَصْوِيرِ الواقع الذي يَسأل عنه السائلُ تصويراً مغلوطاً على غير حقيقته، وإذا تصور المفتي الواقع على غير ما هو عليه؛ تكون فتواه شاذة ولابد.

ولذلك تميز أئمة المالكية بخصيصة الفقه الواقعي؛ إذ كان مالك رضي الله عنه إذا سُئل عن مسألة يقول للسائل: أوقعت؟ فيقول له: لا، فيقول: أنظرني حتى تقع.[24]

فصار من مميزات المدرسة المالكية وقوفها عند الواقع؛ الذي يجب على المفتي أن يتصوره تصورا سليما؛ حتى يحكم عليه حكما صحيحا.

الضابط التاسع: ألا تراعي الفتوى الذرائع والمآلات أي النتائج والعواقب،

والذرائع أي الاحتياطات تجنبا للضرر، سدا وفتحا؛ مرتبطة بفقه المآل ارتباطا وثيقا، وهي من أصول المالكية المرنة الواسعة التي تميزوا في الأخذ بها، وهي أساس الفتوى والإفتاء القويم، ومن غَفَلَ عنها أو أغفلها، ولم يُراعها من الْمُفْتِين كانت فتواه شاذة ولابد.

وقد حَثَّ الإمام الشاطبي المالكي على هذا الفقه الرشيد في التعامل مع السائل والمستفتي، فجعل من صفات المفتي الذكي الزكي: "أنه ناظر في المآلات، قبل الجواب عن السؤالات"[25].

ومن أمثلة النظر في المآل أي العواقب قبل العزم على الفعل قوله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم؛ 

الضابط العاشر: ألا تراعي الفتوى المصالح المرسلة وتغيّر الزمان والمكان والحال والعُرف:

وتجمُدَ على حال واحدة، يلتزم بها المفتي ولا يحيد عنها. فهو يفتي بالمسطور في كتب المذهب أو المذاهب من قرون طويلة، والعالَم من حوله يدُور ويمُور ويفُور، والعصر يتغير جذريا في كل شيء، ولاسيما بعد الثورات المتتابعة: التكنولوجية والبيولوجية والإلكترونية والفضائية والمعلوماتية الْمُذْهِلة وغيرها.

وفي ذلك يقول الإمام القرافي المالكي وما أعظم ما قال: "إن استمرار الأحكام التي مدركُها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلافُ الإجماع، وجهالةٌ في الدين، بل كلُّ ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة"[26].

وقال في موضع آخر: "فمهما تجدد من العُرف اعْتَبِرْه، ومهما سقط أسقِطْه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاء رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده، وأجْرِه عليه، وأفته به، دون عُرف بلدك، والْمُقَرَّرِ في كُتُبِك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين، والسلفِ الماضين"[27].

ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء المالكية قديما، عن مالك الصغير ابن أبي زيد القيرواني، قال صاحب"منح الجليل": "وَقَدْ اتَّخَذَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ كَلْبًا فِي دَارِهِ حِينَ وَقَعَ حَائِطٌ مِنْهَا وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إن مالكا يكره اتخاذ الكلاب، فَقَالَ لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَمَنَنَا لَاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا"[28].

 ومن هذا النوع من الفتاوى الشاذة المعاصرة: إصرار بعض المفتين إلى اليوم على القول بتحريم التصوير الفوتوغرافي بل التلفزيوني أخذا بظاهر لفظة التصوير دون النظر إلى علة المضاهاة الواردة في نفس الأحاديث. 

الضابط الحادي عشر: أن تخالف الفتوى قوانين دولة من الدول الإسلامية المأخوذة من الشريعة الإسلامية

والتي تصدر في هذا العصر عن بعض أهل العلم وتُلحق ضررا بالغا بمصالح المجتمعات الإسلامية وتطورها، بزعمهم أن الأحكام الشرعية هي المسطورة في كتب الفقه المذهبي، وأن جميع ما تصدره الدولة من تشريعات طبقا لأنظمتها الدستورية الحديثة -بصرف النظر عن مضمونها هل هو موافق أو مخالف للشريعة أو هل يستند إلى المصالح المرسلة أو غيرها من الأدلة-  تُعَدُّ قوانين وضعية وهي في نظرهم القاصر مخالفة لحكم الله ورسوله. 

فحتى مدونة الأسرة المأخوذة جملة وتفصيلا من الشريعة الإسلامية من مختلف مدارسها الفقهية، والتي صاغت قوانينها لجنة أغلب أعضائها علماء؛ نجد اليوم من يتوهمها من جملة القوانين الوضعية، وبعض الباحثين والدارسين يقارنون في دروسهم وأبحاثهم بين قوانينها وبين "الأحكام الشرعية"، فيدعي بزعمه أن المدونة شيء، والأحكام الشرعية شيء آخر. 

المبحث الثاني: الأسباب الباعثة على الفتوى الشاذة، لأن العلاج لا يتأتى إلا بتشخيص الأسباب الْمُوقِعَة في الشذوذ؛ ويمكن إجمالها فيما يلي: 

السبب الأول: تصدُّرُ من ليس مؤهلا للفتوى

وقد تقدم هذا النوع ممن لا يفقه نقيرا من قطمير في علوم الشريعة، ولا يفهم كوعا من بوعٍ من أمر الفتوى، ولم يقرأ كتابا واحدا في الفقه أو أصوله، ويتوهم كل سقف سماء، وكل مائع ماء؛ ومع ذلك يتجرأ على الفتوى، في أمور كبرى؛ لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر. 

السبب الثاني: التسرّع في الفتوى

ومن أسباب الشذوذ: السرعة في الإفتاء، والعجلة في الإجابة، وترك الأناة، توهما أن هذا دليل على المعرفة والعلم، وأن التمهل والتريث عنوان الجهل والعِيِّ، فالمفتي الحاذق المتقن هو الذي يملك الجواب عن كل سؤال أو استفتاء.

وأكثرُ ما يقع فيه التسرع فتاوى الفضائيات التي يسمونها "الفتاوى على الهوا"، فيشُوبُها في الغالب استعجال مذموم، وتسرع غير محمود، حتى إنك لا تسمع أبدا كلمة " أنظرني" أو "لا أدري" أو ما يُشبههما، "ومن أخطأ لا أدري أصيبت مقَاتِلُه"[29] كما قال إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه.

 وفي أحيان كثيرة لا يُمَكِّن المذيعُ السائلَ من تفصيل وبيان مسألته، وكذلك لا يتمكَّن المفتي من الاستفسار من السائل؛ وذلك بحجة كثرة المتصلين وضيق وقت البرنامج.

وأحيانا يكون التسرع في الجواب بسبب عدم فهم المفتي لألفاظ ولهجة المستفتي، مع اختلاف الأعراف والعادات، كأن يكون المستفتي مغربيا والمفتي مشرقيا، فالمستفتي يُغَرِّبُ بلهجته وعاميته، والمفتي يُشَرِّق، وشتان بين مُشرِّق ومُغَرِّب، وقد لاحظت هذا بنفسي في بعض برامج الفضائيات المخصصة للفتوى، فيأتي الجواب متسرعا مضطربا وربما شاذا. فلذلك كان الواجب على المستفتين استفتاء علماء بلدهم لأنهم أدرى بشعابه، وأعرافه، وأحواله. 

السبب الثالث: الإعجاب بالرأي وحُبُّ الشهرة والظهور:

وقد قال أهل التربية: "حب الظهور يقصم الظهور"، والاستنكاف عن مشاورة من هو أفقه منه، وهو أدعى للصواب. ولذلك اتخذ أمراء المغرب والأندلس للقضاة فقهاء آخرين سمَّوْهُم المشاوَرين؛ تصدر مراسيم بتعيينهم، ويشاورهم القاضي في أحكامه؛ حتى تكون أقرب إلى السداد. 

السبب الرابع: اتباع أهواء العامةولاسيما الأهواء السياسية

بإفتائهم بالرخص فيما لا يُتَرَخَّص فيه، والتلفيق بين المذاهب، وتتبع شواذّ المسائل، بما يوافق أغراضهم وأهواءهم، بدعوى التيسير ورفع الحرج عن الناس والرفق بهم، ومَنْ فَعَلَ هذا فقد جمع الشر من أطرافه، وأصبح مفتيا ماجنا ينبغي الحجر عليه ومنعه من الفتوى.

ومن الأسباب الباعثة على هذا المسلك الشاذ في عصرنا، حب بعض المحسوبين على الفتوى والإفتاء للظهور بمظهر العالم العصري المستنير والمنفتح، الذي يُطَوِّعُ الإسلام لكل ما استجد من مستجدات وتحولات وتقلبات.

مثالُ ذلك ما روَّجه بعضُهم في بلد غربي من الإفتاء بجواز إمامة المرأة في الصلاة للرجال والنساء، ووقوفهم في الصلاة جنبا إلى جنب، وخطبتها الجمعة بهم، مجاراة لتسوية النساء بالرجال في جميع الأحكام دون تمييز.

وقد أحسنت الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء في المغرب فأصدرت في هذه النازلة فتوى حول حكم إمامة المرأة في الصلاة جوابا عن سؤال بتاريخ 26ماي 2006م، حكمت فيها بالمشهور والراجح الذي به العمل في المذهب المالكي المعتمد إلى عدم جواز إمامة المرأة في الصلاة، وهذا لا يحمل أي منقصة للمرأة، وليس يدل على أي نوع من أنواع الحط من مكانتها، فمعيار المساواة هو الأحكام وقد قرر الإسلام كما هو معلوم أن النساء شقائق الرجال، وإنما مسألة الإمامة هو حكم شرعي راعى مقاصد وموجبات أخرى. 

السبب الخامس: الغلو في التشدد

وفي مقابل ذلك تَشَدُّدُ بعضِ أهل الفتوى فيما يَسَّر فيه الشرع، والتحجير فيما وسع فيه، وإلزام الناس بالعُسر دائما، ويكون الباعث على ذلك غالبا: إظهار عدم التساهل في الدين، وشدة التقوى، والتزام الورع، والأخذ بظواهر الأحكام وإن كانت شاذة، وغَمْز الآخرين بأنهم متساهلون منحرفون.

وقد قال إمام الفقه والحديث والورع سفيان الثوري:"إنما العلم الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كلُّ أحد"[30]

السبب السادس: الغلو في اعتبار المصلحة والمقاصد المتوهمة

فهي مِن أسباب شذوذ الفتوى في الاجتهاد المعاصر، إلى حد تقديمها على محكمات النصوص أحيانا، والمالكية أنفسهم الذين اعتبروا المصلحة المرسلة أصلا ودليلا قائما بنفسه، وتميزوا بها، لم يعتبروها إلا بشرط عدم معارضتها للنصوص الشرعية والقواعد المرعية، والذي ينبغي اعتباره بهذا الصدد أن الشرع لا يصدم مصلحة واضحة ولكنه فوق الفهم البشري في بعض الأحكام، ولا يجوز إخضاعه لفهم وقت معين، والفهوم الوقتية قابلة للأخذ والرد والتجاوز لأنها بشرية نسبية.  

المبحث الثالث: سبل العلاج والوقاية من الفتاوى الشاذة

المطلب الأول: سبل علاج شذوذ الفتاوى

من سنن الله تعالى الكونية أن جعل لكل داء دواء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)[31]، وهذا يشمل عامة الأدواء الفكرية والاجتماعية والبدنية، وهذه بعض المقترحات للعلاج:

أولا:محاربة ما بات يسمى اليوم بالأمية الدينية: وذلك بتفقيه عامة المسلمين بالحد الأدنى من الفقه الشرعي الواجب.

وهذا يجعل الرأي العام في المجتمعات الإسلامية، يُنكر بحكم هذا التكوين العلمي المنشود؛ الفتاوى الشاذة المصادمة لما عرفه وعَهِدَه، وجرى به العمل في بلده. وهذا ما تقوم به اليوم مشكورة مأجورة المجالس العلمية في سائر أنحاء المملكة. 

ثانيا: وجوب حرص الفقهاء الراسخين المعتبرين على القيام بواجبهم في التحذير من هذه الفتاوى الشاذة؛ إذا صدرت من مُفتٍ فذاعت وانتشرت، وذلك عبر وسائل الإعلام والاتصال المتنوعة. وإذا كثُرت الفتاوى الشاذة من شخص؛ فإنه ينبغي على المؤسسة العلمية  أن تُحَذَّر منه، لئلا يغتر به جمهور المسلمين، وهذا من النصيحة الواجبة، وليس من الغيبة المحرمة، وفي جميع الحالات فإن الحل الحاسم هو أن يقوم العلماء بتربية الجمهور على التمييز وعلى اكتساب المناعة ضد مرض الفتاوى الشاذة التي تستغل حرية التعبير المكفولة للجميع. 

ثالثا:الرد العلمي على المفتي الذي صدرت منه الفتوى الشاذة: وبيان وجه شذوذ فتواه، وخطأ دعواه، في التآليف والمقالات المكتوبة، ردّا علميا هادئا، يقوم على الحجة والدليل، ليستبين السبيل، وإقناعه بالرجوع عن فتواه الشاذة. 

المطلب الثاني: سبل الوقاية من شذوذ الفتاوى

هذا تداركٌ للفتوى الشاذة إذا وَقَعَت وذاعت وفشت، أما قبل وقوعها فينبغي البحث عن سبل الوقاية منها، والوقاية خير من العلاج كما قيل. وفي الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم:(ومن يتحرَّ الخيرَ يُعْطَه، ومن يَتَوقَّ الشَّرَّ يُوقَه)[32].

وهذه جملة أمور يمكن أن تقيَ من شرور ومخاطر الفتاوى الشاذة: 

أولا:أن لا يُنَصَّبَ للفتوى إلا المؤهلون: ومَنْ شَهِدَ له العلماء الثقات، الراسخون الأكابر، والمؤسسات العلمية المعتبرة، الذين عرفوه وخبروه بالمخالطة والمعاشرة. فليس مجردُ تخرجه من جامعة شرعية أو حصوله على درجة علمية، يَسْمَحُ له بالإفتاء. 

ثانيا:إحياء نظام الإجازات العلميةللمفتين: وهي سُنَّةٌ علميةٌ مُعَطَّلَةٌاليوم، حتى أضحى أمرُ الإفتاء فوضى، وقد كان منهج علماء الأمة أن لا يُقْدِمُ أحدُهم على الفتوى إلا بعد إجازة كبار علماء عصرهم لهم بذلك. قال إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه: "ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك"[33]

ثالثا:ضرورة نفرة العلماء المؤهلين المأذون لهم وتصدرهم للفتيا: في مختلف المواقع والفضائيات ووسائل الإعلام، وعدم إحجامهم عن ذلك، فإنهم إذا لم يتصدَّوْا لأسئلة الناس ومشاكلهم؛ فإن كثيرا من أدعياء الفقه والفتوى سيخلو لهم الجو، فيجدونه حِمًى مستباحا يرتعون فيه ويمرحون، ويصولون ويجولون، إذ الطبيعة لا تقبل الفراغ كما يقال.

هذا وبقدر ما يتحمل العلماء المؤهلونالمكلفون مسؤولية العمل للاستجابة كماً وكيفاً لطلب الجمهور على الفتاوى، بقدر مايتحمل المتجرؤون على الفتوى طلباً للزعامة الكاذبة واستجابة وخدمة لمختلف الأهواء،يتحملون مسؤوليتهم أمام الله في الفتنة التي يحدثونها أمام الله فليس لعملهم أصلشرعي لا في عمل السلف الصالح ولا في مناهج الدعوة وخدمة الدين وفي ما يحمد من نفععباد الله المؤمنين. 

رابعا:التكوين المستمر لأهل الفتوى: بما يوسع مداركهم وانفتاحهم على مستجدات العصر، وتدريبهم على ممارسة الفتوى. 

خامسا: اقتراح إنشاء كلية أو معهد متخصص في الفتوى في المغرب: وذلك لإعداد العلماء المؤهلين، والمفتين الراسخين. 

سادسا:الفتوى الجماعية المؤسسة والمنظمة تَأْمَنُ من منزلقات الفتاوى الشاذة: وبخاصة في قضايا الشأن العام من شؤون المجتمع أو الدولة، فهذه لا ينبغي أن تكون مجالا للاجتهاد الفردي وفتاوى الأفراد، وإنما ينبغي إحالتها على الهيئات العلمية الشرعية.

وهذا الأمر من أنجع السبل للوقاية من انفراط الفتوى وعدم انضباطها، ويحافظ على تآلف الأمة، وجمع كلمتها، ويجنبها الشقاق، والتفرق المذموم. ذلك أن عصرنا يمتاز بكثرة النوازل المستجدة، والوقائع المستحدثة؛ في المجالات الطبية والمالية والسياسية وسائر القضايا المعاصرة. وهذه مسائل معقدة، تحتاج إلى بذل غاية الوسع لفهمها وتصورها، وهذا أمر تنوء به العصبة أولو القوة، فكيف بجهد فرد من الأفراد، بل قد لا تستطيع المؤسسة العلمية والفقهية نفسُها  فهمَها إلا من خلال مراجعة الخبراء والمتخصصين في مجالاتها، لذا كان أمرُ الاجتهاد الجماعي المؤسسي في مثل هذه القضايا ضرورةً يوجبها الدين، وحاجةً يقتضيها العصر.

ولتوحيد جهة الفتوى ومرجعيتها، ومنع تضاربها وشذوذها؛ أعلنتم مولاي أمير المومنين في الظهير الشريف الصادر في 2ربيع الأول 1425هـ  22أبريل 2004م قائلين: "ومن المهام الجسيمة التي تنتظر مجالسنا العلمية، مهمة القيام بأمانة الإفتاء الشرعي في النوازل الطارئة والوقائع المستجدة، والانكباب على هذه المهمة الملحة باجتهاد جماعي ينأى بها عن الذاتية والانغلاق، ويحقق به مقاصد الشرع الأسمى في التيسير ورفع الحرج، وفي الوسطية والاعتدال ". 

       فكانت تجربة رائدة غير مسبوقة، حسمت أمر فوضى الفتاوى وتسيبها؛ دستوريا، وعملت على توحيد الأمة ومرجعيتها، وتحصينها من الفتاوى الشاذة الغريبة، وهو عمل يقوم مقام الإجماع الأصولي المتعذر الآن ويسُدُّ مَسَدَّه. 

و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. 

 أدام الله عزكم يا مولاي، وحفظكم، وأبقاكم ذخرا لهذه الأمة، والختمُ لمولانا أميرِالمومنين.


[1] مختار الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، مادة: شذ
[2] رواه الترمذي في الفتن رقم (2166)، وقال حديث غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.(1759)
[3] انظر: حاشية ابن عابدين 1/50، وفتح العلي المالك لعليش 1/6162، والخرشي 1/3536، والعدوي عليه
[4] الموافقات، للشاطبي،4/244، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: عبد الله دراز
[5] النحل: 116
[6] أحكام القرآن 3/166. ت.محمد عبد القادر عطا
[7] الأعراف: 33
[8] يونس: 59، انظر: انتصار الفقير السالك، ص:197
[9] أحكام القرآن 3/11
[10] أخرجه أبو داود (3657) وابن ماجة (53) وغيرهما، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/410
[11] متفق عليه، أخرجه البخاري،كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، رقم: 100، ومسلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل، رقم:6971
[12] الأخلاق والسير، لابن حزم،، ص: 91، تحقيق إيفا رياض، راجعه وقدم له وعلق عليه عبد الحق التركماني، دار ابن حزم بيروت
[13] فتح الباري 3/584
[14] رواه ابن جرير الطبري، وابن عدي في الكامل 1/152، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، ص: 40، وابن عبد البر في التمهيد 1/59، وحسنه الحافظ العلائي بقوله " هذا حديث حسن غريب صحيح" وقواه ابن القيم في " مفتاح دار السعادة" 1/ 497 لتعدد طرقه 
[15] إعلام الموقعين 4/217. دار الجيل، بيروت، 1973م، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد
[16] أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح، 1/ 1920،دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ1986م، تحقيق: الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ومعه فتاوى ابن الصلاح
[17] النساء: 11
[18] البقرة: 221
[19] انظر: المحلى لابن حزم 5 /209، طبعة دار الفكر، والدراري المضية شرح الدرر البهية للشوكاني 2/159، دار الكتب العلمية بيروت 1407 هـ 1987م، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 1/237، دار ابن حزم بيروت، ط 1، والروضة الندية شرح الدرر البهية للصديق حسن خان القنوجي 1/194، ط دار المعرفة
[20] الإجماع، لابن المنذر، ص: 14، دار الكتب العلمية، بيروت،ط.2، 1408هـ، 1988م
[21] ص642، رقم: 1133، طبعة دار القلم، دمشق، تحقيق: فاروق حمادة
[22] الموافقات للشاطبي 2/9، بتحقيق: مشهور حسن آل سلمان
[23] انظر: المحلى، لابن حزم 6/130131،تحقيق:أحمد شاكر
[24] انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك، للراعي الأندلسي، ت.أبي الأجفان،ص:197، دار ابن حزم، بيروت، ط1 2010 م
[25] الموافقات، 4/232، المسألة الثالثة عشرة، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: عبد الله دراز
[26] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، ص: 231،ط حلب، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة
[27] الفروق 1/176177، الفرق الثامن والعشرون
[28] منح الجليل شرح مختصر خليل، باب في البيع،(9/369)، نسخة المكتبة الشاملة
[29] ذكرها ابن الصلاح، ونسبها لمالك بن أنس يرويها عن شيخه محمد بن عجلان، في أدب المفتي والمستفتي ص:10، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ، 1986 م
[30] رواه ابن عبد البر في جامع بين العلم وفضله، 2/946، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، ط4، دار ابن الجوزي،المملكة العربية السعودية، صفر 1419هـ1998م
[31] أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5559)
[32] جزء من حديث أخرجه الدارقطني في الأفراد 1/266، والخطيب في التاريخ 9/127، عن أبي هريرة، ورواه الخطيب عن أبي الدرداء مرفوعا، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير(2328)
[33] الفقيه والمتفقه 2/325

دور الإيمان في المحافظة على صحة النفوس والأبدان للأستاذة أمينة عراقي

أمير المؤمنين يترأس الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1434

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، وفخامة السيد ماكي سال، رئيس جمهورية السنغال، يوم السبت 18 رمضان 1434هـ موافق 27 يوليوز 2013م،  بالقصر الملكي بالدار البيضاء، الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

 

وألقت هذا الدرس، بين يدي أمير المؤمنين، الدكتورة أمينة عراقي، طبيبة مختصة في الأمراض الجلدية وواعظة بالمجلس العلمي المحلي بالرباط، تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع دور الإيمان في المحافظة على صحة النفوس والأبدان"، انطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية".

 

وفيما يلي النص الكامل لهذا الدرس:

 الحمد لله رب العالمين

اللهم صل على سيدنا محمد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

مولاي أميرَ المؤمنين

يشهد الله ويشهد الناس، أنكم تعملون ليل نهار لإسعاد شعبكم في الأمور كلها، ولاسيما في ضمان صحته الروحية وعافيته البدنية، وهما أمران مرتبطان على مستوى قيادة الأمة وإمارة المؤمنين التي أنيطت بكم أمانتها. وسأحاول في هذا الدرس بعد إذنكم يا مولاي، أن أبين في ضوء العلم الحديث جوانب من العلاقة بين الالتزام بهدي الدين، وبين المحافظة على صحة النفس والبدن، بهدف تصور برنامج لاستثمار طاقاتنا الروحية، ومعتقداتنا الإيمانية، في صيانة أحوالنا الصحية، مع ما يرجى لذلك من آثارٍ إيجابية على حسن القيام بالواجبات، وفي مقدمتها الواجبات نحو الله والوطن، وما يتحقق به من الاقتصاد في النفقات.

وسنتناول بسط الموضوع في مقدمة نشير فيها إلى الحديث معتمد الدرس وثلاثة محاورَ هي:

أولا:  عناصرُ إشكال العلاقة بين الإيمان وصحة الأبدان، وفيه:

أ‌) شرح المقصود بالإيمان وأثرِه في التكيف مع المعتقد وتطبيق التكاليف والتوجيهات؛

ب‌) ذكرُ المرض وأنواعِه؛

ج)كيف يؤثر الإيمان على الصحة.

ثانيا: الإيمان والصحة البدنية؛

ثالثا: الإيمان والصحة النفسية.

ثم خاتمة في تفعيل برنامج توعية دينية باستثمار الصحة الإيمانية في الصحة البدنية والنفسية.

أما الحديث الذي أسسنا عليه الدرس فقد أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه، وفي سنن الترمذي قال: "قام أبو بكر الصديق على المنبر ثم بكى، فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول على المنبر ثم بكى، فقال:"اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية".

قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب، والحديث الحسن يحتج به ويعمل به كالصحيح سواء، قال الحافظ العراقي في ألفيته:

 

والفقهاء كلهم يستعمله                           والعلماء الجل منهم يقبله

 

وفي الشرح قوله "عام الأول" أي من الهجرة، والمقصود بالعفو، العفو من الذنوب، أي اسألوا الله أن يتجاوز عنكم وهو سبحانه العفو الغفور، والعافية: السلامة من الأسقام والبلايا، وهي الصحة التي هي ضد المرض، واليقين: الدرجة العليا من الإيمان التي من كان عليها قل تعرضه للمرض، أو إذا مرض من قبيل الابتلاء، لم يشق بذلك المرض مثل ما يشقى ضعيف الإيمان. وذهب شراح الحديث إلى القول إن العافية تعني سلامة الأمة من الفتن بقدر ما تعني سلامة جسد الفرد من المرض. وقد ربطوا بين بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بكاء أبي بكر وبين الخوف على الأمة من مرض الفتنة. ويلتقي هذا الفهم بتعريف منظمة الصحة العالمية التي ترى أن الصحة تعني الفرد والمجتمع معا.

 

وقد وردت أحاديث كثيرة في موضوع العافية وطلبها في الدعاء وأما ما ورد في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين﴾. فهذا نظر الأنبياء الذين هم صفوة أهل اليقين، أما ما سنأتي به في الدرس فهو وصف للأسباب الشرعية التي هي مطلوبة من سائر المؤمنين، وتتكامل تكاملا تاما مع الدعاء.

المحور الأول: في شرح عناصر إشكال العلاقة بين الإيمان وصحة الأبدان.

أولا: ما المقصود هنا بالإيمان؟

في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة والمعروف بحديث جبريل تعريف الإيمان وأنه: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره". وبمقتضى هذا التعريف وفي علاقة بالموضوع الذي يهمنا وهو الصحة، فإن للإيمان جانبين:

أولا:ما يعتقده المؤمن؛

ثانيا:ما يلتزم به من السلوك والعمل بناء على ذلك الاعتقاد، أي مضمون الإيمان.

فجانب الاعتقاد ينتج عنه عند المؤمن تصور لوجوده ولموجده ولغاية إيجاده، تصور يحدد علاقته بالحياة والمصير، يؤطر تلك الحياة ويعطيها معنى يؤمن به ويفسر به ما يقع له، والنتيجة المفيدة لصحته هي ما يحصل عنده من التحرر أو التخفيف من الخوف ومن الشك ومن الضعف، وما يتأتى له من الأمان ومن اليقين ومن القوة على تحمل الابتلاء والرضى به. فالإيمان من هذا الجانب إسلام وسلم، وإقبال على الله بأسمائه الحسنى التي بها يتجلى على الناس في حالة اليسر وفي حالة العسر. فهو مورد الاطمئنان والصبر والتأسي، مورد الأنس والأمل في عالم تطارد الإنسان فيه الوحشةُ والقَنوط. فهذا الإيمان في جانبه الاعتقادي يملأ هوة عميقة في الإنسان، لأن فطرته مركبة على أن يملأ ما فيها من الفراغ بالإيمان، وإذا تظاهر الإنسان بالاستغناء أو أظهر الجحود فإن المرض يحل في قلبه، أما صحة بدنه فحتى إذا سلم من علل الجسم فإنه يُبَذِّرها في غير ما خلق له. 

أما الجانب الثاني من الإيمان وهو جانب العمل والسلوك، بناء على الاعتقاد المذكور، فهو العمل بالقرآن، بأركان الدين التي جاء بها، بما فرض عليه وما ندب ووجه إليه من مكارم الأخلاق، ثم الانتهاء والامتناع عما نهى عنه من المعاصي والمخالفات. فما من طاعة صغيرة أو كبيرة إلا ولها وقع وتأثير على صحة الإنسان في جسمه أو نفسه أو فيهما معا، وما من معصية صغيرة أو كبيرة إلا ولها وقع وتأثير على صحة الإنسان في جسمه أو نفسه أو فيهما معا.

 

مولاي أمير المؤمنين

بعد أن رأينا المقصود بالإيمان المرتبط بالصحة وأنه اعتقاد وسلوك في جانبي الأمر والنهي، نلقي نظرة خاطفة على الأمراض.

لم يتوصل البحث العلمي إلى حد الآن، بالرغم من الأبحاث المتطورة، إلى إيجاد علاج شاف لكثير من الأمراض، لذلك التجأت جميع الدول إلى تكثيف الاهتمام بالطب الوقائي، خصوصا وأن العديد من الأمراض لها علاقة مع نمط العيش، وتنتج عن سلوكيات خاطئة للأفراد والمجتمعات، وقد توصل البحث إلى معرفة أسباب حدوثها وطرق انتشارها بين الناس، وبالتالي تأكدت إمكانية الوقاية منها بتغيير السلوك الخاطئ إلى سلوك صحي سليم، وهنا تأتي أهمية تأثير الدين.

 

أما الأمراض فهي على الخصوص:

أولا: الأمراض المعدية: ومنها الأمراض التي تنتقل عن طريق إفرازات الأنف والفم والمسالك الهوائية، ومنها التي تنتقل عن طريق الإفرازات المعوية والتي تنتقل عن طريق الملامسة المباشرة، والتي تنتقل عن طريق العلاقات الجنسية. ويتدخل الضمير الديني في السلوكات التي يتم بها كليا أو جزئيا تجنب مثل هذه الأمراض، سيما وأن الأمر يتعلق على الخصوص بالنظافة الخاصة والعامة والتي هي من الإيمان، وبالعفة التي هي مطلب أكيد في الدين. أما التي تتوقف على التلقيح، فإن القيام بالتلقيح يصبح واجبا دينيا، والتهاونَ فيه يؤدي إلى الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وهو أمر محرم شرعا.  

ثانيا: الأمراض غير المعدية: ولكثير منها علاقة بنمط العيش، الأمر الذي يدور خاصة حول أمور هي النظام الغذائي والأنشطة الحركية، وتجنب الإدمان.

ثالثا: أما الأمراض النفسية: فهي منتشرة في عصرنا الحالي، وتصيب مختلف الأعمار، والمستويات الاجتماعية، وتتسبب في معاناة يمتد تأثيرها إلى الأسرة والمجتمع. ومنها:

  • القلق المرضي والاكتئاب.
  • وهناك الصنف المعروف بالأمراض النفسية الجسدية "MaladiesPsychosomatiques": التي يمكن أن تصيب جميع الأعضاء. ففي اختصاص القلب نجد ارتفاع ضغط الدم، والذبحة الصدرية، وفي اختصاص الجلد نجد الصدفية "Psoصلى الله عليه وسلم iasis"، والثعلبة "Pelade"وهو تساقط الشعر على شكل بقع، وحكة الجلد.

وفي اختصاص الجهاز الهضمي نجد القولون العصبي "Colopathies fonctionelle »" وقرحة المعدة، وفي اختصاص الجهاز التنفسي نجد الربو والحساسية. وهذه هي الأمراض الأكثر شيوعا.

ويتجه الطب الحديث الآن نحو الاعتقاد بأن معظم الأمراض الجسدية يلعب فيها العامل النفسي دورا قويا، سواء في نشأتها أو استمرارها، لأن بين العاملين النفسي والجسدي علاقة تفاعلية، وخير دليل على مدى تأثر الجسد بأي اضطراب نفسي، أن الواحد منا حين يتعرض لموقف خوف أو توتر يخفق قلبه بشدة، وترتعد أطرافه، ويبدو على وجهه الشحوب ويتصبب عرقه، وهذا دال على فعل طبيعي يحدث لدى أي شخص نتيجة سلسلة من التفاعلات تبدأ من خلايا قشرة المخ التي تقوم بوظيفة التفكير، وبعد ذلك تصدر إشارات كهربائية وكيميائية إلى مناطق أخرى من الجهاز العصبي، مثل منطقة تحت المهاد halamusHypot، يتم فيها إفراز موادٍّ كيميائية تمثل إشارات إلى مراكز أخرى وإلى غدد الجسم لإفراز موادٍّ تنطلق إلى الدم مثل (الأدرنالين "Adصلى الله عليه وسلم énaline" ونورادرينالين Noصلى الله عليه وسلم adصلى الله عليه وسلم énaline)، التي تقوم بمهمة دفع الدم في القلب والشرايين بقوة وإعداد الجسم لمواجهة موقف القلق أو الخوف أو التهديد... ويحدث ذلك كله بصورة تلقائية منظمة، وخلال ثوان معدودة. وهذه الانفعالات إذا تكررت يتراكم أثرها ليتسبب في النهاية في خلل داخلي في وظائف أجهزة الجسم فيحدث المرض، ولهذا يطلق على الحالة أنها نفسية-جسدية "Psychosomatique" لأن الأصل في ظهور المرض والخلل الجسدي يرجع في البداية إلى عوامل نفسية. وهذه الانفعالات تصيب كل أعضاء الجسم لأن الجهاز العصبي متصل بكل الأعضاء. فالانفعالات الشديدة مثلا تؤدي إلى تحرير كليكوجين من مخازنه مما يرفع السكر في الدم، كما أن الغضب يؤدي إلى ارتفاع حموضة المعدة وتثبيط حركة الأمعاء واضطرابات في خلايا الجلد وخلايا أخرى.

وقد شبه بعض الأطباء التأثيرات التي تحصل في البدن نتيجة الغضب الشديد بـ"التماس الكهربائي داخل المنزل وما ينتج عن ذلك من تعطل في كافة أجزاء الدارة الكهربائية".

لذلك فإن الطبيب في معالجة مثل هذه الحالات، بالإضافة إلى العلاج الدوائي، ينصح دائما وفي كل الحالات بالابتعاد عن الضغوط النفسية، لأن سلامة النفس أساسية لسلامة النفس والجسد على السواء.

وحيث إن سنة الحياة، لابد فيها من الفرح والقَرْح، من النجاح والفشل، ومن الولادة والموت، فإن الحل المتاح لنا، هو في تغيير طريقة استقبال هذه الضغوطات النفسية، وذلك بموقف رباني فيه الصبر الجميل وتعلم الرضا ومحاسبة النفس على التقصير، وكلها تمرينات من صميم التدين.

 

مولاي أمير المؤمنين

بعد أن تكلمنا عن الإيمان والمرض نأتي لننظر كيف يكون تأثير الإيمان من الناحية العلمية في المرض.

إن البحث العلمي يطرح هذه الإشكالية على مستويين:

1)على مستوى الأفراد: فقد أظهرت عدة دراسات أن الأشخاص المومنين يتعرضون بقدر أقل للقلق الظاهر، وبإحساس أكبر بهدف الحياة ومعناها، ومعلوم أن تدني الإحساس بالقلق يعمل على خفض معدل حدوث الأمراض ويؤخر شيخوخة الخلايا. فالإيمان لما له من تأثير يتعدى مجرد صحة البدن، حيث يفضي إلى راحة أشمل تتضمن الإحساس بالسعادة والسكينة والطمأنينة والاستعداد للتفاني والسلام الداخلي والمغفرة وعددا من الأحاسيس الإيجابية، يعود بالنفع على الحياة كلها، وكيف لا والمؤمن مقتنع بأن إيمانه ينفعه حتى حين مماته وبعد مماته. فالمؤكد أن كل عامل من شأنه تقليص القلق يؤدي إلى انخفاض عوامل إمكانية حدوث المرض.

2)على مستوى الجماعة: فإن أثر الإيمان على الصحة يتجلى في كون المحيط المتدين يقدم للمريض أحاسيس يطغى عليها الجو الروحاني اللامادي وينعم فيها بأشكال من المساندة التي تخفف كثيرا من معاناته، فيؤدي التراحم بين أفراد المجتمع إلى الكشف المبكر عن الأمراض وتجنب سلوكات العنف، ويبعد الحاجة إلى اللجوء للإدمان، ووقوع الأمراض المنقولة جنسيا، كما يعصم بكيفية واضحة من التفكك الأسري.

 

مولاي أمير المؤمنين

لقد اهتم الإنسان منذ العصر القديم بثنائية الجسد والروح، وقدر أن للروح تأثيرا على الجسد من حيث الصحة والمرض، ولكنه لم يتبين بشكل أوضح آلية ذلك التأثير، ولما جاء الإسلام أعلم أن الأمر لا يتعلق بالروح لأنها خارجة عن دائرة المقاربة المعرفية، في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي﴾. ولكن القرآن علمنا أن النفس غير الروح، وهي قابلة للفساد، مؤثرة على غيرها من بقية الجسد الذي يكون معها جملة عضوية متضامنة، وذكر لنا أن الأفعال تؤثر على فاعلها باعتبارها إما نورانية وإما ظلمانية، وحذرنا من وسوسة الشيطان ومن مرض القلوب وعمايتها، وباختصار ربطنا بعوالم لسنا فيها وحدنا، ونظر إلى الصحة نظرة غير منفصلة عن الطهارة من آثار السلوكات الظالمة للنفس وللغير. وهكذا فنظر الإسلام كما قلنا شمولي، فيه اتصال بين ما هو مادي وما هو غير مادي.

  

أما في العصر الحديث فإن البحث في العلاقة بين الجانب العاطفي عند الإنسان وبين الوقاية والعلاج قد تنامى كثيرا، لاسيما منذ منتصف القرن العشرين، ومن أشهر مراحله قيام المعالج النفسي "أدلر" بالتجربة التي بين من خلالها علاقة جهاز المناعة عند الإنسان بجهازه العصبي، وأن هذا الجهاز من الأجهزة الرائعة التي أبدعها الخالق، وأوكل له الشفاء الذاتي، وهو جوال مبرمج ليتعرف على الخلايا الغريبة عن الجسم فيدمرها، وإن من خلايا جهاز المناعة، خلايا مستطلعة تتعرف على الجرثوم، أو إلى الخلية الغريبة، فتأخذ شفرتها، وتذهب بهذه الشفرة إلى الخلايا المصنعة كي تصنع المصل المضاد (Anticoصلى الله عليه وسلم ps) وبعضها يذهب إلى مكان التعفن للقضاء على الجراثيم.

ومنذئذ أجريت عدة أبحاث من طرف مختصين في علم النفس ومن الأطباء في عدد من التخصصات، وكلها بينت الآثار السلبية للغضب والقلق والاكتئاب على جهاز المناعة وبالتالي على الوقاية والعلاج من الأمراض.

وفي مقابل ذلك تبين أن التفاؤل والأمل لهما قدرة شفائية تجعل من يتصف بهما يتحمل أقسى التجارب الحزينة ومنها تجربة المرض.

إن الأساس القرآني للإشكال الذي نحن بصدد طرحه وهو علاقة الإيمان بالصحة واضح في ما أخبرنا به سبحانه وتعالى من أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنه رده أسفل سافلين، واستثنى من هذا السقوط أو الانحدار الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. والرد إلى أسفل سافلين يقترن بالضعف أمام الشهوات والمخاوف التي تنتاب الإنسان أمام الحياة بسبب ضعف على مستوى العقيدة. والقوة المستمدة من الإيمان المتوقع منها معالجة ذلك الضعف وأسبابه تسمى في الدين بالوازع، وهو يدل على معنيين متضادين، قدرة تتيسر بها الطاعات، وقدرة يتيسر بها عدم الوقوع في المعاصي، فهو محفز تارة ورادع تارة أخرى، يساعد على حالات نفسية وأفعال مادية تخدم الصحة، كما يقي من أحوال نفسية ويجنب أفعالا مادية مضرة للصحة. ونوع الطب المرتبط بالإيمان كما هو واضح وقائي بالدرجة الأولى، فالشريعة وُضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال، ثلاث منها تخص صحة الإنسان، واثنتان تعتمدان على الصحة.

المحور الثاني : منهج الإسلام في الحفاظ على الصحة الجسدية

بعد هذه التوضيحات حول الإيمان والمرض وآلية تأثير الأول على الثاني نذكر منهج الإسلام في الحفاظ على الصحة الجسدية:

 

وأول توجيهات الدين في هذا الباب حثه على الطهارة، وتشمل نظافة الجسم واعتدال النفس:

قال تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. فالغسل والوضوء من شروط العبادات. 

وتؤكد الأحاديث على نظافة أعضاء بعينها، كالفم والأسنان  واليدين، مع تخليل الأصابع وغسل البراجم.

وتفيد أعمال من هذا القبيل في التخلص من الإفرازات والعرق والدهون وكل ما يؤدي إلى تكاثر الجراثيم.

ولما كانت نظافة البيئة من شروط الصحة فقد اعتبرت السنة أن إماطةالأذى عن الطريق من شعب الإيمان. وأوصت السنة المطهرة بعدم تضييع الماء وعدم تلويثه.

وفي مجال التغذية فإن التوجيه الأساسي هو ملازمة الاعتدال، فقد نقلت كتب التراث أن رجلا من نحلة أخرى سأل مسلما هذا السؤال وقال: هل جاء في كتابكم، يعني القرآن شيء عن الصحة؟ فقال المسلم: نعم، عندنا فيه نصف آية هي قوله تعالى:

 ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾فقال السائل: نصف آية جمعت الطب كله،  وقد وردت في هذا التوجيه أحاديث نبوية كثيرة يدخل بعضها في ما عرف بالطب النبوي. وكما جاء الدين بمنهج الاعتدال، حرم بعض الأشربة والأطعمة، وعدها من الخبائث الظاهر ضررها بسبب الإدمان وما ينتج عنه من نقص في صحة الإنسان نفسا وجسدا.

ويدخل في المحرمات بعضُ لحوم الحيوانات التي تشكل بؤرا لتجمعات الكائنات الدقيقة المضرة بالصحة.

كما ضبط الإسلام العلاقات الجنسية ورغب في الزواج تحصينا للصحة، قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾.

وهكذا فإن فلسفة الإسلام في المحرمات هي منع الضرر عن الإنسان نفسه وعن غيره، وجلبُ المصالح ودرءُ المفاسد.

ومن توجيهات الإسلام في الوقاية: عزل المريض عن الأصحاء.كما رغب في ممارسة الرياضات النافعة، والتي يتم بعضها في انسجام روحي مثل الحركة في الصلاة.

وورد الأمر بالترويح المباح عن القلوب حيث روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه قوله: "روحوا عن قلوبكم ساعة بعد ساعة، إن القلوب إذا كلت عميت".

ومن طبيعة هذه التوجيهات أنها من متممات الإيمان ومجلبة للثواب والرضوان علما بأن أسلوب الدين مبني على المزاوجة بين الترغيب والترهيب، لأن الإنسان قد يعجز عن الإحسان حتى لنفسه في بعض الأحيان. وهذه المزاوجة مقبولة مشكورة اليوم ويعتمد عليها بنجاح في عالم التربية والعلاج السلوكي.

فالوازع الديني بتأثيره البالغ يجعل على النفس رقابة أقوى من سلطة الزجر والقانون.

 

المحور الثالث: الإيمان والصحة النفسية

لا تخفى أهمية القلق في الصحة النفسية، وقد أكد المختصون أن للإيمان تأثيراً  في التغلب على القلق  لأن الإنسان في صراعه مع الطبيعة قد حقق انتصارات بواسطة العلم، أما في صراعه مع نفسه فلم يحرز سلطة مماثلة، والدين هو صاحب هذا الميدان.

فالإسلام يربط ما يمكن أن نسميه بالسعادة وشرطها الأول هو الصحة، يربط ذلك بالذكر وهو استحضار أوامر الله ونواهيه، فيثمر ذكر الله لدى المؤمن اطمئنانا وسعادة في كل أحواله، قال النبي  صلى الله عليه وسلم : "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمومن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" أما المعرض عن ذكر الله فيكون في شقاء وضيق لقوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. والضنك هو الضيق والشدة، ونكد العيش وكثرة الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا، والتحسر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها.

وبعد هذه النظرة العامة، نشير إلى بعض الأحوال الشعورية التي تقرب المؤمن من الطمأنينة ومن الحالة الصحية السوية، وأهم هذه الأحوال سبعة، يضاف إليها أثر أداء الأركان الخمسة:

أولا- استجابة المؤمن لنداء الفطرة:

فيعيش مع الكون في سلام ووئام، بعيدا عن التنافر والعدوان.

ثانيا- اهتداء المؤمن لسر وجوده: 

ففي الإيمان بالوحي وحده أجوبة عن أسئلة الوجود، أسئلة المبدأ والمعاد مما يذهب القلق وتطمئن به النفس.  

ثالثا- الأنس بالله ودفع شعور الغربة:

يعاني الإنسان المعاصر على الخصوص من عرض "الشعور بالوحدة" وهي من أهم أسباب الاضطرابات النفسية، وانتهى رأي المنصفين من الأطباء إلى أن العلاج الأمثل لهذا العرض النفسي هو اللجوء إلى الدين، وإشعار المريض بمعية الله والاعتصام به.

وهو القائل: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾.

وهذه المعية تتحقق باستحضار أسمائه الحسنى وصفاته التامات العلا، فهو سبحانه العليم الرقيب، القادر، المغيث، المنجي الشافي.

رابعا- عدم الندم على الماضي:

فالمؤمن يستشير ويستخير ربه قبل القيام بأي عمل ثم لا يندم على ما لم يتحقق من ذلك ويوقن أن الخير فيما قدره الله لقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾.

خامسا- الرضا بالحاضر:

إن الرضا من أهم دوافع السكينة والطمأنينة، ويستقيم حال الرضا مع الفهم الصحيح للابتلاء في الصحة نفسها وفي الولد والمال وفي الأحبة. قال  صلى الله عليه وسلم :"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم". والمؤمن المبتلى لا ينقطع أمله ليقينه في قوله تعالى:﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾.

على أن المؤمن يستعين بهذه الأحوال الإيمانية للرضى بما ابتلي به، وإيمانه يفرض عليه اللجوء إلى الأطباء لتشخيص مرضه ونصحه بالوسائل العلاجية المناسبة لحالته، وعليه أن يطبقها لأنها من باب الأخذ بالأسباب.

عن جابر بن عبد الله عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: "لكل داء دواء، فإن أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل".

ومن خلال التجربة الميدانية هناك حالات مرضية متشابهة، تعطى لها نفس العلاجات. والملاحظ أن عند المرضى المتفائلين برحمة الله وقدرته، ينجح العلاج وتعظم حظوظ الشفاء، أما عند الساخطين عن حالهم الذين ينتابهم القلق والتوتر، فإن حالتهم قد تتفاقم ولا يتحملون العلاج.

سادسا- المؤمن لا يخاف من المستقبل:

تقوم أغلب الاضطرابات النفسية على الخوف من المستقبل، الخوف من المرض من الموت أو الخوف المتعلق بالرزق، والمؤمن يصغي إلى قوله تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المومنون﴾ وامتدادا لذلك يحض الدين على الاشتغال وملء الوقت بالصالحات، وينهى عن الفراغ والكسل والاتكال، وهذه كلها من دواعي القلق والتوتر.

سابعا- التحلي بالأخلاق الحسنة:

حث الإسلام على الحلم والصدق والوفاء والأمانة، مما يعود بالخير على الفرد والمجتمع، ونهى عن الأخلاق المنحرفة التي تسبب انتشار المشاعر السيئة بين الناس، كالحقد والغيبة والنميمة والحسد والبخل والكذب والرشوة، والعنف. على أن العاصم من السقوط في الأخلاق الذميمة هو ترك الغضب. حتى إن الإمام أحمد فسر حسن الخلق بترك الغضب. جاء رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أوصني، قال  صلى الله عليه وسلم : لا تغضب. فردد مرارا، قال صلى الله عليه وسلم : "لا تغضب".

وفي أحاديث أخرى بين لنا النبي  صلى الله عليه وسلم طرقا عملية إعجازية تساعدنا على تجنب الغضب.

- "إذا غضب أحدكم فليسكت".

- "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع".

وأمر صلى الله عليه وسلم الغاضب بالوضوء لينطفئ غضبه.

 

 

وبعد الإشارة إلى هذه الأحوال نذكر أثر القيام بالأركان.

أولا- الصلاة، والقرآن بليغ في بيان علاقتها بتأسيس السلم النفسي والاطمئنان في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون...﴾فالهلع هو الاضطراب النفسي، يصيب الإنسان لضعفه في الحالتين، إذا أصابه الشر، وإذا أصابه الخير وهي صورة بائسة للإنسان حين يخلو قلبه من الإيمان.

فالرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وكان يقول: "أرحنا بها يا بلال".

ثانيا- الصوم: يجمع الباحثون أن للصوم أثرا ملموسا في تربية الإرادة القوية والتمرن على مقاومة شهوة النفس والبدن. وقد أنجزت في كليات الطب أطروحات عديدة تبين الفوائد الصحية للصوم. ولكن آثاره الحميدة تتوقف على عدم الإخلال المفرط بنظام النوم، وعدم الإفراط في الأكل في الفطور والسحور.

ثالثا- الزكاة: وعلاقتها بصحة الفرد بالإضافة إلى صحة المجتمع، تكمن في كون النفس التي تنفع الغير كثيرا ما تصفو وقليلا ما تضطرب. فالشح من أمراض النفس والله تعالى يقول: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾.

رابعا- الحج:ويتمثل الجانب الوقائي النفسي في أداء فريضة الحج في ما يصاحبه من عقد نية التوبة، والعزم على بداية حياة جديدة كيوم ولدته أمه. والتوبة من الذنوب تؤدي إلى انشراح الصدر، لأن الإنسان العاصي يكون في صراع داخلي مع فطرته السليمة، فهو يؤنبه ضميره دائما على معصيته، وعندما يتوب يتخلص من عقدة الذنب أو ما يسميه البعض بالجلاد الباطنيle bouصلى الله عليه وسلم  صلى الله عليه وسلم eau intéصلى الله عليه وسلم ieuصلى الله عليه وسلم لأن المعاصي كلها سموم للقلب وأسباب لمرضه وهلاكه.  

قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم﴾.

 

خاتمة

مولاي أمير المؤمنين

نستأذن في أن نقول في خاتمة هذا الدرس إن المفروض في ضوء ما ذكرنا من توجيهات الدين الحنيف في موضوع الصحة أن تكون صحة هذه الأمة في تحسن مستمر بفعل آثار الوازع الديني وبفعل مقومات الوقاية التي يوصي بها الدين، بيد أننا نلاحظ أن الحالة الصحية تزداد كلفتها يوما عن يوم ولا يكاد أحد يتحكم فيها. ولا تهمنا المقارنة بين مختلف الدوافع إلى الحرص على الصحة، ولكن يهمنا أن نتساءل: إذا لم تكن صحتنا على ما يناسب ديننا عقيدة وسلوكا، فأين يكمن العلاج؟ ورصد مواطن هذا العلاج موضوعيا يكون في أحد الجوانب الآتية:

  • تقوية الوازع بتقوية العقيدة؛
  • تقوية الوازع الذي يقوي العمل بالواجبات وبمكارم الدين؛
  • تحسين كيفية الالتزام بالمضمون.

إن الناس لا يتعبدون بهدف ضمان السلامة البدنية والنفسية، ولكنهم إذا التزموا بتعاليم الدين فإن من جملة الفوائد الدنيوية لهذا الالتزام حصول فوائد عديدة لهم تدخل في جانب الصحة، والعمل بالدين يتوقف على أمرين أساسيين هما: تعليم الدين لمن يجهله لقوله تعالى:﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾. والتذكير به لمن لديه العلم بالضروري منه، لقوله تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾، وسواء تعلق الأمر بالتبليغ أو بالتذكير فإن ذلك من مسؤولية العلماء.

ومن مؤهلات المملكة المغربية في هذا الميدان، ميدان تعليم الدين، والتذكير به نذكر ثلاثة أمور:

  • ما أمرتم به يا مولاي من فتح المساجد لمحاربة الأمية التي يتضمن برنامجها جانبا من التربية الصحية، وما يشاهد من الإقبال الشديد للنساء على هذا البرنامج؛
  • الجهاز التأطيري الديني القوي المتمثل في المجالس العلمية ومن يعمل بتوجيهها من أئمة ووعاظ ومرشدين؛
  • نجاح الإعلام السمعي البصري الذي أنشأتموه للإرشاد الديني وما فيه من برامج للتوعية والتربية الصحية، وقد كانت لنا تجربة شخصية في هذه البرامج ووقفنا على إقبال المواطنات والمواطنين عليها.

 

 

مولاي أمير المؤمنين

إن منظمة الصحة العالمية قد تنبهت في السنين الأخيرة لأهمية التوعية الصحية  بواسطة القنوات الدينية، وأهمية الاستعانة بالمؤطرين الدينيين في هذا المجال سواء في برامج الصحة للجميع أو البرامج الخاصة لمحاربة الإدمان أو داء فقدان المناعة المكتسبة SIDA. وهذا الاهتمام بالنسبة لحضارتنا وثقافتنا ليس فيه من جديد، على أن الذي نتوقعه بفضل توفر الإمكانات المذكورة عبر عشرات آلاف المساجد بعلمائها وأئمتها  أمران هما:

  • وضع دليل للتوعية الصحية يمكن أن يستعمله الأئمة بعد شروح وتدريبات مناسبة لصالحهم على أيدي خبراء في الصحة، والمجلس العلمي الأعلى منكب على وضع هذا الدليل؛
  • تخصيص حصة من برامج التوعية الدينية بنسبة كافية للتوعية الصحية في ارتباط مع التوجيه الديني الوارد في هذا الموضوع، وذلك عبر خطبة الجمعة ودروس الوعظ وبرنامج التأهيل في إطار ميثاق العلماء وفي الإعلام السمعي البصري، مع ضرورة ابتكار أساليب بيداغوجية تفاعلية وتشجيعية.

لاشك أن مثل هذه الخطة ستكون لها نتائج ملموسة على صحة المواطنين وعلى اقتصاد الصحة وفاتورتها على مستوى الوطن، ويسهم التوجه الديني من ثمة في مزيد من إمكانات التنمية التي تقودون خطتها يا مولاي. حفظكم الله ورعاكم وسدد خطاكم وأسأل الله لكم العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

 

والختم من مولانا أمير المؤمنين.

لمشاهدة التسجيل المرئي بدرس الأستاذة أمينة عراقي أمير المؤمنين ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1434 المرجو التأشير على هذا الرابط أو صورة الإعلام بالدرس أعلاه

شد الرحال إلى المسجد الأقصى للشيخ محمد أحمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية

أمير المؤمنين يترأس بالدار البيضاء الدرس الخامس من الدروس الحسنية الرمضانية لسنة 1434 ألقى فضيلة الشيخ محمد أحمد حسين، المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، بين يدي جلالة الملك يوم الثلاثاء 23 يوليو 2013 بالقصر الملكي بمدينة الدار البيضاء، الدرس الخامس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

 

تناول الشيخ محمد أحمد حسين بالتحليل موضوع "شد الرحال إلى المسجد الأقصى" انطلاقا من قول الله تعالى "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير".

 

واستهل المحاضر درسه بإبراز ما يوليه جلالة الملك "من اهتمام كبير للمسجد الأقصى المبارك من خلال موقع رئاستكم للجنة القدس، ومن خلال قيادتكم لشعب المغرب الشقيق الذي جاد بالأرواح والأبناء والغالي والنفيس فداء للقدس ودرتها المسجد الأقصى المبارك"، قبل أن يشير إلى أن فلسطين تعد مهد الديانات ومهبط الرسالات، ففي رحابها قبلة المسلمين الأولى، المسجد الأقصى، الذي أسرى الله تبارك وتعالى برسوله عليه الصلاة والسلام إليه، وهو ثاني المسجدين، وضع في الأرض لعبادة الله بعد المسجد الحرام، وهو ثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها.  
وأضاف أن أرض فلسطين زخرت بالأماكن المقدسة، فقام المسلمون بالتبرع إلى هذه الأماكن بأراضيهم وعقاراتهم، ليعود ريعها عليها بالنفع والفائدة، سواء لدفع أجرة الموظفين القائمين عليها، أو تجديدها وترميمها، أو النفقة على طلاب العلم التابعين لها، وقد دفع المسلمون أغلى ما يملكون من أجل هذه الغاية النبيلة، مشيرا إلى أن هذه الأوقاف ظلت ترفد الأماكن المقدسة بالخير والعطاء طوال القرون الماضية من عمر الدولة الإسلامية، حتى جاء الاحتلال الغاشم، فدمر القرى والمدن وما حوته من مقدسات وأوقاف. 
وتوقف المحاضر عند الاعتداءات الإسرائيلية على بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك ووسائلها، والتي تجسدت من خلال مصادرة الأراضي والحفريات تحت المسجد الأقصى المبارك والأماكن المحيطة به، ومحاولة طمس الهوية الإسلامية للقدس، مبرزا أن أطماع إسرائيل في القدس بخاصة وفلسطين بعامة ليست وليدة اللحظة، "فمحاولاتها الحثيثة لتهويد القدس، وطرد أكبر عدد من العرب الفلسطينيين من المدينة تحت حجج وذرائع مختلفة، وجذب أكبر عدد من المهاجرين اليهود إليها، تهدف إلى فرض الأمر الواقع الديموغرافي اليهودي، وتدمير الحضارة العربية الإسلامية فيها، التي مازالت من أهم الدلائل على تاريخ الإنسان العربي وجذوره فيها". 
وأعرب عن أسفه لكون كل ذلك يحصل في غياب عربي وإسلامي واضح، "فالمقدسيون بحاجة ماسة إلى دعم إخوانهم وأشقائهم العرب لمواجهة السياسات +الإسرائيلية+ المستبدة تجاه المدينة المقدسة".  
وانتقل المحاضر للحديث عن واجب المسلمين تجاه القدس ومسجدها الأقصى المبارك، حيث أكد أن المتعطشين إلى الصلاة في المسجد الأقصى المبارك من مسلمي العالم كثيرون "فتلك أمنية لديهم، يحول دون تحققها الاحتلال البغيض، الجاثم على أرض فلسطين الطهور، التي باركها الله تعالى حين بارك المسجد الأقصى وما حوله"، مشيرا إلى أن من أشد الناس شغفا لزيارة المسجد الأقصى، أولئك القاطنون على بعد مرمى حجر منه، من أبناء القرى والمدن والأحياء والمخيمات المحيطة به، من الذين تمنعهم حراب المحتل الظالم من الوصول إلى مسجدهم، ومسرى نبيهم، ضمن إجراءات ظالمة، تتنافى مع أبسط قيم حفظ حقوق الإنسان، واحترام كرامته ومراعاة حريته، وبخاصة في ما يخص لزوم إتاحة حرية العبادة لأصحاب الديانات السماوية، ليؤدوا شعائرهم بأمن وسلام. 
غير أن المحتل الظالم- يضيف المحاضر- يمنع المؤمنين من أدائها على الوجه الذي طالبتهم بها أديانهم، ويضع الشروط القاسية لإمكانية الوصول إلى أماكن العبادة، وعلى رأسها المسجد الأقصى، الذي يتعرض في هذه الحقبة التاريخية القاسية إلى مؤامرات كيدية وعاتية، تستهدف وجوده وتقسيمه، بل وضع اليد عليه بالكلية، لتحقيق أهداف يزعمون أنها توراتية، والتوراة منها براء، فهي في أصلها كتاب من الله مقدس، من المحال أن ينص على معاداة الربانيين من الناس، المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.  
وشدد الشيخ محمد أحمد حسين على أن أداء واجب المسجد الأقصى المبارك من قبل المسلمين في أن يشدوا الرحال إليه لإعماره والصلاة فيه وحمايته من المخططات التهويدية، يزداد لزوما في هذا الزمان، وبخاصة في ظل دعوات المستوطنين المتطرفين الأخيرة إلى الحج الجماعي إليه، في سابقة تنذر بما يخطط له من كيد، يهدف إلى فرض واقع جديد فيه، وجعله مكانا للحج اليهودي، مشيرا إلى أنه لا شك في أن هذه الدعوات التحريضية تتعدى الخطوط الحمراء الخاصة بمكانة هذا المسجد العظيم، مما يعني ضرورة التحرك العاجل لمنع هذه الاعتداءات ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته.
ومن أبرز ما هو مطلوب من المسلمين حيال ما يتهدد مسجدهم الأقصى، أن يحافظوا على دعوتهم لنصرته، من خلال الحث على شد الرحال إليه، وإعماره بالمصلين والمعتكفين، وطلبة العلم، ليبقى منارة إسلامية تشع بالنور والخير للعالمين.    
كما تطرق إلى اللغط الذي أثير في الآونة الأخيرة حول شد الرحال إلى المسجد الأقصى وزيارة القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل الاحتلال، حيث شدد المحاضر على أن المسجد الأقصى أسمى من هذا اللغط، ووضعه في هذا الظرف الصعب من الأسر والخطر، أدعى للتفكير في حمايته ونصرته أكثر من الاختلاف حول سبل شد الرحال إليه، والمسألة برمتها سياسية أكثر منها قطعية في صرامة الحكم الشرعي. 
وأكد أن من أبرز واجبات الأمة الإسلامية أن تعمل جهدها لتحرير هذه الأرض المباركة، ومسجدها الأقصى، حتى تكون مفتوحة لمن يشد الرحال إليهما، ابتغاء رضوان الله وثوابه، "ومن المؤكد أن شد الرحال إلى المسجد الأقصى في ظل الاحتلال يختلف عنه في ظل الحرية والأمان، وأهل القدس أدرى بحالها، وبما يخدم مصالحها، ويعزز صمودها". 
وشدد على أن شد الرحال إلى المسجد الأقصى أمر تعبدي، وضرورة يستدعيها الخطر الداهم الذي يتهدد وجوده بالهدم أو التقسيم أو التدنيس أو بالحصار المحكم والحيلولة دون إعماره، مؤكدا على أنه رغم المرارة التي يتكبدها الفلسطينيون إلا أنهم لن يستسلموا لإرادة البطش والقهر، وسيواصلون سعيهم بأجسادهم وقلوبهم ومشاعرهم إلى مسجدهم، ولن يدعوا فرصة تتاح لهم، إلا ويثبتوا من خلالها للقاصي والداني أنهم أصحاب الحق الوحيدون في هذا المسجد، وفي هذه الأرض الطهور، شاء من شاء، وأبى من أبى.  
ونبه المحاضر أيضا إلى دور المغاربة في القدس، حيث جاؤوا مع الفاتحين لبيت المقدس، واستقروا فيها طلبا للبركة، والرباط في القدس الشريف، فكان لهم ذلك، فحمل أحد أبواب المسجد الأقصى الرئيسة اسم باب المغاربة، بل إن هناك حارة كاملة من حواري بيت المقدس كانت تعرف بحارة المغاربة، وكانت ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك، وظلت قائمة إلى أن وقعت القدس في براثن الاحتلال الصهيوني الذي هدم  الحارة بكاملها، وشرد أهلها منها.
وأبرز الشيخ محمد أحمد حسين أن الدعم المغربي للقدس لم يتوقف، "فهناك وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تعمل مشكورة على دعم صمود أهل بيت المقدس وتثبيتهم من خلال قيامها ببعض المشاريع المهمة في القدس ومنها بناء المدارس ودعم المشافي.     
وفي ختام هذا الدرس ، تقدم للسلام على أمير المؤمنين الشيخ محمد أحمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية.

لمشاهدة التسجيل المرئي بدرس الشيخ محمد أحمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية  بحضرة أمير المؤمنين ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1434هـ المرجو التأشير على هذا الرابط أو صورة الإعلان بالدرس أعلاه

 

 

 

الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لعبد السلام العبادي

الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لعبد السلام العبادي

الدرس الرابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية - 8  رمضان 1434 الموافق 20 يوليو 2013- ألقاه بين يدي جلالة الملك، الأستاذ عبد السلام العبادي، وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية سابقا في المملكة الأردنية الهاشمية ، ونائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وتناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية" انطلاقا من قول الله تعالى "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم".

نص الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين،وأصلى وأسلم على رسوله الكريم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الغر الميامين ، ومن اقتدى به ،  والتزم بشرعه الى يوم الدين .. وبعد؛

 صاحب الجلالة الملك محمد السادس امير المؤمنين ملك المملكة المغربية الشقيقة حفظه الله تعالى ورعاه .

 أيها الاخوة والأخوات المشاركون في هذا اللقاء العلمي المبارك :

يقول جل من قائل : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة  مائة حبة  والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) البقرة 261 .

ويقول صلوات الله عليه وسلم ( اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له ). اخرجه البخاري في الادب المفرد ، واخرجه مسلم في صحيحه .

صاحب الجلالة :  في ظلال هذا الآية الكريمة ،  وهذا الحديث النبوي الشريف اتحدث في هذا الدرس من سلسلة  الدروس الحسنية المباركة عن موضوع الأوقاف  وآثارها الاقتصادية و الاجتماعية ؛  باعتبار الوقف انفاقا في سبيل الله يمتد اثره ويدوم بعد وفاة المنفق في أي امر من امور الخير و الاحسان والنفع العام يقصد به اجر الله سبحانه وتعالى وثوابه المستمر .

       فهو كما عبر الرسول الاعظم عليه الصلاة والسلام صدقة جارية مستمرة لا تتوقف يستمر اجرها بالوصول  إلى المتصدق بها بعد وفاته .

       والحديث عن موضوع الوقف وآثاره الاقتصادية والاجتماعية  حديث هام وضروري ، وبخاصة في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ امتنا التي تتلمس فيها الحلول والمعالجات لمشكلاتنا الاقتصادية و الاجتماعية ؛  فسوف يظهر هذا الدرس القدرات الفذة التي تتوافر  في الوقف  ، و التي تمكنه من أن يحقق آثاراً بارزة  في  مسيرة التنمية الشاملة في مجتمعاتنا ، وبخاصة في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي بل ان الوقف اذا احسن التعريف به و التعامل معه قادر على ان يكون له دور بارز في مجالات التنمية الاخرى : البشرية ، والسياسية ، والثقافية ،  والتعلمية .. لقد قدمت مؤسسة الوقف عبر التاريخ الإسلامي ذلك ، وقدمت انجازات كبرى غطت كل جهات الخير والنفع العام ،  لذا سأحرص في هذا الدرس وضمن الوقت المتاح على التعريف به وبيان انواعه ، وأدلة مشروعيته ، و مجالات عمله ، مع استعراض واقعه في عالمنا الإسلامي ؛ ضمن رؤية  تحرص على التطوير و التحديث مع المحافظة على الاصالة والبناء الفقهي السليم.           

 

      وعلى ضوء ذلك وفي اطاره  أقول :

        نعم إن الاهتمام بالوقف في آفاقه المتعددة من القضايا الهامة ،  والجديرة بكل عناية في هذه الايام ، وبخاصة ما يتعلق بتطوير آلياته وفعالياته ، والعمل الجاد على احياء دوره  البارز ، وتنظيم اموره ، وبناء اجهزته المطلوبة ؛ من اجل تحقيق اهدافه في المجتمع الانساني .

         فالوقف ليس الا تمويلا مستمراً وفاعلاً لمصارف الخير وجهات النفع العام. وبقدر ما يحظى بالعناية تعريفاً به ، وتطويراً ، وحماية ، واثراء لمسيرته ومجالاته المتعددة ؛ بقدر ما يتحقق هذا التمويل لهذه الجهات ..  و بالتالي تسد ثغرات كبيرة في حركة المجتمع ونموه ، وتتحقق الحياة الكريمة لا بنائه .

           وقد ادى الوقف ، وما زال ، هذا الدور بكل فاعلية وعطاء ،  في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية ماضياً وحاضراً .. وهو بحمد الله يجد في هذه الايام العناية الفائقة والاهتمام الواسع ، على كثير من الصعد العلمية والعملية .. وقد عقدت لذلك العديد من المؤتمرات والندوات ، وصدرت الكثير من القوانين و الانظمة والتعليمات في  عدد من بلاد العرب و المسلمين ، وألفت في ذلك الكتب و المؤلفات ، ودبجت البحوث والدراسات و المقالات ،وقامت هنا وهناك البرامج والصناديق والمؤسسات إحياء لدوره وتحقيقاً لأهدافه ، مما نستطيع القول معه أن هناك حراكاً جاداً في هذه المجالات ؛ سيكون له بأذن الله وفضله تعالى الأثر الكبير والنتائج البارزة في تحقيق اهداف الوقف في المجتمع الانساني .

      وقد أولى البنك الاسلامي للتنمية (المؤسسة البنكية الإسلامية العالمية) هذا الموضوع بكل ابعاده عنايته واهتمامه ، فعقد لذلك العديد من الندوات ، ودعم كثيراً من البحوث والدراسات واقام صندوقاًوقفياً دولياً لتفعيل استثمار العقارات و الاراضي الوقفية في العالم الإسلامي ، واهتم اكثر ما اهتم بقضية تثمير الاوقاف دراسة وتطبيقاً ، و قضية توسيع دائرة عطائه ومنافعه في المجتمع الانساني ..  وها هو معهد البحوث والتدريب التابع له يستمر في جهده المبارك خدمة لهذا الموضوع بآفاقه المتعددة ، فدعاني اكثر من مرة للمشاركة في نشاطاته في هذا المجال  وقد القيت محاضرة  في رحابه الخيرة في موضوع حيوي من موضوعات الوقف التي يجب أن تولى كل عناية واهتمام نظراً لدورها البارز هذه الايام. وقد كانت حول موضوع وقف النقود،على أي جهة من جهات الخير حيث يمكن هذا النوع من الوقف بالإضافة الى سد حاجات النفع والخير العام  من القيام  بأنواع  الاستثمار والتنمية الاقتصادية وفق احكام الشريعة الإسلامية ، فيوجد ذلك حراكاً تنموياً واسعاً في المجتمع،لسهولة تحريك النقود في كل مجالات الاستثمار المشروع ، وفق افضل انواع الاستثمار واجداها لمصلحة الوقف ..  بالإضافة الى سهولة وقفها وتخصيص دخل استثمارها لأي جهة من جهات الخير ، امام ازدياد السيولة النقدية في ايدي الناس ، مما يمكن من تغطية فاعلة لجهات الخير.

          ولكن هذا الموضوع الحيوي الهام يتطلب جهوداً علمية في تأصيله وضبط اموره وحمايته ليحقق اهدافه خير تحقيق ..

          واهتم مجمع الفقه الاسلامي الدولي بموضوعات الوقف وقد قدمت له بحثين   الاول عن صور استثمار الاراضي والعقارات الوقفية في دورته الثانية عشرة سنة1421 ه ، 2000 م  .  والثاني عن المؤسسة الوقفية المعاصرة بين التأصيل والتطوير في دورته الثالثة عشرة سنة 1422 ه ، 2001 م .

       كما اهتم بموضوع الوقف مؤسسة آل البيت للفكر الاسلامي  ( المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية ) فعقدت سنة 1996 ندوة من سلسلة ندوات الحوار بين المسلمين بعنوان " أهمية الاوقاف الاسلامية في عالم اليوم " قدمت لها بحثا بعنوان "ادارة الاوقاف الاسلامية في المجتمع المعاصر وبخاصة في الأردن وفلسطين " .        

          ومن هنا تأتي اهمية  هذه المحاضرة لمعالجة آفاق هذا الموضوع معالجه وافية وشافية بإذن الله تعالى ..وهذا يتطلب دراسة الامور الآتية :

اولاً : التعريف بالوقف بصفة عامة وبيان مذاهب العلماء فيه وبخاصة في وقف المنقول باعتبار ان النقود من المنقول  ، تمهيداً لمعرفة المقصود بأنواع الوقف  واهم احكامهافي المذاهب المتعددة.                                                                             

    ثانيا : استعراض اهم ادلة مشروعية الوقف من الكتاب والسنة ، واهم الاحكام الخاصة بالوقف التي اخذها العلماء منها

ثالثا : التعريف بالنقود ، وبيان مذاهب العلماء في وقفها،وبيان اهميته وموجهات تنظيمه.

رابعا :  بعض الصور العملية التاريخية للوقف  بهدف بيان شمول آفاقه وتعدد مجالاته  . اما فيما يتعلق بوقف النقود فان ذلك يشمل :

  •  وقف النقود لغرض الاقراض الحسن .
  • وقف النقود لغرض استثمارها استثماراً مشروعاً ، وإنفاق دخلها في جهة من جهات الخير او اكثر.

  واستعرض ما يتعلق بكل أمر من هذه الأمور  في مطلب مستقل كما يلي: 

المطلب الاول

التعريف بالوقف  بصفة عامة 

          4. كنت قد قدمت لمجمع الفقه الاسلامي الدولي في دورتة الثالثة عشرة [1]دراسة حول الوقف بعنوان : ( المؤسسة الوقفية المعاصرة بين التأصيل والتطوير ) .. وقد قلت في مقدمتها انها تهدف الى ( التصدى لموضوع المؤسسة الوقفية في هذا العصر بالتحليل والنظر باعتبار ان المراد بالمؤسسة الهيكلية الادارية _ مهما صغرت او كبرت _ التي تقوم على الوقف في النظر الإسلامي ، باعتباره حبساً للعين وتسبيلاً للمنفعة على جهات الخير ، بصرف النظر عن أي تفصيلات تندرج تحت هذا العنوان ، ثم بينت ان البحث يتصدى لمعالجة العديد من القضايا الرئيسة التي يتطلبها بناء المؤسسة الوقفية المعاصرة على هدي من نصوص الشريعة )... ثم بينت ان ذلك يتطلب معرفة شاملة لحقيقة الوقف ، وثوابته التي يجب التمسك بها ، وعدم اغفالها في بناء المؤسسة الوقفية المعاصرة ؛ مع الاستفادة من المجالات الرحبة المتروكة للاجتهاد في كل عصر ، او للاختيار بين الآراء الفقهية المتعددة في تفصيلات الوقف وفروعه .

        ثم بينت في المطلب الاول من ذلك البحث طبيعة الوقف الخاصة ومجالات التطوير فيه ، فقلت ان طبيعة الوقف الخاصة تقوم في اهم ما تقوم عليه على حبس العين الموقوفة عن التداول ، فالوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث ..وثم القيام عليه وتوجيه ناتجه ودخله الى جهة من جهات البر او الخير وفق شرط الواقف ..  وعندما فتح الفقهاء باب استبداله ، فقد فتحوه في حدود ضيقة ، وضمن شروط محددة ، ومن هنا وعلى سبيل المثال فإن صيغ استثمار الأراضي الوقفية يجب أن تقوم على استبقاء ملكية الارض الموقوفة محبوسة عن التداول ، مما يتطلب دراسات فقهية خاصة تلاحظ هذه الطبيعة.

          كما أننا في مجال استثمار العقارات الوقفية يجب أن نلتزم بالصيغ المقبولة شرعاً  ..  وهذا يتطلب من الاجتهاد المعاصر العمل على اقتراح صيغ استثمارية جديدة  ، او تطوير الصيغ السابقة لتلبي احتياجات الاستثمار المقبول شرعاً في هذا المجال ، مع ضرورة توافر امكانيات القياس الدقيق للجدوى الاقتصادية للمشروعات من خلال ادوات الاستثمار المعتمدة ،  كما اوضحت في بحثي عن صيغ استثمار الاراضي الوقفية الذي قدمته للدورة الثانية عشرة لمجمع  الفقه الاسلامي الدولي[2].

       وهناك حاجة ملحة لاحياء دور الوقف في خدمة جهات الخير والنفع العام وتحقيق اهدافه في المجتمع، وإلا فأن الوقف يمكن أن ينقلب الى نوع من تعطيل المال .. ولذلك اهتم فقهاؤنا ببيان المسؤولية الكبرى التي يحملها متولو الوقف في اعماره واصلاحه ، ليظل يعود بالنفع على الجهات التي وقف عليها .. وقد باتت تحمل هذه المسؤولية عن  الاوقاف الخيرية في معظم الدول الاسلامية وزارات او دوائر متخصصة في ادارة الوقف وتنميته ، باعتبارها متولياً عاماً على هذه الاوقاف الخيرية ، وامام ذلك اصبحت هذه المسؤولية تتطلب جهوداً كبيرة لتطوير هذه الادارات بالإضافة الى استحداث صيغ جديدة تلبي احتياجات الاستثمار المتزايد امام كثرة الاراضي الوقفية التي باتت تقع تحت مسؤولية هذه الجهات .

      بالإضافة الى ما اسند الى هذه الوزارات أو الادارات من مسؤولية عن  الاوقاف الذرية بقرارات من القضاء في حالات فشل المتولين على هذه الاوقاف او انحرافهم او انقطاع الذرية لسبب أو لآخر .

      ثم إن كثيراً من الجهات الوقفية والخيرية في المجتمعات الاسلامية باتت تلجأ إلى صيغة الوقف لتمويل المشروعات الثقافية والصحية والاجتماعية ، وإن التوجه الاسلامي اخذ يستجيب لهذه الصيغ ، وبدأ المحسنون يقفون الاوقاف المنقولة وغير المنقولة لهذه الاغراض ، مما يحمل هذه الجهات مسؤولية كبيرة في تقديم افضل الصيغ ، وأكثرها اماناً ودقة لإدارة هذه الاوقاف والمحافظة عليها ، لتتمكن من تحقيق الاهداف الخيرية المنوطة بها .

وهنا لابد من التنبيه إلى أن كثيراً من هذه الاوقاف التي اخذت في القيام هنا او هناك ، هي أوقاف نقدية ، مما يتطلب اهتماماً خاصاً بتأصيل هذا النوع من الوقف وتفعيله وحمايته وتحقيق الاستثمار الراشد له ، مما يحقق أهداف الوقف في المجتمع ، بالإضافة الى الاطمئنان على استمرار هذا الوقف ونموه باضطراد بإقبال المحسنين عليه عندما يقوم هذا النمو على الاستثمارات النافعة المقبولة شرعاً.

        وقد اهتم الفقهاء بتعريف الوقف وتعددت تعريفاتهم له على ضوء اختلاف مذاهبهم في كثير من احكام الوقف من حيث لزومه وعدم لزومه ، ومن حيث اشتراط القربة فيه او عدم اشتراطها ،ومن حيث الجهة المالكة للعين الموقوفه بعد وقفها ، إلى غير ذلك من امور تحدد طبيعة الوقف وحقيقته في المذاهب الفقهية المتعددة .

          فمن تعريفات الشافعية مثلاً حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح[3] ، وعرفه أبوحنيفه بأنه : حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة ، وعرفه الصاحبان بأنه : حبس العين على ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب[4].

          وعرفه أئمة المالكية بأنه : إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً[5].وعرفه أئمة الحنبلية : بأنه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة [6]، وعرفه من الفقهاء المعاصرين المرحوم الشيخ محمد ابو زهرة بقوله : والوقف هو : منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها ،وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء ، او انتهاء[7]

      وعرفه القانون المدني الاردني،وذلك في المادة 1233  ،   باعتباره مستمداً من الفقه الاسلامي ،استفادة من مجموع التعريفات السابقة بأن : ( الوقف : حبس عين المال المملوك عن التصرف وتخصيص منافعه للبر ولو مالاً ).وعرفه قانون الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية الاردني في مادته الثانية بقوله : الوقف :

 (حبس عين المال المملوك على حكم ملك الله تعالى على وجه التأبيد ، وتخصيص منافعه للبر ولو مآلاً ، ويكون الوقف خيرياً اذا خصصت منافعه لجهة بر ابتداء ، ويكون ذرياً اذا خصصت منافعه لشخص ( او أشخاص معينين ) وذرياتهم من بعدهم ، ثم الى جهة من جهات البر عند انقراض الموقوف عليهم )

وفي المغرب الشقيق  عرفت مدونة  الاوقاف  التي صدر بها  الظهير الشريف في 8 ربيع الاول  1431ه الموافق 23 فبراير 2010 م  الوقف في مادتها الأولى  بقولها (  الوقف : هو كل مال حبس أصله  بصفة مؤبدة او مؤقتة ، وخصصت منفعته لفائدة جهة برّ واحسان عامة او خاصة ) .

                 وواضح من مجموع هذه التعاريف أن الوقف له طبيعة خاصة تقوم على حبس العين عن التداول ، وبالتالي لا يجوز فيها أي تصرف يمس هذا الحبس ،مثل التصرف فيها بالبيع او الهبة ، او بأي تصرف آخر يؤثر على ديمومة تمحضها لأن ينفق دخلها ، وما ينتج منها على الجهة الموقوف عليها ، هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى يجب المحافظة على استمرارية تدفق دخلها للجهة الموقوفة عليها ، وإن أي عملية في هذا الاطار يجب أن تكون في المحصلة لمصلحة هذه الجهة وفي إطار ما هو جائز شرعاً .. وهذا أمر تقوم على تقديره الجهة المتولية لإدارة الوقف واستثماره تحت رقابة القضاء الشرعي ، ووفق الأسس والقواعد المقررة في القوانين والأنظمة السارية المفعول ، الملتزمة بأحكام الشريعة ، والتي تعتبر شرط الواقف كشرط الشارع ، مما يوجب مراعاته عند التعامل مع الوقف إدارة واستثماراً.           

        والواقع ان الفقهاء في الأصل قد اختلفوا في ملكية العين الموقوفة على ثلاثة مذاهب..كما أوضحت ذلك في كتابي الملكية في الشريعة الاسلامية[8] :

       المذهب الاول : العين الموقوفة تكون على حكم ملك الله تعالى. وهو الراجح من اقوال الشافعية ، وإليه ذهب ابو يوسف ومحمد والظاهرية ، وهو المختار في مذهب الحنفية ، ورواية عند الحنبلية ، ففي مغني المحتاج : ( الاظهر ان الملك في رقبة الموقوف على معين او جهة ينتقل الى الله تعالى ، وفسر المصنف انتقاله الى الله تعالى بقوله : أي ينفك عن اختصاص الآدمي من ذكر أو أنثى ، وإلا فجميع الموجودات له سبحانه وتعالى في كل الاوقات، قال الامام فيالشامل :(لا يتصور في حق العباد ملك الرقاب ، وإن أطلق توسعاً فالملك في الحقيقة هو لله تعالى )[9] .

          والملكية لله تعالى لا تعني انها ملك لبيت المال [10] ، انما هي نوع من الملكية العامة ، كما بينت عند الحديث عن صور الملكية العامة في الشريعة الاسلامية في كتابي الملكية في الشريعة الاسلامية في الباب الأول الفصل الرابع منه

         المذهب الثاني : العين الموقوفة تكون ملكيتها ثابتة للواقف ، وهو مذهب المالكية ، و ابي حنيفة خلافا للصاحبين ، وقول للشافعية ، ورواية عند الحنبلية ، والراجح عند الإمامية ، ورجحها الكمال من الحنفية. لذلك عرفوا الوقف بأنه : حبس العين على ملك الواقف ، والتصدق بالمنفعة. واضاف ابو حنيفة ان الوقف غير لازم الا اذا توافرت شروط معينة.

       المذهب الثالث : العين الموقوفة تكون ملكيتها للموقوف عليهم،وهو مشهور رأي الحنبلية،وقول للشافعية. والموقوف عليهم في الوقف الخيري غير معينين بأشخاصهم ، ولا يكونون معينين الا في الوقف الذري[11] .

       وجاء في الذخيرة للقرافي من كتب المالكية  : ((تأثير الوقف بطلان اختصاص المالك بالمنفعة‘ونقلها للموقوف عليه ، وسلب أهلية التصرف في الرقبة بالإتلاف والنقل للغير،والرقبة على ملك الواقف. وقال الشافعي وأحمد : يبطل ملك الواقف ، ثم اختلفا،قول الشافعي في مشهوره ؛ ينقله لله تعالى ،لأنه قربة كالعتق ، وقال أحمد:ينقله للموقوف عليه ، كالهبة))[12]

          والملكية التي قال بها الفقهاء للواقف أو للموقوف عليهم هي ملكية مقيدة لا تجيز لهم التصرف في الاعيان الموقوفة بالبيع أو الهبة.        

        وقد رجح كثير من العلماء المذهب الاول باعتبار ان الوقف إزالة للملك على وجه القربة يمنع التصرف فيه بعد هذه الإزالة ، إلا عند الفقهاء الذين قالوا بعدم  لزوم الوقف ، (ومن المعلوم ان الرأي الراجح لزوم الوقف ) فأجازوا للواقف الرجوع عنه ، وعند ذلك يجوز بيعه أو التصرف فيه ، لأنه لو كانت العين الموقوفة مملوكة للواقف أو الموقوف عليه لجاز لهم التصرف فيها ، ولما كان هذا التصرف ممنوعاً ، فدل ذلك على عدم وجود الملكية ، لأن الملكية تستلزم جواز التصرف .

       ويؤكد هذا أن العين الموقوفة عند وفاة الواقف لا تنتقل الى الورثة ، بل يظل حكم الوقف مشابهاً تماماً لحكمه قبل الوفاة .. مما يعني عدم وجود ملكية للواقف أو الموقوف عليهم ، وإلا لانتقلت منهم للورثة .

          والذي دفع الفقهاء الذين قالوا بملكية الواقف أو الموقوف عليه للعين الموقوفة ضمن شروط معينة هو الحرص على تمييز الوقف عن  السائبة ، باعتبار أن الوقف ليس فيه اسقاط للملكية ، إنما ابقاء لها على حكم ملك الواقف ، أو نقلاً لها للجهة الموقوف عليها .

       وأما المذهب الراجح فيكون الأمر فيه من باب نقل الملكية الى حكم ملك الله تعالى ، وحبسها على ذلك حتى لا يجوز التصرف فيها ، أو هو تصور فقهي يقوم على افتراض جهة مالكة يمكن التعبير عنها ، كما يرى كثير من الفقهاء المعاصرين بالشخصية الحكمية للوقف ، وهي التي عبر عنها الفقهاء القدماء بحبس العين على حكم ملك الله تعالى ... والا فمن المعلوم أن كل الاشياء لله تعالى .

       واما مذاهب العلماء في وقف المنقول فقد اختلفوا في ذلك الى ثلاثة مذاهب[13]

كما يلي :

          المذهب الاول :  منع وقف المنقول أيا كان ، وقصر الوقف على العقار وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ، وحجته  في ذلك أن ما جرى عليه السلف هو وقف العقار،وان مقتضى الوقف التأبيد ، ولا  يتصور ذلك في المنقول.

         المذهب الثاني : هو مذهب الصاحبين وابن حزم ، ويقوم على أن الاصل وقف الارض والعقار ؛ لكنهم اجازوا بعض صور وقف المنقول اذا كان  تابعاً للأرض أو للعقار ، مثل وقف ضيعة ببقرها وشجرها باعتبار أن ما لا يصح قصداً قد يصح تبعاً ، ويغتفر في التوابع ما لا يغتفر في أصولها ، أو لغرض هام كالجهاد مثل وقف السلاح والخيل والدروع ، و انه قد جاءت بذلك النصوص  كما بينا. وأضاف محمد جواز وقف المنقول اذا جرى به العرف [14] .

          المذهب الثالث : وهو قول جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنبلية فقد أجازوا وقف المنقول ما دام قد جاز الانتفاع به مع بقاء عينه مثل الحيوانات والسلاح والأثاث ، فلا يجوز فقط وقف ما لا ينتفع به الا باستهلاكه ، او لا يدوم الانتفاع به مثل الطعام و الشراب والعطور وغيرها[15] .

         وهذا هو المذهب الراجح في اطار الفهم الواسع لقوله صلى الله عليه وسلم : " اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث : ذكر منها صدقة جارية ،وبخاصة انه قد وردت عدة نصوص بجوازه سوف ابينها بالتفصيل عند استعراض ادلة مشروعية الوقف في المطلب الثاني .

 المطلب الثاني

استعراض اهم ادلة مشروعية الوقف من الكتاب والسنة ،  واهم الاحكام الخاصة بالوقف التي اخذها العلماء منها

    وواضح أن المذاهب الفقهية في هذا المجال قد قامت على ما ورد من نصوص  شرعية في الكتاب والسنة ، والتي استدل بها العلماء على مشروعية الوقف ،وأخذوا منها العديد من أحكامه . ومن أهم هذه النصوص :

1-عموم الآيات الكريمة التي دعت الى الانفاق في سبيل الله والصدقة والبر بدفع الاموال للمحتاجين ، قال تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) آل عمران : 92، وقال سبحانه : ( وما تقدموا لا نفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً ) المزمل : 20  ، وقوله تعالى الذي استهللت به هذا الدرس . والذي يؤكد هذا الاستدلال اعتبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوقف من صور التطبيق لبعضها ، كما يظهر من الاحاديث القادمة .

2- الاحاديث الشريفة ، ومنها:

أ- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اذا مات العبد انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية ، او علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )[16] ، فالوقف هو الصدقة الجارية.

        ب- عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أصاب عمر بخيبر أرضاً ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصبت أرضاًلم أصب مالاً قط أنفس منه ، فكيف تأمرني به ؟ فقال : ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) فتصدق بها عمر : أنه لا يباع أصلها ، ولا يوهب ، ولا يورث ، في الفقراء ، والقربى ، والرقاب ، وفي سبيل الله ، والضيف ، وابن السبيل ، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، او يطعم صديقاً غير متمول فيه ، قال : فحدثت به ابن سيرين فقال : غير متأثل مالاً [17] .

  ج - واخرج البخاري ومسلم عن اسحاق بن ابي طلحة ، انه سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة أكثر الانصار بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب امواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله علي وسلم يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) آل عمران :92 ، جاء ابو طلحة الى رسول صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )، وإن احب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله ، أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه[18] .

د- روى ثمامة بن حزن قال : شهدت الدار (وقت الاعتداء على عثمان بن عفان رضى الله عنه في داره ) حيث أشرف عليهم عثمان فقال : أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدَم المَديِنَةَ وَلَيْس ِ بها ماءُ يُستَعْذَبُ  غَيْرَبِئْرِ رُومَةَ ؟ فَقال : ( مَنْ يَشْتَرِى بْئرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ فِيها دَلْوَهُ مَعَ دِلاءِ الُمسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْها فىِ الجَنَّةِ؟ فاشْتَرَيْتُها مِنْ صُلْبِ مالى)[19].

ه-ما ثبت ان النبي صلى الله علية وسلم قد وقف في سبيل الله ويدل على ذلك:

       1- ما اخرجه البخاري وغيره عن عمر بن الحارث ابن المصطلق انه قال : ماترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بغلته البيضاء وسلاحه ، وارضاً تركها صدقة[20].

 2- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا نورث ، ما تركناه صدقة)[21].  

         وقد ورد في وقف المنقول :

1.   ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال : ( من احتبس فرساً في سبيل الله ، إيمانا بالله ، وتصديقاً بوعده فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات )[22].

2.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق خالد بن الوليد :((وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً ؛ فقد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله)) [23].

3.  وروى ابن عباس رضي الله عنه قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ، فقالت امرأة لزوجها : أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما عندي ما أحجك عليه ،قالت :أحجني على جملك فلان ،قال : ذلك حبيس في سبيل الله عز وجل ،فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله ، وإنها سألتني الحج معك ، قالت : أحجني مع رسول الله ، فقلت : ما عندي ما أحجك عليه ، فقالت : أحجني على جملك فلان ، فقلت : ذلك حبيس في سبيل الله ،فقال (( أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله )) [24] فقد اقره الرسول صلى الله عليه وسلم على تحبيس جمله ، وهو من المنقول.        

     وعلى ضوء ذلك وقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،قال جابر : لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف ، ومن ذلك وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسهمه في خيبر ، فعن ابن عمر قال : قال عمر للنبي صلى الله وسلم : (( إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالاً قط أحب إلي منها قد أردت ان أتصدق بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( احبس اصلها وسبل ثمرتها )) [25].

         وقد أفرد الفقهاء للوقف باباً في كتبهم وأخذوا كثيراً من أحكام الوقف من هذه النصوص ، بالإضافة إلى مصادر الاجتهاد الأخرى ؛ أشير الى أهمها فيما يلي:    

  • وجوب أن تصرف غلته في جهات البر والإحسان والخير التي حددها الواقف. 
  • وجوب أن يحجز من غلته ما يكون من موجبات إدارته وإصلاحه وعمارته بما يضمن استمرار غلته ، من ذلك أجرة الناظر المتولي إذا لم يكن متبرعاً ، ويكون تقديرها للناظر ، أو للقاضي ، ووفق ما هو مستقر في العرف ، وقد تحملت في عدد من الدول نفقات ادارة الأوقاف والإشراف عليها الموازنة العامة للدولة ،  وتركت دخول الأوقاف للموقوف عليهم ، كما في الاردن مثلاً تشجيعا للوقف وحثا عليه.                  
  • يجب أن يكون الواقف جائز التصرف شرعاً.
  •  و أن تكون العين الموقوفة مملوكة له ملكاً تاماً.
  •  وأن تكون معينة يصح الانتفاع بها مع بقاء أصلها ، فلا يجوز وقف ما يكون الانتفاع به بإتلافه.
  •  وأن يكون الوقف على جهة خيرية يصح تملكها ، فلا يصح وقف ما يكون على محرم أو مكروه.
  • كما يجب أن يكون الوقف على معلوم معين ، فلا يصح على مجهول أو مبهم ، لتعذر إيصال النفع إليه.
  • وألا يعلق على مجهول ، فيجب أن يكون ناجزاً أو معلقاً على معلوم مثل موت صاحبه ، فعندها يأخذ أحكام الوصية فلا ينفذ إلا بقدر الثلث.
  • ولا يجوز اإلى وارث ، وألا يكون فيه ظلم أو أثم ، كأن يوقف على بعض ورثته دون بعض ، قال تعالى :  ( فمن خاف من موصٍ جنفا أو إثما فأصلح بينهما فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) البقرة : 182.
  • وشرط الواقف كشرط الشارع من حيث الفهم والاستدلال من ناحية   ، ومن ناحية أخرى من حيث التنفيذ له ، إلا إذا كان مخالفاً للشريعة ، فلا ينفذ شرط الواقف.
  • والنظارة على الوقف تكون للواقف أو من يراه حال حياته أو بعد وفاته ، وإلا فتكون للحاكم الشرعي بشروط أساسها الأمانة والتقوى والكفاءة. 
  • وقد بين العلماء أن القاضي له سلطة المتابعة والمراقبة لسلوك النظار ، وله حق تغييرهم إذا لم يكونوا أهلاً لذلك ، وله اجازة كثير من تصرفاتهم في الاستبدال والإجارة الطويلة. 

      وقد عالج القانون المدني الاردني المستمد من احكام الفقه الاسلامي الكثير من احكام الوقف ، وهو أمر يؤكد  رحابة المجالات للتطوير في ميادين الادارة وصيغ الاستثمار والتنمية ، حيث أن هذا الامر متروك للجهات المسؤولة في المجتمع عن هذه القطاعات ، والتي يجب عليها ان تبذل كل جهد ممكن لرعايتها ، وإتقان ادارتها ، وتحقيق افضل النتائج لها في اطار رسالة الوقف وأهدافه العظيمة .

وفي المملكة المغربية الشقيقة صدر بالاحكام المنظمة لشؤون الوقف  مدونة الوقف بموجب الظهير الشريف الذي صدر عن جلالتكم  سنة 2010 والذي اشرت اليه سابقا . وقد ذكر مطلعه الاسباب الموجبة لصدوره  مبينا ان ذلك قد كان بهدف العناية بالاوقاف وحمايتها، ووعيا على أهميتها ودورها الطليعي باعتبارها ثروة وطنية  ، وعنصرا فاعلا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ، وبهدف تأطيره تأطيرا قانونيا حديثا يمكنه من مواكبة التحولات الشاملة التي تعرفها البلاد المغربية ، ويراعي الخصوصية المستمدة من أحكام الفقه الاسلامي . ثم بين الظهير بعد ذلك أن هذا الاصدار  للمدونة هو لجمع الاحكام  المتناثرة  للوقف  ، ولحسم التضارب في أموره  ، واعادة  تنظيم احكامه القانونية  شكلا ومضمونا   ( بما يضمن تقيدها  باحكام الفقه الاسلامي ، ويضفي عليها طابعا عصريا متميزا  ) 

المطلب الثالث

التعريف بالنقود ومذاهب العلماء في وقفها وبيان أهميته وموجهات تنظيمه          

          معنى النقود في اللغة والاصطلاح : النقد لغة خلاف النسيئة ، وهو يعني ابراز الشيء وإظهاره ، ونقده أياها أعطاها أياها ، لأنه يبرز حاله ويكشفها بهذا الاعطاء ، وأطلق على ما يعطي من الثمن معجلاً من الدراهم والدنانير[26].

          والنقود في الاصطلاح أدوات مالية أستعملت لتيسير التبادل بين الناس سلعاً وخدمات ، فاعتبرت معياراً يحتكم إليه في تقويم الاشياء  والمنافع والجهود من أجل تيسير تبادلها ، والتعامل فيها بين الناس ، وتسهيل ادخارها .. فعرفوها بأنها ما اتخذه الناس وسيطاً للتبادل ، ومخزناً للقيم ، ومقياساً للاسعار [27] ، واصل مدارها قد استقر على الذهب والفضة قروناً طويلة حتى ظهرت النقود الورقية ، والذي كان اصل اعتبارها ما تمثله من ذهب حتى سنة 1963 م[28] ، حيث رفعت الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة الذهب لاعتبار النقود اعتماداً على الثقة في اقتصاد الدولة ، وحذت حذوها دول كثيرة ..  وأمام التذبذب الواضح في أسعار العملات يلح كثير من الاقتصاديين على اعادة الاعتبار لقاعدة الذهب او سلة العملات ، لتحقيق التوزان والاستقرار في اسعار العملات ، نظراً لما يسببه ذلك من أزمات اقتصادية خطيرة ، ويلاحظ هنا عند استخدام الذهب والفضة في التبادل فإن قيمتها في ذاتها ، أما عند استخدام الاوراق النقدية فالقيمة تكون بالاعتبار مما يجعل سعرها متفاوتاً ومتقلباً   وعلى هذا سار مجمع الفقه الاسلامي الدولي باعتبار العملة الورقية نقداً اعتبارياً له صفة الثمنية كاملة ، ولها الاحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها[29]..

          وقد جاء في قرار مجمع الفقه الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في سنة 1402 هجرية .) يُعد الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته ، كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان ، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة.. إلى أن قال:  وهذا يقتضي ما يلي :

  • إنه لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقًا.
  • كما لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلا سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد..
  • وأنه يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا إذا كان ذلك يدًا بيد ، وأنه تجب فيه الزكاة إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.

 وأنه يجوز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم والشركات ونحوها)  .مذاهب العلماء في وقف النقود:

   ونستطيع ان بين خلاصة ما ذهبت اليه المذاهب الاربعة في وقف النقود كما يلي:

أ-ذهبت الحنفية في الراجح ، والمالكية في المذهب ، وقول عند الشافعية ، وقول عند الحنبلية .. الى جواز وقف الدراهم والدنانير ، اذا وقفت للسلف ورد البدل (  للقرض الحسن ) واعتبروا ان رد البدل قائم مقام بقاء العين ....اما وقفه مع اشتراط بقاء(.عينها فلا يجوز ، واجازو ايضاً وقف الدارهم والدنانير بدفعها مضاربة،وما خرج من الربح يتصدق به في الجهة التي وقف عليها.                                                     

ب- ومنع وقف النقود الحنبلية في المذهب ، والشافعية في الراجح ،وقول عند الحنفية،لان الوقف تحبيس الاصل ،وتسبيل المنفعة ، ومالا ينتفع به الا بإتلافه لا يصح فيه ذلك. وهنالك قول عند المالكية  بالكراهة فقط[31].

        وقد بين العلماء أن القاعدة الاساسية المعتمدة في ما يجوز وقفه من الاموال هي أن : ( كل ما أمكن الانتفاع به مع بقاء أصله ويجوز بيعه ، يجوز وقفه) [32].

       وقد بين العلماء أن الاموال بهذا الصدد ؛ عروض يقصد الانتفاع بأعيانها ، ونقود هي وسيلة إلى تحقيق المقصود من حيث الانتفاع بقيمتها دون ذات أعيانها .

          يقول ابن رشد في بداية المجتهد : ( المقصود من النقود المعاملة أولاً ، لا الانتفاع بأعيانها ، أما المقصود من العروض فهو الانتفاع أولاً ، لا المعاملة ، وأعني بالمعاملة كونها ثمناُ )[33].

          كما بين العلماء أن من  العروض ما يتحقق الانتفاع بها بإستهلاك عينها ، وهي السلع الاستهلاكية. والعروض التي ينتفع بها دون استهلاكها نوعان عروض ثابتة وعروض منقولة ، والثابتة مثل العقارات بما يشمل الأراضي والمباني ، والمنقولة مثل المصاحف و الاواني ...[34].

         والذين ذهبوا الى عدم جواز وقف النقود لاحظوا أن النقود مما يستهلك ، بمعنى أن التصرف فيها يخرجها من الملك فلا تعود موقوفة ، ولم يتصوروا الانتفاع بها مع بقاء العين الموقوفة ، فدوام الانتفاع بالعين الموقوفة غير متحقق فيها ، فالنقد يتلف بالانتفاع بها ، فلا يعود مستفاداً منه لذاته ، بل بما اشترى به. بالإضافة الى سهولة الاعتداء عليه .

ولكن مع تطور الحياة الاقتصادية ، وقيام المؤسسات والصناديق المالية  بات من الواضح تصور بقاء النقود بقيمتها ، وليس بأعيانها ، وتحقيق الارباح من استثمارها مع المحافظة على رأس المال ، بل واستخدامه في عمليات استثمارية متلاحقة تدر دخلاً مناسباً مع بقاء رأس المال النامي .

          وقد لاحظت أن الراجح من أقوال الفقهاء جواز وقف المنقول مادام أنه يمكن الافادة منه مع بقاء عينه. وهذا متصور بشكل واضح في النقود فيمكن الافادة من وقفها مع بقاء قيمتها ، الا اذا اشترط في وقفها المحافظة على بقاء اعيانها ؛ فعند ذلك لا يجوز مثل هذا الوقف ، اذ لا فائدة منه ، وفيه تعطيل للمال ، ومنع له من أن يؤدي دوره في حركة الاقتصاد والتنمية .

           ويلاحظ أن بعض الباحثين يذكرون النقود مع الاسهم عند بحثهم في هذه القضايا ، والواقع ان طبيعة كل منهما مختلفة عن الآخر ؛ فالنقود هي ادوات لقياس قيم السلع والخدمات ، أما الاسهم فهي عبارة عن مشاركات في ملكية شركة بأصولها ورأس مالها ، وما تقوم به من أعمال تدر دخلاً . ومن استخدامات النقد المشاركة في الشركات المساهمة او شراء الاسهم .  

       ووقف النقود فيه مرونة كبيرة في امكانية تنويع الاستثمار ، مما يمكن من تحقيق الارباح والدخول العالية ، والتي تغطي آفاق الحاجات العامة وجهات النفع العام ،ويمكن من خلال مقدار يسير يوقفه الشخص بالإضافة الى اشخاص آخرين ان تتكون وقفية نقدية كبيرة او صناديق وقفية كبيرة ، ومتنوعة مما يسهل قيام هذه الوقفيات بواجباتها ، بالاضافة لدور ذلك الكبير في تحقيق التنمية الاقتصادية  في المجتمع .

          ومن هنا تأتي أهمية العناية بتأصيلها ، والتعريف بها والاستفادة من امكانياتها العظيمة ، وذلك من خلال البحوث والدراسات والندوات والمؤتمرات والمجامع الفقهية ومجالس الفتوى.

          وقد اهتم بها الدارسون والباحثون فعقدت لها ولغيرها من قضايا الوقف المؤتمرات مثل المؤتمر الثاني للوقف والذي عقد في جامعة أم القرى سنة 1427 هجرية الموافق 2006 م . واهتم بها مجمع الفقه الاسلامي الدولي في دوراته الثانية عشرة[35] والثالثة عشرة[36] و الخامسة عشرة[37] .

  وقد جاء في قرار المجمع:

1- وقف النقود جائز شرعاً ، لأن المقصد الشرعي من الوقف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة متحقق فيها؛ولأن النقود لا تتعين بالتعيين،وإنما تقوم أبدالها مقامها.

2- يجوز وقف النقود للقرض الحسن ، وللاستثمار إما بطريق مباشر،أو بمشاركة عدد من الواقفين في صندوق واحد ، أو عن طريق إصدار أسهم نقدية وقفية تشجيعاً على الوقف،وتحقيقاً للمشاركة الجماعية فيه.

3-إذا استثمر المال النقدي الموقوف في أعيان ؛ كأن يشتري الناظر به عقاراً أو يستصنع به مصنوعاً ، فإن تلك الأصول والأعيان لا تكون وقفاً بعينها مكان النقد ، بل يجوز بيعها لاستمرار الاستثمار ، ويكون الوقف هو أصل المبلغ النقدي[38].

       وقد كتب الفقيه الحنفي المفسر المشهور مفتي السلطنة ابو السعود محمد بن محمد العماوي المتوفي سنة 952 هجرية رسالة في جواز وقف النقود حققهاوعلق عليها ابو الاشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني سنة 1983 ، ونشرتها دار ابن حزم للطباعة والنشر في لبنان سنة 1417 هجرية الموافق 1997 م ... ولقد تبنى فيها المصنف الراجح من مذهب أبي حنيفة ، وهو القول بالجواز ، وهو الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الشيباني .

        وبين ابو السعود بعد أن استعرض العديد من أقوال الحنفية في جواز وقف المنقول اذا جرى به عرف وفق ما تبناه الامام محمد بن حسن الشيباني قائلا ( ان قلت : كيف يدخل محل النزاع ، أعني النقود ، تحت اسم المنقول ، ولها اسم خاص      

بها يمتاز عن الاعيان المنقولة حتى يندرج تحت عموم العبارة المذكورة ، قلت : لا شك في انها داخله تحته لغة وهو ظاهر ، واختصاصها عرفاً او شرعاً باسم خاص بها عند استعمالها في مقابلة الاعيان لا ينافي دخولها تحته ، وفق الاطلاق عرفاً او شرعاً. ثم اخذ يستدل على ما ذهب إليه[39].

     واوضح ما ذهب اليه بقوله ( قلت : نزل بقاء امثالها منزلة بقاء اعيانها ، وبذلك تم صدق التعريف ( تعريف الوقف وترتب الاحكام عليه) ثم بين ان وقف النقود يشمل وقفها لتقرض للفقراء ، او تدفع مضاربة ويتصدق بالربح. ثم قال فكأنه يشير بصورة الاقراض الى انتفاع الفقير بعين الوقف ، وبصورة المضاربة الى للانتفاع بغلته [40].

          وذكر عن البزازية وهو كتاب اسمه الجامع الوجيز لمحمد بن محمد البزازي الكردرى (الحنفي)المتوفى سنة 827 هجرية من قول الحنفية : وقف الدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات غير مقيد بقيد التعارف[41] وقد رفض ابو السعود هذا الاطلاق ، وقال : فالقول بالجواز على الاطلاق خارج اصول ائمتنا[42] .

وفيما يلي استعراض للعديد من اقوال العلماء  المؤيدة لجواز وقف النقود:

1.   عقد الامام البخاري المتوفى سنة 256 هجرية في صحيحه  بابا بعنوان وقف الدواب والكراع والعروض والصامت(وهو ضد الناطق ، والمراد به من النقد الذهب والفضة)[43]وذكر فيه ان الزهري (التابعي المعروف المتوفي سنة 121 هجرية) قال : فيمن جعل الف دينار في سبيل الله ، ودفعها الى غلام له تاجر يتجر بها ، وجعل ربحه صدقه للمساكين و الاقربين ،هل للرجل أن ياكل من ربح تلك الالف شيئاً ، وان لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين. قال:ليس له أن ياكل منها[44]. فهو يدل على اقرار الزهرى لوقف النقود.       

2.   ذكر صاحب الفتح القدير الكمال بن الهام ان محمداً الانصاري ، وكان من اصحاب زفر قد سئل فيمن وقف الدراهم او الطعام او ما يكال او يوزن أيجوز ذلك ؟ قال : نعم ، قيل كيف ؟ قال : يدفع الدراهم مضاربة ، ثم يتصدق بها في الوجه الذي وقف عليه[45] .

3.   وجاء عن أحمد كما ذكر ابن تيمية ما يشير الى ان  وقف النقود صحيح حيث نقل الميموني عنه : ان الدراهم إذا كانت موقوفة على أهل بيته ففيها الصدقة ( الوقف الذُري) ، وإذا كانت موقوفة على المساكين فليس فيها صدقة (الوقف الخيري). قلت : رجل وقف الف درهم في سبيل الله؟ قال : ان كانت للمساكين فليس فيها شئ . قلت : فإن وقفها في الكراع  والسلاح قال:هذه مسألة لبس و اشتباه ، ووجه ذلك انه قد يعينه لقوم بعينهم  مثل اولاده ، فعليهم  الزكاة ، بخلاف ما لو تركه عاماً فلا زكاة فيه.

4.   قال ابو البركات : وظاهر هذا جواز وقف الاثمان  لغرض القرض أو التنمية والتصدق بالربح كما قد حكينا عن مالك و الأنصارى.وقال:ومذهب مالك صحة وقف الأثمان للقرض.وقال محمد بن عبد الله الأنصارى:يجوز وقف الدنانير؛لأنه لا ينتفع بها الا باستهلاك عينها ، وتدفع مضاربة ،ويصرف ربحها في مصرف الوقف ثم قال : وهذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد ، و كثيرٌ من اصحابه منعوا  وقف الدراهم والدنانير[46].

5.   وفي حاشية ابن عابدين بيان وافى عن هذا الموضوع حيث يقول:ولما جرى التعامل في زماننا في البلاد الرومية وغيرها في وقف الدراهم والدنانير

 دخلت تحت قول محمد المفتى به في وقف كل منقول فيه تعامل كما لا يخفى ؛ فلا يحتج على هذا إلى تخصيص القول بجواز وقفها بمذهب الإمام زفر من رواية الأنصارى ، والله تعالى أعلم ، وقد أفتى مولانا صاحب البحر بجواز وقفها ولم يحك خلافا[47].

       ثم قال: ( قلت : إن الدراهم لا تتعين بالتعيين ، فهى وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها ؛ لكن بدلها قائم مقامها لعدم تعينها ، فكأنها باقية ، ولاشك في كونها من المنقول،فحيث جرى فيها تعامل دخلت فيما أجازه محمد ، ولهذا لما مثل محمد بأشياء جرى فيها التعامل في زمانه قال في الفتح: إن بعض المشايخ زادوا أشياء من المنقول على ماذكره محمد لما رأوا جريان التعامل فيها، وذكر منها مسألة البقرة  الآتية ومسألة الدراهم والمكيل[48].

6.    قال المطيعي : ( وقد أختلف أصحابنا في الدراهم والدنانير ؛ فمن قال بجواز أن تكون لها ثمرة دائمة كالإجارة أجاز وقفها، ومن قال بعدم جواز الإجارة‘قال بعدم جواز الوقف فيها ، لأن تلك المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له الأثمان ، ولهذا لا تضمن في الغصب فلم يجز الوقف له ، وأجاز الأصحاب وقف الدراهم والدنانير حلياً وللعارية لما روى نافع قال :ابتاعت حفصة حليا بعشرين ألفا فحبسته عاى نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته ، رواه الخلال بإسناده ، ولأنه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائما فصح وقفها كالعقار ، ولانه يصح تحبيس أصلها وتسبيل الثمرة فصح وقفها كالعقار،وإلى هذا ذهب أصحاب أحمد.

( وروى عن أحمد أنه لا يصح وقفها ، وأنكر الحديث عن حفصة في وقفها ، وذكره ابن أبى موسى ، ووجه هذه الرواية أن التحلى ليس هو المقصود الأصلى من الأثمان ؛ فلم يصح وقفها عليه ، كما لو وقف الدنانير والدراهم.

( قال ابن قدامة : والأول هو المذهب ، والتحلى من المقاصد المهمة والعادة جاريه به ، وقد اعتبره الشرع في إسقاط الزكاة عن متخذه وجوز إجارته لذلك ، وبفارق الدراهم و الدنانير ، فان العادة لم تجر بالتحلى به ، ولا اعتبره الشرع في اسقاط  زكاته ولا ضمان نفعه في الغصب بخلاف مسألتنا)[49].     

7.   وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عن حكم وقف النقود للقرض فأجاب : صورة وقف النقود للقرض ان يتبرع واحد او اكثر بنقود ورقية او غيرها ، وتحفظ في مكان كأحد المصارف الإسلامية ، او عند شخص مؤتمن فتجعل وقفاً عاماً او خاصاً لمن يحتاج ان يستقرض ، كوقف على قبيلة الواقف او اسرته او اهل بلده ، ونرى ان هذا لا مانع منه ، بحيث يصرف للمستقرض عند الحاجة ، ويلتزم بردها في الوقت الذي يحدد له ، سواء بردها دفعة او دفعات ، وقد اعتبر الشيخ مثالاً على ذلك بنك التسليف الذي جعلته الحكومة(في المملكة العربية السعودية) لمساعدة المتزوجين بقروض تدفع لهم ، ثم يقومواً بسدادها على اقساط خفيفه وكذلك مثل على ذلك بمشروع مساعدة الراغبين في الزواج بجدة.

ثم قال في نهاية اجابته : (ويستحسن اذا كان هذا الوقف كثيراً ان ينمى ، ويجعل عند من يتجر به  حتى يكون من ربحه ما يساعد به بعض المعوزين الذين لا يستطيعون رد القرض)[50]...

8.   وقد نص قانون الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية  في المادة (3) الفقرة (1) ان الاموال الوقفية تشمل الاراضي و والعقارات و الاموال المنقولة وغير المنقولة الموقوفة على جهة بر لا تنقطع ابتداءً أو انتهاء.

        ويشمل النص على الاموال المنقوله النقود ، وهو ما اكدته المادة (27) الفقرة  (1) حيث نصت على (تقوم المؤسسة باستثمار الأموال الوقفية المنقولة وغير المنقولة بما يحقق مصلحة الوقف بما في ذلك الاستثمار في العقارات غير الوقفية شراءً وبيعاً من الأموال الوقفية المنقولة) . ومن أهم ما يتعرض له هذا الوقف من مخاطر تغير قيمة العملة وتقلبات اسعارها بإنخفاض قوتها الشرائية ، وسهولة تعرضها للسرقة و الأختلاس .

        وقد اقترح بعض الباحثين مثل الدكتور ناصر بن عبد الله الميمان في بحثه بعنوان : "" وقف النقود و الاوراق المالية واحكامها " لمواجهة هذه المخاطر تكوين مخصصات لمواجهة تغير النقد ، وكذلك بإستبداله بعقار هروباً من تقلبات العملة[51]. واستثمار الاوقاف النقدية يجب أن يقوم على دراسات الجدوى الاقتصادية الجادة ، وعلى تنويع الاستثمار لتلافي الوقوع في الخسارة قدر الامكان ، كما انه يجب أن يناط بالمختصين الذين يعرفون كيفية التعامل في مجالات الاستثمار . 

المطلب الرابع

صور عملية للوقف بعامة و لوقف النقود بخاصة            

غطى الوقف الإسلامي عبر تاريخه الطويل آفاقاً واسعة من اعمال الخير وجهات النفع العام  شملت المساجد ودور القرآن الكريم والمدارس ومعاهد العلم والمستشفيات والربط وانواع من الحاجات الاجتماعية المتنوعة تجعله مؤسسة عطاء متميز يلمس بمعالجاته كل حاجات المجتمع على المستوى الفردي و الجماعي.

ونذكر فيما يلي انواعاً من هذه الوقفيات :

 لا حظنا في الاستدلال على مشروعية الوقف كيف ذكرت انواع من الأوقاف شملت وقف الآبار و الحدائق الزراعية .. وان العبارات المستخدمة في الادلة  تشمل كل ما يمكن تصوره من انواع العطاء الاجتماعي في ظلال الحديث الشريف : إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث وذكر منها((الصدقة الجارية))وتتنوع الأوقاف بتنوع مجالاتها وجهات الصرف عليها من هذه الأوقاف  وقد شملت مجال الرفق بالحيوان الذي قدمت فيه الشريعة عناية خاصة بنصوص شرعية واضحة ليس هنا مجال لاستعراضها[52] ، ولكن نذكر منها ما يتعلق بالوقف فقد كان في دمشق  ، كما يظهر ثبت الأوقاف القديمة ، أوقاف لتطبيب الحيوانات المريضة ، واخرى لرعاية الحيوانات المسنة ؛ ومنها وقف المربع الأخضر فقد وقف على الخيول العاجزة التي لا ينفق عليها اصحابها لعدم انتفاعهم بها ، وقد كان في دمشق وقف للقطط الكبيرة في السن والتي اهملها اهلها بعد ان كبرت فقد كان هنالك في وسط دمشق بيت لرعايتها تعيش فيه مئات القطط الكبيرة في السن [53].

      و اذا استعرضنا انواعاً من الوقف الذي عرفته الحضارة الإسلامية في مختلف بلاد المسلمين ؛  فاننا نجد ان هذه الأوقاف قد غطت آفاقاً واسعة من  جهات الخير والنفع العام ، وجهات البر المتعددة  ؛ مما يؤكد الدور الاجتماعي الفاعل لهذه المؤسسة  الإسلامية الكبرى ، ويكفي أن نشير إلى نماذج من ذلك هنا وهناك في بلاد المسلمين غطت حاجات أساسية من حاجات المجتمع شملت : وقف الخبز المجاني ، ووقف الثياب ،  ووقف الحليب ، ووقف وفاء الديون ،  ووقف تبديل الاواني المكسورة  ،  ووقف النساء الغاضبات من ازوجهن ،  ووقف ايواء الغرباء ، ووقف تزويج الفقراء ، ووقف زيارة المريض ، ووقف اصلاح ذات البين ، ووقف تكفين الموتى ، كما شمل الوقف مؤسسات ومشروعات كبرى مثل الملاجئ و التكايا والمستشفيات والمدارس و الربط ، ففي الوقف إشباع للعديد من الحاجات،وتحقيق لمعاني التكافل و التراحم في المجتمع ،  ودوره فاعل في تأمين الحاجات الأساسية للفقراء و المساكين من طعام وعلاج وسكن . مما يحقق معاني العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي في المجتمع ، والرعاية الاجتماعية بأوسع انواعها وآثارها .

       وقد دل ذلك على عمق في المشاعر والعواطف التي تفاعلت مع كل حاجات المجتمع ؛ فقدمت صورة مشرقة لمجتمع متكافل متراحم . فلم يترك المحسنون حاجة من الحاجات العامة الا عملوا على انشاء الأوقاف لسدها[54].

      وقد وقف الظاهر بيبرس المتوفى سنة 676 ه ، لأيتام الاجناد ما يقوم بهم ، وكذلك مضفر الدين كوكبوري المتوفى سنة 630 ه ، بنى للقطاء ملجاً زوده بالمرضعات.

      وقد كثرت الدور و الخانات لأبناء السبيل ،  وأوقاف الاسبلة ( مواقع الشرب العامة ) ، وهناك أوقاف على الارامل وأوقاف على تكفين الموتى ، وعلى إعارة الحلي في الاعراس ، وعلى دور الضيافة [55].

      وقد قدمت الحجج الوقفية صوراً مشرقة من التنظيم و الادارة في التعامل مع الاعيان الموقوفة و كيفية التصرف بدخلها ومن اوضح الامثلة على ذلك الحجج الوقفية الخاصة بالمستشفيات(البيمارستانات) مثل وقفية بيمارستان قنصوه الغوري في القاهرة[56] .            

  اما  وقف النقود بخاصة فقد جرى ويجري لغرضين بارزين الاول : لإقراضها لمن يحدد الواقف لفترات محدودة ، ثم يعيد المال المقترض لجهة الوقف ليقرض لغيره وهكذا... فهو مال موقوف للاقراض ، ويجب من ناحية شرعية ان يكون هذا القرض قرضاً حسناً ، أي بدون فوائد ، ولكن هل يجوز اخذ مبالغ محدده من المقترضين بدل إدارة هذا الوقف ، ومتابعة تحصيل القروض ، وغير ذلك مما يحتاج اليه هذا العمل ، فقد أجاز عدد من العلماء المعاصرين ذلك على ان تكون هذه النفقات مرتبطة بالجهد و النفقة  المبذولة ، وليس نسبة مربوطة برأسمال القرض.

      واما الغرض الثاني الذي توقف له النقود فهو استثمارها استثماراً مشروعاً ، ويكون دخلها و عوائدها من ذلك مرصوداً لمنفعة جهة من جهات البر او مصرفاً من مصارف الخير.

 وفيما يلي بيان لبعض الصور التطبقية السابقة والمعاصرة في فرعين:

الفرع الاول

نماذج سابقة لوقف النقود

    وجدت عبر التاريخ الاسلامي نماذج لوقف النقود منها :

1.  يعتبر من اقدم ما ذكر في هذا المجال وقف الآلف دينار التي سئل عنها الزهري كما ورد في صحيح البخاري كما بيناً سابقاً.

2. وذكر بعض الباحثين ان هذا نوع من الوقف برز فجاءة  خلال عام 872 هجري الموافق 1423 م في العاصمة الاوروبية الجديدة للدولة العثمانية  (ادرنه) قبل ان ينتقل بعد ذلك إلى الشرق (الاناضول) ، وذلك بعد فتح القسطنطينيه في عام 1453 م. وقد قامت طبيعة هذا الوقف على وقف النقود ذاتها لكى تشغل قروضاً للتجار والحرفين بفائدة سنوية محددة (10 –   15 % ) على ان يوجه العائد منها للإغراض الخيريه المعروفة (خدمة جوامع،مدارس...... وغيرها) وقد ثار اختلاف واسع حول هذا النوع من الوقف بين العلماء في اسطنبول بين مجيز ومانع[57]، والراجح المنع كما بينا سابقاً.

3. وفي دارسة قدمها موقع (وقفنا) الالكتروني حول انتشار وقف النقود في بلاد الشام بينت أن أقدم وقفية لوقف النقود في دمشق تعود الى 11 شوال 1002 هجري الموافق 1593 م حيث اشترط الواقف لمبلغ من المال ان يقوم المتولى بتشغيلها على شكل قروض بفائدة سنوية قدرها(10%) ، واشترط عليه الا يقدم القروض الا لمن يكون قوياً ذا ملاءة وقادراً ؛ برهن منقولَ وكفيل قادر ، وخصص العائد لجامع الحشر(جامع السنجقدار حديثاً) وقراءة القرآن الكريم فيه.

4. وقد ذكر الباحثون ان سجلات المحاكم الشرعية في القدس تشير إلى وجود بارز لوقف النقود في القدس خلال القرنين العاشر و الحادى عشر للهجرة أي القرنين السادس عشر و السابع عشر الميلادي[58].             

   وقد وصف بعض الباحثين كما ورد على موقع (وقفنا) الالكتروني : ان هذا النوع الجديد بمثابة الاسهام العثماني في الحضارة الإسلامية ، ووصفه بعضهم بأنه ثورة في الفقه المتعلق بالوقف.

ويلاحظ  ان الاقراض من هذا المال كان يتم بالفائدة ، وهو محرم شرعاً .. وهو ما يرجح كفة المانعين كأن استخدام اسلوب الفائدة لازم من لوازمه . وواضح ان الجواب عن ذلك بين ؛ فاستثمار المال ممكن ان يتم بطرق شرعية عديدة .

        كما ورد في السؤال الذي وجه للزهري رضي الله عنه حيث ذكر المضاربة ، وكذلك كما يجري من استثمار للنقود وفق آليات العمل في البنوك والمؤسسات المالية الاسلامية في هذه الايام.

الفرع الثاني

 نماذج معاصرة لوقف النقود

     تتعدد الصور التي يمكن ابتكارها في مجال تطبيق اسلوب وقف النقود الذي تستخدم فيه ارباحها من خلال استثمارها لسد حاجة من حاجات النفع العام أو وجه من وجوه الخير[59] ومن أكثر التطبيقات شيوعاً في هذه الايام:

1.  وقفية صندوق التضامن الاسلامي على مستوى العالم الإسلامي ؛ فبموجب قرار لمؤتمر القمة الاسلامي ومؤتمر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الاسلامي قبل سنوات تم انشاء صندوق للتضامن الاسلامي برأس مال قدرة مئة مليون دولار ؛ اعتبرت وقفية نقدية لتستثمر ، ويكون دخلها في جهات الخير والنفع العام المتعددة في الدول والمجتمعات الإسلامية ، وذلك من خلال مجلس ادارة يتكون من ممثلين لعدد من الدول الاسلامية. وقد دفع من رأس مال هذا الصندوق مبلغ 76.400 مليون دولار تحقق ربحاً من خلال استثمارها في البنك الاسلامي للتنمية يصل الى حوالي اربعة ملايين دولار سنوياً ، بنسبة ربح حوالي 5 % ، تنفق بقرارات من مجلس الادارة على جهات الخير والنفع العام في الدول والمجتمعات الاسلامية.

2.   انشاء الصناديق الوقفية وفقاً للأصول الشرعية المقررة ، في عدد من البلاد ويكون دورها تلقي الاوقاف النقدية ليجري استثمار هذه النقود من خلال الهيئات المتخصصة ، ودخلها ينفق على جهات الخير و النفع العام المتعددة ، وقد توسعت الاوقاف الكويتية في هذا النوع من الصناديق ، و التى تنوعت لتشمل : خدمة القرآن الكريم وعلومه ، ورعاية المساجد ، والتنمية العلمية ، وتنمية المجتمعات المحليه ، والتنميه الصحية ، والتنمية البيئية ،و التنمية الاسرية ، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.

3.   وقد وقف جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بتاريخ 1 ربيع الاول 1433 ه الموافق  24 /1 /2012 م وقفيتين علميتين الاولى باسم الامام الغزالى لكرسى باسم الامام الغزالي في المسجد الاقصى المبارك في القدس الشريف وذلك بالتعاون مع جامعة القدس هناك  ، والثانية باسم الامام الرازى في مسجد الملك الحسين بن طلال في عمان  بالتعاون مع جامعة العلوم الاسلامية العالمية في عمان ورصد حفظه الله تعالى  لكل واحدة منهما مبلغ مليوني دينار اردني .

4.  5.   وقامت بالعمل نفسه الاوقاف السودانية وسمتها  بالمشروعات الوقفية ، وفي دولة قطر سميت بالمصارف الوقفية ، كل مصرف حسب موضوعه[60]. وفي دولة قطر سميت  بالمصارف الوقفية ؛ كل مصرف حسب موضوعه  .

6.   وقد لجأت اليه هيئات الاغاثة الاسلامية  ؛ بالدعوة للتبرع لوقفيات نقدية ، يتم استثمارها ، وتجعل ارباحها في جهات من جهات الخير ، كما تم في مشروع سنابل الخير الذي قامت عليه هيئة الاغاثة الإسلامية العالمية التابعة لرابطة العالم الإسلامي.

7.   واقيمت المؤسسات النقدية الوقفية في كثير من دولنا مثل مؤسسة الشيخ زايد ابن سلطان آل نهيان حيث كانت وقفيته النقدية مليار دولار ينفق ريعه في اوجه الخير العامة ، التي نص عليها نظام المؤسسة ، الذي تابع وضعه الواقف رحمه الله .

8.   وقد بادرت شخصياً بمتابعة وقفيتين نقديتين في المملكة الاردنية الهاشمية

  •  الاولى تجربة صندوق الاسكان في الجامعة الاردنية
  • الثانية تجرية حملة البر والإحسان التابعة للصندوق الهاشمي للتنمية البشرية

       أما التجربة الاولى عندما كنت عضواً في مجلس إدارة صندوق اسكان الجامعة الاردنية حاولت من خلال المجلس تأمين موارد وآليات للحصول على سكن للعاملين في الجامعة غير اسلوب الاقتراض الربوي ، وقد تمكن الصندوق من تحقيق ذلك عندما حصل الصندوق على منحة عراقية بقيمة زادت على ثلاثة ملايين دينار ، تم الاتفاق مع الجانب العراقي على ان يجعل هذا المبلغ وقفية نقدية لا قراض العاملين في الجامعة وفق شروط معينة ، وذلك عن طريق حصول العاملين على تمويل بالقرض الحسن يسدد على اقساط ، وقد قرر مجلس إدارة الصندوق دفع مبالغ نقدية على كل قرض بحيث تتفاوت هذه المبالغ بتفاوت مدد هذه القروض مع حرية الحركة بين الشرائح التي تقررت ابعاداً لشبهة الربا.

9.   اما ما يتعلق بدعم حملة البر و الإحسان بأسلوب الوقفية النقدية فقد تم بمبادرة من الصندوق الاردني الهاشمي للتنمية البشرية الذي يرأس مجلس أمنائه صاحبة السمو الملكي الاميرة بسمة  بنت طلال المعظمة  اعداد حجة وقفية نقدية على اساس التبرع لها من خلال صكوك وقفية محددة الثمن تبدأ بمائة دينار ، و شكلت لجنة برئاستي لاستثمار هذه التبرعات وفقاً لا حكام الشريعة الاسلامية وبحيث ينفق دخل هذا الاستثمار في جهات الخير التي تقوم عليها حملة البر والإحسان.

10.وقريب من هذا اقتراحي الذي تبنته الهيئة الخيرية الاردنية الهاشمية لتأسيس صندوق للقرض الحسن فيها ، وقدمت الهيئة للصندوق مليوني دينار ، بحيث يعطى من هذا المال مبالغ لمساعدة الفقراء بإسلوبين : الأول : تمويل مشروعات انتاجية صغيرة لهم ، والثاني : تمويل منح دراسية للطلبة الفقراء وفقاً لتعليمات اعتمدت لهذه الغاية.

11.وفي وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية قمت بتخصيص حوالي مليوني دينار سنة 2005 م تقوم مؤسسة تنمية اموال الاوقاف باستثمارها بجميع صور الاستثمار المشروعة ، وبحيث ينفق دخلها على البرامج الوقفية الخيرية التي اسستها الوزارة ؛ بموجب قانون الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية لسنة 2001 ، والذي صدر بموجبه نظام البرامج الوقفية الخيرية لسنة 2005 ، وقد شملت البرامج كما نصت المادة(31) من القانون برنامجاً وقفياً للتعليم وآخر للرعاية الصحية وآخر للمساعدات الاجتماعية والرابع لشؤون المساجد والخامس هو عبارة عن برنامج وقفي خيري عام .

12.وقفية الحاج امين مرعي في مؤسسة تنمية اموال الايتام في المملكة الأردنية الهاشمية، فقد تبرع المرحوم بمبلغ 100 الف دينار توضع مع اموال المؤسسة الايتام وبحيث تستثمر وينفق ربحها في الايتام الفقراء وذوي الحاجة وذلك في منتصف الثمانينيات من القرن الماضى وكل عام تنفق المؤسسة ربحها فيما حدده المتبرع . وهذه الصيغة هي صيغة الوقف النقدي.   

13. وقامت في جامعة اليرموك الاردنية وقفية نقدية ثقافية ، تم  من خلالها إنشاء كرسي اكاديمي لتاريخ المسكوكات والحضارة الإسلامية ، وقد صدرت لذلك تعليمات بمقتضى المادة (20) الفقرة (ي)  من قانون جامعة اليرموك رقم (25) لسنة 1985 يقوم تمويله على ريع الوقفية النقدية التي قدمها المحسن سمير شما ، وتتولى الوقفية الانفاق من ريعها على عدة امور حيوية غير انشاء الكرسي منها التعينات ، البحوث ، و البعثات العلمية ، وإصدار مجلة ، وسلسلة علمية ، كما ورد تفصيله في التعليمات الخاصة بذلك .

14. ومن التوصيات العملية التي خرج بها المؤتمر الدولي الذي عقد في الفترة من          

22-26/4/2013 في جاكرتا العاصمة الاندونيسية بعنوان : الاسلام : حضارة وسلام . (في ظلال رسالة عمان ) بالتعاون بين الجهات المعنية في كل من اندونيسيا والأردن انشاء بنوك اسلامية للوقف النقدي ؛ فيكون الايداع فيها  وقفا نقديا  لمصلحة جهات الخير التي يحددها الواقف ؛ فيقوم البنك باستثمار هذه الودائع في كل اوجه الاستثمار التي تقوم بها البنوك الاسلامية ، وربح ذلك ينفق في جهات الخير التي حددها الواقف .

15.  وخير ما نختم فيه هذا البحث أن نذكر تبني  قانون الصندوق الهاشمي لأعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة الوقف بعامة ،  والوقف النقدي بخاصة للاستفادة منها في تمويل أعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة فنصت المادة الخامسة منه الفقرة الثانية على أن للصندوق في سبيل تحقيق أهدافه القيام بتشجيع الوقف الخيري للأموال المنقولة وغير المنقولة ، وإنشاء وقفيات خيرية داخل المملكة وخارجها ، تمول من تبرعات المسلمين لأعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة لسنة 2006م ؛ يصرف ريعها بما يحقق أهداف الصندوق ، ونصت المادة 7 الفقرة الثالثة المخصصة لبيان المهام والصلاحيات التي يتولاها مجلس أمناء الصندوق على ما يلي : إصدار صكوك الوقف الخيري النقدي لصالح الصندوق ووضع البرامج اللازمة لتسويقها ، وتشجيع المسلمين على المشاركة فيها .

وبمناسبة الحديث عن المحافظة على القدس الشريف  ودرتها المسجد الاقصى المبارك لابد ان اذكر بالتقدير و الاشادة انشاءكم صاحب الجلالة  وكالة بيت مال القدس  في اطار رئاستكم الجليلة للجنة القدس المنبثقة عن  منظمة التعاون الإسلامي  ؛  التي تقوم بإعمال كبيرة ومتميزة خدمة للمدينة المقدسة واهلها  ومن اجل المحافظة على هويتها العربية الاسلامية ؛ بدعمكم السخي المستمر ..... فجزاكم الله  يا صاحب الجلالة خيراً عن الاسلام والمسلمين .

وفي الختام أسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفق جلالتكم لما يحبه ويرضاه ، ويأخذ بأيدكم لمزيد من خدمة وطنكم وأمتكم ؛ وأنتم تقودون الركب في بلدكم بحكمة ودراية ، وحرص على تحقيق التقدم والانجاز ؛ على أساس الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، والعلم والايمان ، والمرونة والثبات ، داعيا الله سبحانه ان يحفظكم ، ويحفظ المغرب الشقيق آمنا مستقرا  تعمه كل مظاهر الازدهار والتقدم ... آمين يا رب العرش العظيم ... انه نعم المسؤول والمجيب ......

 والختم والدعاء لصاحب الجلالة والمهابة ....والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


[1]أنظر مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي العدد الثالث عشر : ج 1  ص 533-574  

[2]أنظرمجلة المجمع العدد الثاني عشر : ج1 ص247-267

[3]حاشية قليوبي على شرح المنهاج : ج3 ص97 .

[4]فتح التقدير :5/416،حاشية ابن عابدين:4/336

[5]منح الجليل شرح مختصر خليل:6/18.

[6]المغني لابن قدامة :5/597

[7]الوقف - أبو زهرة : ص5

[8]أنظر كتاب الملكية في الشريعة الاسلامية_د.عبد السلام العبادي:ج1ص 244-245.

[9]أنظر مغني المحتاج، ج2 ص9.

[10]أنظر أبو حنيفة – ابوزهرة: ص414.

[11]أنظر مذاهب العلماء بهذا الصدد: المغني لابن قدامة:ج6 ص4-6، الإشراف على مسائل الخلاف:ج2ص80،جواهر العقود:ج1 ص318’قواعد ابن رجب: ص394 ،الاختيار لتعليل المختار،ج2ص104 ،وأنظر الوقف- أبو زهرة:ص47 ومابعدها،أبوحنيفة_ أبو زهرة:ص412-415 حيث عرض فيها لاختلاف العلماء في رأي أبي حنيفة.

[12]أنظر الذخيرة: ج 6 / ص 19، وأنظر فتح القدير:ج5/  ص37، حاشية الجمل:ج 3 / ص587 ، كشاف القناع : ج2 /  ص448.وانظر الملكية في الشريعة الاسلامية – د.عبدالسلام العبادي : ج 1 ص 207 .

[13]أنظر فتح النقدير: ج5 ص431-432 ،المغنى-لابن قدامه: ج6 ص34، حاشية ابن عابدين: ج4 ص361،الفقه الاسلامي وادالته-الدكتور وهبة الزحيلي: ج8 ص163الى 164.

[14]الاختبار لتعليل المختار: ج3 ص42،المحلى ابن حزم: ج10 ص176.

[15]أنظر رسالة في جواز وقف النقود _ابوالسعود :،ص18 .

[16]أخرجه البخاري في الأدب المفرد ، باب بر الوالدين بعد موتهما ، ص 130 , واخرجه مسلم ، صحيح مسلم بشرح النووي : ج 11/ 85 ص .

[17]أخرجه البخاري ومسلم ، أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان : ج 2 / ص 164 - 165 ، البخاري بشرحه فتح الباري : ج6 / ص328-329 ، ومعنى غير متأثل : غير جامع مالاً ، أنظر لسان العرب : ج 11 / ص 9

[18]أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ، ج 1/ ص 204 - 205  لبخاري بشرحه فتح الباري : ج6 / ص 317 - 325 ، مسلم بشرح النووي: ج7 / ص84 .

[19]أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وذكر الحادثه البخاري في صحيحه .انظر فتح الباري   :  ج 6 ص 336 - 338  : سنن الترمذي : ج 5 / ص583 , سنن النسائي : ج 6/ ص235 , مسند أحمد : ج 1/ص75 , نيل الأوطار للشوكاني : ج 6/ص25   .

[20]أنظر البخاري بشرحه فتح الباري :  ج 6 / ص 415 ،ص 438 ، سنن البيهقي : ج 6 / ص160 .

[21]أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: ج 2/ص 209 - 211 ،وأنظر بالتفصيل نيل الأوطار - الشوكاني : ج 6 / ص 86-88 .

[22]أخرجه أحمد والبخاري والنسائي: صحيح البخاري بشرحه فتح الباري:ج 6/ص397؛النسائي:ج 6 /ص 225 ؛ مسند أحمد:ج 2 / ص 374 ؛ نيل الأوطار : ج6 / ص 29.     

[23]اخرجه البخاري ومسلم , فتح الباري : ج 4/ص75 , صحيح مسلم شرح النووي : ج7/ص 56 .

[24]أخرجه أبو داود وابن خزيمة  : سنن أبي داود : 2/1 صحيح ابن خزيمة : ج 4/ ص361 .

[25]أخرجه النسائي وابن ماجه , نيل الأوطار : ج 6/ص 28.

[26]لسان العرب ج6 / ص425 الصحاح _ الجوهرى : ج2 / ص544.

[27]أنظر النقود وتقلب قيمة العملة - الدكتور محمد سليمان الاشقر ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي :العدد 15  / ج3 / ص1675.

[28]أنظر بحث ، أ.د.عبد الرحمن يسري أحمد بعنوان تدهور القيمة الحقيقية للنقود ومبدأ التعويض المقدم لمجمع الفقه الاسلامي الدولي: العدد12 / ج4 / ص102.

[29]أنظر مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي: العدد 5/ ج3 / ص 2261.

[30]أنظر قرارات مجمع الفقه الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي في دورته الخامس التي عقدة سنة 1402 هجري : ص 101 -  103 ، وأنظر بحث د. احمد بن عبد العزيز الحداد بعنوان وقف النقود واستثمارها، منشور في موقع مركز أبحاث فقه المعملات الاسلامية على شبكة الانترنت ص11-12 .

[31]أنظر الموسوعة الفقهية الكويتية : ج 24 / ص 167 ، المغنى،لابن قدامة : ج 6 / ص 34، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ج 4 / ص 77،المجموع شرح المهذب : ج 14 / ص 577 ، درر الحكام في شرح غرر الاحكام - ملا خسروه: ج 2 / ص 137 .

[32]فتح القدير - الكمال ابن الهمام :ج 5 / ص 431.    

[33]بداية المجتهد ونهاية المقتصد :  ج 1 / ص 251 .. نقلا عن بحث الدكتور محمد عبد الحليم عمر ، الاستثمار في الوقف.. مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي العدد 15 /ج 3 / ص 238.

[34]أنظر بحث : (الاستثمار في الوقف وغلاته وريعة ) ، د. محمد عبد الحليم عمر ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي ، ج 15 / ص 238 .

[35]أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني عشر: ج1 / ص 45 - 317.      

[36]أنظر مجلة مجمع الفقة الإسلامي _ العدد الثالث عشر : ج 1 / ص457 -669.

[37]أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الخامس عشر : ج 3 /  ص 223 - 528.     

[38]أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الخامس عشر : ج3  / ص 527.

 [39]أنظر رسالة في وقف النقود_ابو السعود :  ص 29-30 .                   

[40]المرجع نفسه  : ص 20.

[41]نقلا عن رسالة في وقف النقود ص 19 بين محققها ان هذا الكتاب مطبوع على هامش الفتاوى الهندية ج 1 ص 259.                                                                        

[42]رسالة وقف النقود ص 20 .

[43]فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج 6 / ص 334 .

[44]صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ج 6  ص 334 .

[45]فتح القدير : ج 5 / ص 432

[46]فتاوى ابن تيمية : ج 31 / ص 234.

[47]أنظر حاشية رد المختار _ إبن عابدين : ج 4 / ط 2 / ص 363.

[48]المرجع نفسه : ج 4 / ص 364.

[49]أنظر المجموع  شرح المهذب- محمد نجيب المطيعى ج 14 / ص 577.

[50]أنظر موقع سماحة الشيخ على الشبكة العنكبوتية الفتوى رقم 1059 .

[51]أنظر ملخص بحثه على شبكة الانترنت .

[52]من روائع حضارتنا - د. مصطفى السباعي ص :11- 12 ، ويقع في طليعتها حديث المرأة التي دخلت النار بسبب هرة  حبستها ...والرجل الذي دخل الجنة بسبب كلب سقاه...

[53] المرجع نفسه :  ص 115

[54]أنظر نماذج آجرى على الشبكة الانترنت بحثاً بعنوان : (الوقف في الاسلام ودوره الحضاري) موقع العربي .

[55]أنظر بحث محمد المعصراني  بعنوان : ( اثر الوقف في التكافل الاجتماعي ) ، موقع حملة السكينة للحوار على شبكة الانترنت .

[56]للمزيد أنظر على شبكة الانترنت  الموقع الخاص بالبيمارستانات .

[57]أنظر الوقف الاسلامي : تطوره ، ادارته ، وتنميته ، دكتور منذر قحف ، ص 192 وما بعدها ، وأنظر في ضرورة الاهتمام بالوقف النقدي في هذه الايام ، وأنظر بحث د. شوقي احمد دنيا : الوقف النقدي مدخل لتفعيل دور الدين في حياتنا المعاصرة ،مجلة مجمع الفقه الاسلامي العدد 13 ص511  وما بعدها.

[58]أنظر الدراسة التى اعدها د.محمد الارناؤوط عن تطور وقف النقود في العهد العثماني ص7 وما بعدها

 [59]أنظر عدداً من البحوث المقدمة للمؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام والذي عقد في عمان في الفترة من 17-21 شعبان 1427ه الموافق 10- 14 ايلول سنة 2006م بعنوان : ( الأوقاف في بلاد الشام  منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين) .

[60]المرجع نفسه.

أي دور للمسجد في حياتنا العامة للأستاذ المصطفى زمهنى

نص الدرس الحسني الثالث - الأربعاء 8 رمضان الأبرك 1434 ه -  في موضوع أي دور للمسجد في حياتنا العامة الذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الأستاذ المصطفى زمهني، رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة ".

أمير المؤمنين يترأس اليوم الأربعاء بالرباط الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

   مولاي أمير المومنين وسبط النبي الأمين، حفظكم الله تعالى بما حفظ به الذكر الحكيم، وأبقاكم ذخرا وملاذا لهذه الأمة المباركة، وأعز أمركم وأدام نصركم وجزاكم عن الأمة خير جزاء.

   فأستأذن جنابكم الشريف في تناول موضوع هو من صميم اهتمامكم وعظيم عنايتكم وسمو رعايتكم من خلال ما تبذلونه من جميل سخائكم وكريم أريحيتكم في سبيل خدمته وعمارته.

إنه موضوع المسجد ودوره في حياة الأمة، وسنحاول بسطه انطلاقا من قوله تعالى: )وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا(.

وذلك عبر ثلاثة محاور أساسية، وهي:

المحور الأول: مكانة المسجد في الإسلام؛

المحور الثاني: رسالة المسجد في الإسلام؛

المحور الثالث: جوانب من عمل المغرب في خدمة بيوت الله تعالى من خلال الممارسة الميدانية.

وقبل أن نشرع في هذه المحاور، نقف عند الآية الكريمة منطلق الدرس.

وردت الآية الكريمة في سورة الجن ونزلت بمكة على الأرجح قبل الهجرة بعامين، ومعلوم أن السور المكية تركز على غرس العقيدة الصحيحة في النفوس بإفراد الله تعالى بالعبادة وعدم الإشراك به شيئا. وسورة الجن تبدأ بقوله تعالى : )قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إن سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا(. لذلك قال المفسرون إن فتح أن في قوله و)أن المساجد(معطوف على قوله قل أوحي إلي أنه..." قال بعض المفسرين إذا كان المقصود في هذه الآية هو المسجد الحرام فلأن المشركين كانوا وضعوا فيه الأصنام والأنصاب وجعلوا الصنم هبل على سطح الكعبة. والمعنى قل أوحي إلي أن المساجد لله، وذهب الخليل إلى أن الكلام على حذف لام الجر قبل أن، فالمجرور مقدم على متعلقه للاهتمام، والتقدير: ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا. لأن الله وحده مستحق العبادة في المساجد. والراجح ما ذهب إليه من المفسرين من قال إنه خطاب عام وأن هذا الحكم يجري على كل المساجد. ففي تفسير الطبري عن عكرمة: )وأن المساجد لله(قال: "المساجد كلها". وفي الكشاف للزمخشري قوله: "مع أن المساجد لله لا يُذْكَر فيها إلا الله فإنه تجوز القسمة فيها للأموال، ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم الاشتراك بين المساكين وكل من جاء أكل، ويجوز حبس الغريم فيها، وربط الأسير والنوم فيها وفتح الباب للجار إليها، وإنشاد الشعر فيها إذا عري عن الباطل. والمعنى إفراد المساجد لذكر الله وعدم اتخاذها هزوا ومتجرا ومجلسا ولا طرقا وألا يجعل لغير الله فيها نصيب. 

وإنما نال المسجد هذا التشريف الرباني والاهتمام القرآني لما له من مكانة عظيمة ومنزلة جليلة في ديننا الإسلامي الحنيف كما سنبين ذلك في المحور الأول من هذا الدرس.

 

المحور الأول: مكانة المسجد في الإسلام

المسجد هو الفضاء الذي قام حوله الإسلام دينا ومجتمعا ودولة. فالمقصود به أولا المسجد الحرام بمكة، فقد كان والمسجد الأقصى من الأماكن التي يعبد فيها الله قبل الإسلام، وإن كان قد ورد في بعض الأحاديث أن اسم المسجد أطلق على بعض معابد اليهود والنصارى، وحول المسجد الحرام شاهدت الدعوة المحمدية أطوار التضييق على حرية تبليغها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقيم الصلاة قرب الكعبة، وفي فضائها كان يناقش من يريد دعوتهم إلى الإسلام. وقام المشركون من قريش بطرد المؤمنين منه. واضطر المؤمنون مدة إلى الصلاة في منازلهم جماعة، وبقدر ما ارتبطت الصلاة بفضاءات محددة هي المساجد لغاية تكوين جماعة المؤمنين وتنظيمها، بقدر ما تقرر أن الأرض كلها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مصلى طهورا.

وبعد الهجرة وتوفر الحرية في المدينة كان أول إنشاء أنشأه صلى الله عليه وسلم هو بناء المسجد على أرض اشتراها من يتيمين، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم المسلمون كيف يكون المسجد وكيف يكون السلوك اللائق به وكلها أمور تبين حرمته وقدسيته ابتداء من آداب الدخول إليه وآداب التصرف داخله، فكان هو مصنع الجماعة، جماعة المسجد التي هي نواة الأمة، فالتزام الصلوات الخمس في المسجد صار هو التعبير عن الانتماء إلى الجماعة. وللحض على تقوية ذلك الالتزام تقرر أن ثواب الصلاة في المسجد يفوق ثواب الصلاة في غير المسجد سبعا وعشرين أو خمسا وعشرين مرة. كما كان المسجد في ذلك العهد مقر تأسيس الدولة واشتغالها وتوجيهها.

وجاء القرآن الكريم يبين هذه المكانة التي للمسجد في الإسلام، فشجب عمل المشركين في التضييق على حرية المسلمين في استعمال المسجد في قوله تعالى: )ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها(، سورة البقرة، الآية 113،  ثم وصف هيئة الذين يعمرون المساجد بقوله تعالى: )إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله(، سورة التوبة، الآية 18، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان". ثم ربط القرآن انتشار الدين وقيام أركانه بالمساجد وأسبقية النشاط فيه في قوله تعالى: )في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة(، سورة النور، الآية 36، وبعد ذكر مسؤولية رفع المساجد أي بنائها جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا بنى الله له مثله في الجنة". وفي حديث آخر: "أحب البقاع إلى الله مساجدها". وكيف لا وهي محل الذكر والله تعالى يقول: )ألا بذكر الله تطمئن القلوب(. فالعبادة في المسجد يقوم بها الفرد لنفسه وخلاصه الشخصي ولكنها في الإسلام مرغب فيها لأنها تبني الجماعة المشتركة في الإيمان وفي المصير السياسي في نفس الوقت، لذلك ورد في الحديث: "فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية". وحتى من ينظف المسجد فله الجنة، كما في حديث المرأة التي كانت تلقط القذى من المسجد وماتت ولم يؤذن فيها.

 

مولاي أمير المؤمنين

نسمع في هذا العصر من تدفعه الغيرة على الدين إلى القول بضرورة أن يرجع للمسجد كل ما كان له من الوظائف في العهد الإسلامي الأول، وهو كلام يستحق أن يوضح حتى لا يبقى غموض في شأن المساجد وأدوارها. الواقع أن المسجد كان هو المؤسسة الأولى التي جمعت في عهد الرسول بين نوعين من الوظائف، نوع ظهر أنه جوهري وهو المتعلق بالعبادة وبناء الجماعة وتقوية روحها، وهي وظائف دائمة مادامت المساجد، ونوع عارض في ذلك الزمن الأول وكان يتمثل في اتخاذ المساجد مقرا ومنطلقا لتدبيرات مدنية وعسكرية يتوقف عليها تسيير الدولة. فقد كان المسجد في ذلك الزمن مركزا للنشاطين معا الديني والسياسي، إن جاز الفصل بينهما في ذلك العهد الأول. فلا يخفى أن هذين الأمرين كانا متطابقين تطابقا تاما في العهد النبوي، واستمر شيء منه في عهد الخلفاء الراشدين، فقد كان الخليفة يبايع في المسجد ومن منبره يلقي خطبته الأولى التي هي أشبه ببرنامجه، وكانت الأهمية السياسية يشخصها المنبر عندما كان المتكلم من فوق المنبر هو الخليفة أو من ينوب عنه. وبينما بدأ تأسيس الدواوين أي الإدارات التي نقلت إليها من المساجد أوجه تدبير الشؤون التي كانت تعظم باتساع أرض الدولة ومشاغلها، ظلت الرمزية السياسية للمسجد قائمة بعد الخلفاء الراشدين أي في عهد الأمويين والعباسيين، إذ كانت البيعة تؤخذ في المسجد ويعلن عنها انطلاقا منه. وكذلك كان الأمر بالنسبة لعمال الأقاليم، يقومون على المنبر إذا تعلق الأمر بقراءة خطبة تكون باسم الخليفة، وكان يدعى لولي العهد بعد الدعاء للخليفة، وبصفة عامة كان منبر المسجد هو المكان الذي تنطلق الإعلانات الرسمية والتوليات في المناصب العليا والإعلان عن قيادات رجال الدولة وانتصارات جيوشها، وإشهار عموم أوامرها، وكانت في المساجد على الخصوص إدارة المال والجبايات، وكان يجلس فيها القضاة للأحكام، والمفتون لإصدار الفتاوى. كان هذا يحدث في المساجد قبل أن ينتقل كل ما يتصل بالإدارة إلى الدواوين التي بدأت تنشأ وتكثر بقدر اتساع الدولة وتكاثر المشاغل التي صارت الدولة تأخذها على عاتقها ولم تعد بالبساطة التي كانت تتم عليها داخل المساجد.

وقد وقع تطور مواز لتطور المسجد على مستوى الإمامة، فإراثة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كان الخليفة حاكم الأمة وإمام الصلاة ورئيس الإدارة، وكان ولاة الأقاليم بالانتداب أئمة للصلاة ومدبرين للضرائب ولاسيما الخراج وكانوا يخطبون في الجمعة أيضا وقد ينوب عن الوالي في هذه الأمور صاحب الشرطة، ولكن كثرة المساجد وتغلب العنصر غير العربي على الدولة أدى إلى تقلص هذا الدور للحكام في المساجد، وصار الأئمة يعينون من بين العلماء، وكان يقدم لصلاة التراويح من برز من القراء، وفي جميع الحالات كان الإمام يعيَّن من ولي الأمر المحلي ويكون من مهامه أن يؤم بالمصلين وأن يحفظ النظام في المسجد، وهو جانب كبير من خطته تعرض للتدهور.

 

مولاي أمير المؤمنين

إنه من الطبيعي بمقتضى روح الدين الإسلامي أن يكون المسجد مدار الشؤون التي تتعلق بمصير الأمة، إذا كان ولي أمر الأمة هو الذي يقرر ما يمكن أن يطرح في المسجد من تلك الأمور المصلحية، أما بعد أن تعددت المساجد فالإمام مكلف بإمامة الصلاة أو بالخطبة أو غير ذلك في حدود نيابته والمواصفات التي استقرأها العلماء من السنة النبوية الشريفة.

أما النزوعات التي تظهر عند قلة من الأئمة في العصر الحاضر عندما يتصرفون وكأنهم أصحاب القرار في ما ينبغي أن يقال أو يفعل في المسجد فهو سلوك ليس له أصل لا في آداب الإمامة والمسجد كما وردت في السنة ولا في وقائع تاريخ المساجد في الإسلام، بل هي سلوكات من فعل الخوارج القدامى أو من تأثير التيارات السياسية التي لا تلتزم لا بقواعد السياسة العصرية ولا بآداب الدين وما درجت عليه من مراعاة حرمة المساجد.

على أن في ما هو مقرر بالسنة ودرج عليه عمل السلف الصالح ما يحافظ للمسجد على مهمته الجوهرية الأصيلة ويفتح للعلماء من خلاله ما يرضي غيرتهم في القيام بواجب التبليغ والإرشاد وممارسة الإصلاح الجذري المتمثل في صنع الإنسان المسلم كما يتعين أن يخرج للناس، على أن الصعوبة إنما هي في الفكر التنزيلي الذي يعمل به العلماء، وكذلك في قدرتهم على انتزاع العامة من براثين الجاهلين والمنتحلين والغالين. فلننظر إلى هذه الوظائف الدائمة التي يجب أن تتولاها المساجد إلى يومنا هذا وفي عصرنا هذا.             

 

المحور الثاني: رسالة المسجد في الإسلام

يضطلع المسجد بمهمات نبيلة وأدوار جليلة رشحته لأن يكون أهم معلمة توجيهية ضمن شبكة معالم المجتمع الإسلامي.

وأهم ملحظ يمكن تسجيله في سياق الحديث عن رسالة المسجد تعدد أدواره وتنوعها بما أضفى على وظيفته صبغة الشمول والتكامل في تربية الإنسان وتبصير الأمة بآيات الطريق.

والناظر المتدبر في النصوص الشرعية وفي تاريخ سلفنا المجيد يلمح الأثر الأبرز لهذه المؤسسة الشريفة في حياة الأفراد والمجتمعات.

وكم يبدو صعبا أن يحيط المرء بكل وظائف المسجد في حياة المسلمين، بفعل تأثيره القوي على كل مجالات الحياة من جهة، وبحكم أنه كان قبل تطور الدولة وظهور مرافق التدبير كما رأينا، محل جميع الوظائف الدنيوية والأخروية. على أن دوره الأساسي ظل كما هو عليه، ألا وهو وظيفة الصلاة وما يعد امتدادا وثمرة لها من أحوال استقامة الأفراد والجماعات، وهذا يتبين من قوله تعالى: )إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر(. فإذا لم يكن ذلك التحول والتطهر هو ثمرة التردد على المسجد فإن دوره يظل غير كامل لا بسبب المسجد ولكن بسبب خلل يتوجب على العلماء أن يبحثوا فيه ويبادروا إلى علاجه من داخل المسجد نفسه، فهو معمل لصناعة تحويلية مادتها ونتاجها الإنسان.

وعلى سبيل الاضطرار الذي يستوجبه التوضيح سنصنف المهمات المشمولة في رسالة المسجد إلى أربع مهمات، وهي:

أولا : المهمة التعبدية؛

ثانيا: المهمة التربوية والتعليمية؛

ثالثا: المهمة الاجتماعية؛

رابعا: المهمة الإعلامية.

 

المهمة التعبدية:

والأنسب أن نسميها بالمهمة الروحية لأن كل ما يقوم به الإنسان وهو مشروع داخل المسجد أو انطلاقا منه يمكن أن يوصف بأنه تعبدي، أي يتعبد به الله ويتقرب به إليه. أما البعد الروحي لمهمة المسجد فنبدأ التقرب منه من خلال الحديث الشريف الذي ورد فيه: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله في من عنده".

   فالمسجد من خلال هذا الحديث فضاء روحي مقصود للتعرض في أجوائه لذلك التلقي الذي تفيض منه تزكية القلوب  وتتأسس تقوى النفوس فضلا من الله ورضوانا، فهو حينئذ المكان الذي يفوح فيه عطر الإيمان وينتشر عبير الصلاح وتملؤه أمواج السكينة، في أوقات من الصلة الوثيقة بين الناس وخالقهم الواحد الأحد مستشعرين معاني الجلال والجمال والكمال لله سبحانه وتعالى.

فالمسجد يمكن أن يجسد حسيا التحول في حياة أي إنسان في أي فترة من عمره ليغير المسار الذي ينقله من الغفلة إلى الذكر ليصدق عليه قوله تعالى: )أو من كان ميتا فأحييناه([1]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت"[2].

فالمسجد عيادة لأمراض النفس الناشئة عن الذنوب، والذنوب إما مترتبة عن الإخلال بحقوق الله أو حقوق النفس أو حقوق الناس. لأن جوَّه جوُّ خلوة، لذلك كان الضجيج فيه ممنوعا،وتلك التخلية تؤدي إلى التحلية برفق لأن الله بواسع رحمته يغفر الذنوب جميعا. ولا يخفى على أحد أن كثرة انشغال الناس بدنياهم التي تعذبهم تجعلهم لا يتوقفون عند هذه السبل اليسيرة التي أتيحت لنا من طريق المسجد، ولربما أدت بهم الفتنة إلى التقليل من قيمة هذا التوجيه الذي سماه الله وعظا، إذا حال بينهم وبينه مرض القلوب، والحالة أن بروتوكول هذا التحول بالذكر في المسجد والصلاة موصوف لنا في القرآن الكريم، فبالصلاة يتخلص من عوائده السيئة وتمحى سيئاته وذنوبه وتعرج روحه في نزهة تحول  تدريجي إرادي يستعان عليه بالأسباب التي من أهمها وأسهلها الإقبال على المسجد حتى تتحول النفس الأمارة بالسوء إلى نفس لوامة قادرة على المحاورة ثم إلى نفس مطمئنة هي التي يريدنا سبحانه تعالى أن نلقاه بها، )يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي(.

وفي الحديث الشريف: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط"[3].

وإذا نظرنا إلى المنظومات الروحانية التأملية والطبيعية المنتشرة اليوم في العالم والتي تقترح رياضات لعلاج كسل الجسم والنفس ومن أشهرها اليوكا، نجدها تعطي أهمية خاصة للطاقات الكامنة في الإنسان وفي الطبيعة، فإننا لا نستغرب أن نجد في الإسلام استنهاضا مماثلا ولكنه مبني على استمداد الطاقة من مصدرها الأصلي مباشرة، وهو الخالق سبحانه، لأن الطاقة التي في الطبيعة إنما نستدعيها منه بمختلف صيغ الدعاء، ولعل حض الإسلام على الصلاة في الجماعة لا تنحصر فائدته في المحصلات الاجتماعية لهذا البعد الروحي فحسب، لأن المؤمنين في المسجد وفي صفوف الصلاة خاصة يتقوى بعضهم ببعض من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.    

 

 قال صلى الله عليه وسلم: "وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله"[4].

وقال كذلك في السياق ذاته: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين مرة".

وقال أيضا: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، فإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة ويمحى عنه بالأخرى سيئة"[5].

ولأن المساجد بيوت الله والتعلق بها أشرف وأسنى، فقد خص الحق عز وجل عمارها المتعلقة قلوبهم بها، بفضل عظيم وهو الكينونة في زمرة السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

قال صلى الله عليه وسلم:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...منهم رجل قلبه معلق في المساجد"[6].

 

المهمة التربوية والتعليمية:

لقد كان المسجد عبر التاريخ محل تربية وتعليم يقصده المصلون لتصحيح تصوراتهم وتقويم مفاهيمهم الوجودية والمعرفية على هدي الدين، كما كان مدرسة تعليمية يتصدى فيها العلماء للتدريس والإقراء نجم عنه انتشار العلوم وبزوغ علماء أجلاء قدموا للإنسانية خدمات جليلة.

فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخص صحابته بمجالس في المسجد يتخولهم خلالها بمواعظه الرشيدة وتوجيهاته القويمة بمنهج رباعي الأركان يشمل تلاوة القرآن وتزكية النفوس وتعليم الشرع والحكمة. وقد سلك في ذلك مسالك متنوعة تراعي سمات الأشخاص والفروق بين الأفراد.

وتعتبر خطبة الجمعة فرصة لمعالجة العديد من الآفات والانحرافات التي تظهر ملامحها في صفوف المجتمع، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينهج في معالجتها أساليب متنوعة في الإبلاغ والإفهام كضرب الأمثال وسرد القصص والترغيب والترهيب وغيرها من الأساليب التربوية التي تحفل بها كتب الحديث ومظان السيرة والتي يتحدد القصد منها أساسا في توجيه الناس إلى ما ينفعهم من صالح الأعمال وثمراته وتنبيههم إلى خطورة الشر ومآلاته.

ولذلك كانت خطبة الجمعة محطة إيمانية يتربى فيها المسلمون على المبادئ السامية والمواقف الصافية ويتطهرون بها من الذنوب والآثام. قال صلى الله عليه وسلم: "الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"[7].

وبصدد خطبة الجمعة لابد من التذكير في عصرنا هذا بالمنهج الذي وضعه لها مؤسسها صلى الله عليه وسلم، ففي سنن الترمذي عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع رسول الله صلى عليه وسلم، كانت صلاته قصدا وخطبته قصدا". وفي سنن أبي داود في حديث مرفوع قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الحميد يعني الحماني، حدثنا الأعمش، عن مسلم عن مسروق عن عائشة، قالت: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء، لم يقل ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا". ومخالفة المنهج النبوي في الخطبة وهو القصد وعدم ذكر أشخاص بأسمائهم مما يوقع قلة من الخطباء في الزلل، علما بأن القصد يوجب عليهم الاهتمام بالقضايا ذات الأولويات التي إذا عولجت واحدة منها نتج عنها علاج العشرات من الخلل والمخالفات، كالتزام الصدق والإخلاص في القول والعمل وأداء حقوق الله وحقوق النفس وحقوق العباد. إن خطبة الجمعة بأصلها ومقامها في المسجد والصلاة وشروط تلقيها بالخشوع المطلوب توجب على الخطباء اغتنامها لخدمة أساسيات احتياجاتها. ولا يجوز التشويش بها وهي تستقطب ملايين الناس في موعدها الأسبوعي. 

أما في مجال التعليم، فلا يخفى ما للمسجد من دور تعليمي عبر التاريخ وإلى اليوم، ولكن الذي ينبغي التذكير به هو ما كان للمسجد من دور في تثقيف عامة الناس، لأن لدى عامة الناس حتى من الذين لا يقرأون، لديهم حاجة ملحة وعطش كبير إلى الثقافة في الدين وإلى الثقافة العامة في مختلف المجالات مما يحتاج إليه المواطن. وإذا لم يوف العلماء بمتطلبات الاستجابة لهذا الاحتياج فإن العامة بما لديهم من حسن القصد والنية معرضون لأن يقعوا ضحية لاستقطاب أهل الأهواء من غير المخلصين للأمة. ومما يدل على تميز المسجد في باب نشر العلم أن الدروس التي تنقلها القناة التلفزية من كرسي المسجد لها حلة خاصة ووقع بالغ وتقبل أحسن.

ومن حديث عبد الله بن عمرو قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرأون القرآن ويدعون الله والآخرين يتعلمون ويعلمون فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل على خير هؤلاء يقرأون القرآن ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون وإنما بعثت معلما فجلس معهم"[8].

 

المهمة الاجتماعية:

المسجد مؤسس للجماعة، وهذا هو الركن الأكبر لبعده الاجتماعي، فهي جماعة المسجد التي هي في نفس الوقت جماعة الحي أو جماعة القرية، فقد نص الفقهاء على وجوب إقامة المسجد للصلاة ولغرض بناء الجماعة، وفي نوازل الونشريسي أقوال للعلماء في هذا الباب، وقد حرصوا على ألا تتعدد الجماعات على صعيد مدينة وإن كانت جماعة الجامع في الجمعة متكونة من جماعات المساجد الصغيرة في الأحياء، فلما ظهرت الضرورة لكثرة الناس أجازوا تعدد الخطبة في الجوامع، وإذا كان الغرض من الجماعة وقائيا وهو الحفاظ على الوحدة وتجنب الشقاق فإن جماعة المسجد لا يجوز أن تتوقف عند هذا المظهر، يدخل الأفراد إلى المسجد متناكرين ويخرجون متناكرين، ولا وجود لجماعتهم إلا بالعدد، ولكن الواجب هو إقامة صلات التعارف والتراحم والتضامن لوجه الله الذي ينسب إليه المسجد لا لغرض آخر، وهنا أيضا يجب التنبه إلى أنه في تاريخ الإسلام وإلى يومنا هذا يظهر في المساجد من يكونون جماعات تستغل فضاء المسجد وحرمته للدعوة إلى روابط أخرى تقيم جماعات تخالف روحها فكرة الجمع على الله إذا شابتها أدنى شائبة، وقد يكون ذلك بحسن نية تدخلها قلة الورع. وعلى العلماء وعموم الناس أن ينخرطوا فعليا في جماعة المسجد بشروطها مع تمام الحرص عليها.

ولاشك أن التعارف يفضي إلى التضامن، وعلى أساس أخلاق الدين فإنه تضامن برئ من الأغراض، لا الرياء فحسب، بل الاستقطاب الفكري حول اجتهادات معينة وأهداف مسطرة، ففي الوقت الذي تدعو فيه الحاجة إلى جماعة المسجد للتقليل من التوتر الاجتماعي وإيجاد الحلول لمشاكل الناس تصير الضرورة ملحة لصيانة جماعة المسجد كما يصان العمل داخله عل أساس ثوابت الأمة.

وتعتبر الصلوات الخمس المناسبات المتاحة التي يتفقد فيها المسلمون بعضهم بعضا، فإذا غاب أحدهم سألوا عنه لتبين أحواله وملابساته، وإذا أصيب أحدهم بمكروه تعاطفوا معه ودفعوه عنه. وهكذا يحفظون للأمة تماسكها وللأخوة الإيمانية سريانها.

وعلى هذا حمل المالكية قول النبي صلى الله عليه وسلم لسليك الغطفاني حين أمره أن يصلي ركعتي تحية المسجد يوم الجمعة وهو صلى الله عليه وسلم على المنبر "صل ركعتين وتجوز فيهما". قال أبو بكر بن العربي في توجيه هذا الحديث بعدما ذكر أوجها متعددة تفيد جميعها منع تحية المسجد حالة كون الخطيب على المنبر : "إن سليكا كان ذا بذاءة وفقر فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهره لترى حاله فيغيره منه"[9].

وفضلا عن الوحدة الاجتماعية، تسهم مؤسسة المسجد في تكريس الوحدة الفكرية للأمة التي تجسدها اختيارات معينة، الغاية منها تحقيق الوحدة بين المسلمين ودرء الاختلافات المذهبية والنزاعات العقدية التي من شأن حصولها نشوب الخلاف والتدابر والفوضى بين أفراد المجتمع.

وقد وفق الله تعالى هذا البلد الحبيب لأن يحسم في اختياراته منذ زمن مبكر من تاريخه التليد بجعله من العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المومنين ثوابت أصيلة عصمت البلاد من الفتن والاضطرابات التي شهدتها بلدان أخرى.

وهو اختيار ذكي من قومنا وأهلنا يدل على عميق فهمهم لرسالة المسجد الاجتماعية المتمثلة أساسا في الوحدة الناظمة وسد الذرائع أمام كل ما من شأنه أن يزعزع الأمن الروحي للمواطنات والمواطنين.

وقد عرف تاريخ الأمة امتحانات عسيرة كان للمسجد فيها الدور الحاسم في حماية بيضة الأمة من أن تمتد إليها أيدي العابثين، ويصور القرآن الكريم موقفا منها حينما نهى الله تعالى الرسول الكريم عن الصلاة بمسجد الضرار الذي اتخذه المنافقون تفريقا لصف المسلمين. قال الله تعالى: )الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المومنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا([10].

كما عرف تاريخ المغرب محاولات من قبل المحتل للنيل من جسم الأمة المغربية بإقدامه على خلق صراع بين العرب والأمازيغ من خلال ما عرف بالظهير البربري، وقد واجه المغاربة وفي طليعتهم العلماء هذا العمل العدواني انطلاقا من المسجد رمز الوحدة والأخوة الإيمانية حيث كانوا يرددون هذا الدعاء "اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر".

إن للمسجد دورا بارزا في الحفاظ على وحدة الأمة وتعزيز الأخوة الصادقة بين مكوناتها، لذا منع الإسلام كل ما يمس بجوهر هذه الرسالة ومن ذلك نهيه عن البيع والشراء وعن إنشاد الضوال في المسجد.

قال صلى الله عليه وسلم: "من سمع رجلا ينشد ضالة بالمسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا "[11].

فبان من الحديث أن إنشاد الضوال في المسجد ممنوع سواء أكانت هذه الضوال مادية صرفة أو معنوية من قبيل استغلال بيوت الله في الدعوة إلى هوى متبع أو تيار معين أو فكر خارج عن إجماع الأمة.

وقد انتبه علماؤنا إلى خطورة الفصل بين الناس في المساجد وما له من مآلات تمس جوهر رسالة المسجد فما كان من بعضهم إلا أن نزه بيوت الله عن ذلك.

ونختم الكلام في هذه المهمة الاجتماعية بالقول إن حماية المساجد من الزيغ هي من مهمة العلماء ومن مهمة جماعة المسجد، ولكنها في مستوى آخر قد تكون من مهمة الجهات الموكول لها حفظ النظام العام، لأن التربص بالمساجد تربص بالأمة، ويستعمل في هذا التربص غموض وتلبيس مفاده أن المسجد للجماعة، والأمر كذلك، بيد أن الجماعة ما كانت في يوم من الأيام متربصة بالأمة.    

 

المهمة الإعلامية:

إن الإسلام في أصله رسالة إعلامية تتغيى إخبار الناس بالحق المبين ببيان خطاب الوحي وما يتضمنه من بصائر منيرة تنأى بالإنسان عن التيه والضلال. قال تعالى: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الالباب"[12]. وقال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"[13].

وقد وظف الإسلام في تحقيق هذه الوظيفة وسائل مختلفة ومتنوعة أهمها المسجد في ما مضى، لأنه أنجع وسيلة إعلامية في حياة الأمة لما يتسم به من صدقية وقدسية لدى المسلمين ومن جمهور واسع ولأن الإمام رائد والرائد لا يكذب أهله.

والإعلام في المسجد يبدأ بالأذان للإخبار بدخول وقت الصلاة ينادي من خلالها المؤذن للصلاة لقوله عز وجل: "إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا"[14].

ويمكن أن تتضمن خطبة الجمعة بلاغات تدخل في الأمور الجامعة التي تفيد الجماعة في مجال من المجالات. وهي إمكانية عظيمة للتبليغ النافذ، لا تستغل بما يناسب لحد الآن، ولاشك أن الوصول بها إلى الهدف الإعلامي المطلوب يتوقف على التأهيل من جهة، وعلى التوجيه من جهة أخرى. ولابد أن نقر بأن الاحتياط من استغلال المسجد يعطل قدرا من طاقاته في كل المجالات والمهام التي ذكرنا، وهي حالة لاشك زائلة إذا توضحت خصوصية المسجد واتضح أن التفريط لا يمكن أن يقع حماية لقدسيته ومهامه.

ويعد الخطيب رائد القوم الذي لا يكذب أهله، لأن الرائد والخطيب كليهما ثبت ثقة عند قومه. فالرائد هو الشخص الذي تختاره القبيلة ليبحث لها عن مكان خصب فيه الماء والمرعى لتنتقل إليه، وهو عندما يختار لها مكانا فإنها تصدقه وتثق بما أخبر به.

 

جوانب من عمل المغرب في خدمة بيوت الله من خلال الممارسة الميدانية

 نحسب يا مولاي أن إطلالة على تجربة محدودة في نطاق المجلس العلمي لإقليم خنيفرة من شأنها أن تبين نموذجا من التأطير الذي أسفرت عنه سياسة جلالتكم في ما يخص المساجد وتأهيلها لأداء رسالتها الشاملة.

لا يخفى أن قبائل هذا الإقليم عريقة في التاريخ وفي الدين والجهاد والأصالة الثقافية على السواء، وهي حريصة في عهد جلالتكم على مواصلة تشبثها بثوابتها الدينية والوطنية، والمسجد له دور اساسي في هذه الاستمرارية كما هو الشأن بالنسبة لأقاليم المملكة الأخرى. فمجموع المساجد التي يشرف المجلس العلمي على تأطيرها ستمائة وخمسون، منها اثنان وثمانون في المجال الحضري والباقي في قرى الجماعات. وللمجلس تواصل مستمر بأئمة هذه المساجد إما عن طريق تنظيم الدورات التكوينية أو عن طريق برنامج ميثاق العلماء الذي يجري مرتين في كل شهر ويجتمع فيه مكونون ينتدبهم المجلس بجميع أئمة الإقليم في مجموعات متوسط عدد الأئمة في المجموعة الواحدة خمسة وثلاثون إماما. وبفضل هذا التأطير انبعثت حركة تجديدية في المساجد، وتعزز لدى الأئمة الشعور بعظم رسالة المسجد ومتطلبات القيام بها بشروطها، وعلى رأس هذه الشروط العمل بالثوابت المتمثلة في العقيدة والمذهب وإمارة المؤمنين والسلوك الروحي الملتزم بالسنة. وأدى هذا التأطير إلى تذكير عميق بالمقومات النظرية لمهمة الإمامة وأظهر يقظة خاصة، ونبه من كان في حاجة إلى التنبيه وأفضى الحال والحمد لله إلى الالتزام التام من لدن جميع الأئمة، فما من مسجد إلا ويقرأ فيه القرآن الكريم على سبيل الحزب الراتب بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب، وهذه القراءة كما لا يخفى وإن كانت جزئية لها دلالتها في ما يتعلق بالالتزام بالثوابت من قبل الإمام. وقد أنشأ المجلس أكثر من أربعين مركزا لتحفيظ القرآن الكريم للصغار والكبار من الرجال والنساء، و قد وضع رهن إشارة المجلس العلمي أربعة وعشرون من الأئمة المرشدين يساعدون في برامج تأطير المساجد، ويصلون بتكليف من المجلس إلى جميع المساجد في القرى القريبة والنائية لأداء مهمتهم، كما يستعين المجلس بالوعاظ المؤهلين وعددهم واحد وخمسون واعظا يتولون مهمة الإرشاد في مختلف المساجد، ومن أبواب الخدمة المقدمة للناس انطلاقا من المسجد في جهتنا الحلقات العلمية داخل بعض المساجد لتدريس بعض العلوم الشرعية للعامة لاسيما في التفسير والحديث والفقه والسيرة. ومن مظاهر الاندماج الاجتماعي للمساجد النظرة التقديرية للإمام بحيث يظل قبلة الناس في الشؤون التي يرجع إليه فيها عادة، أو التي يحضرها للتيمن والتبرك أو يلجأ إليه فيها للصلح وحل النزاعات.

وحيث إن المسجد مرتبط بالإمام فإن التدابير التي أمرتم بها يا مولاي بخصوص تحسين الأوضاع المادية للأئمة قد أسهمت في دعم المساجد ماديا ومعنويا وأدبيا.

 

مولاي أمير المؤمنين

هذه وقائع ميدانية حية تتعلق بالعناية بالمساجد في مملكتكم، ومن ثمرات تدبيركم، والوقوف عليها في هذا العصر يضاهي الأسفار من الحديث حول المسجد ودوره في التاريخ،وتتوافق مع فكركم العملي الميداني وحرصكم الدؤوب على أن تصان لهذه الأمة شخصيتها ومقدساتها، والمسجد ورسالته في طليعة ما ينبغي أن يصان ويستخدم في الخير والإصلاح والبناء. وإذا علمنا أن كل مجلس علمي من المجالس العلمية التي يبلغ عددها اثنين وثمانين مجلسا يقدم مثل هذه الخدمة للمساجد وأكثر في منطقة اشتغاله تأكدنا أن المسجد في قلب تنمية المجتمع وأنه موضوع على خطة ستصل به إن شاء الله إلى موقع يليق بالبيوت المنسوبة إلى الحق سبحانه تعالى.    

 

في ختام هذا الحديث يتأتى لنا القول إن المسجد في أبعاده الدينية والتربوية والاجتماعية والسياسية مؤسسة لا تعدلها في القدر والقيمة مؤسسة أخرى، فهي من حيث العدد أكثر من ضعف عدد المدارس، والمقارنة بالمدارس جائزة بحكم الاشتراك في الوظيفة التربوية، وهي من حيث القرب أكثر الأماكن العمومية حضورا في النسيج العمراني في المدن والبوادي على السواء، وهي من القدسية بحيث يلتزم فيها الناس من الخشوع وراقي السلوك وتجنب الإسفاف والضرر ما لا يلتزمونه في مكان آخر، وتهيئ قدسيتها لنوع استثنائي من الإنصات والاستعداد للتلقي، ويزيد من هذا الاحتمال إيقاع تردد يبدأ مع الفجر ويختم بصلاة العشاء، فهي مكان الصلاة والتواصل والتواصي، يعتقد الناس بحكم ما ورد من الحديث أن الملائكة تحفهم بين جدرانها. ولكل هذه الاعتبارات وغيرها يأتي تأثير الخطاب الذي يسمعه الناس داخل المساجد قويا لأن الناس لا ينسبونه لقائله الذي يحتمل أن يوافقه البعض ويختلف معه البعض الآخر، بل ينسبونه لله ورسوله كما ينسبون المساجد لله.  

وهذا سر الطابع الجامع للمسجد، يطلب فيه الناس ما لا يوجد في غيره من الأماكن، ويجتمعون فيه على التوحيد الذي يحطم كثيرا من الأصنام في قلوبهم فيكونون أقرب إلى المحبة وأبعد من التنافر والبغضاء، وبالنظر إلى ما ذكر واحتراما للناس ورعيا لهذه المنافع الكبرى للمسجد وجب التنصيص على طبيعته كمؤسسة بين المؤسسات، فالمعروف عادة هو المؤسسات العمومية التابعة للدولة، والمؤسسات المسماة بشبه العمومية والصنف الآخر الذي هو المؤسسات الخصوصية، أما المسجد فلا هو بمؤسسة عمومية ولا هو بمؤسسة خصوصية، بل هو مؤسسة الأمة، لوظيفة معينة لا لغيرها، هي عبادة الله في معناها الواسع، وهذا ما يوافق قوله تعالى: )وأن المساجد لله(وهذا التعريف للمسجد بأنه مؤسسة الأمة له في نظامنا المغربي مقتضيات واضحة، لأن مقام الأمة هو مقام إمارة المؤمنين، ولذلك فالمساجد تقع في عمق الشأن الديني الذي تختص به إمارة المؤمنين، ومن حماية المساجد من التجاذبات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع تبدأ حماية الملة والدين، وهذه الحماية تكون بضمان الحياد للمسجد بحيث تكون استفادة الجميع من خيره وفضله مضمونة للجميع، ولاشك أن الإغراء السياسي بالتسلل إلى المسجد إغراء قوي لاسيما في هذا العصر، ولكن فرض حياد المسجد بوسائل قانونية وتدبيرية ضمن سياسة الشأن الديني التي يخطط لها ويوجهها أمير المؤمنين حفظه الله، ستفضي مع مرور الزمن إلى اقتناع الجميع بهذا الحياد الذي تستفيد منه السياسة السليمة أكثر من غيرها، لأن كل محاولة لاستغلال المساجد في السياسة الفئوية مخالفة للدين من جهة وغش في السياسة من جهة أخرى. والواضح أن حماية المساجد لضمان حيادها تقتضي ما هو جار وقائم في سياستكم يا مولاي من عناية ببنائها تشييدا وترميما وتجهيزا، ثم العناية بأئمتها رفدا وتأهيلا، ولا يختلف عقلان سليمان واعيان بمقاصد الدين أن العقيدة التي توجه سلوك الإمام واضحة راسخة وهي الانطلاق من كونه هو الإمام الأصغر الذي ينوب في مسجده عن الإمام الأكبر أمير المؤمنين، فهو منتدب لتلك النيابة ومستخلف فيها، وتوفر له الشرعية والحرية ليؤدي مهمته في دائرة تبينها كثير من التوجيهات القرآنية و الإرشادات السنية، والأئمة في هذا كله يستعينون بالعلماء في هذه المهمة التي تواجهها صعوبات التنزيل في وقتنا الحاضر، وهذا الحضور من جهة العلماء بجانب الأئمة في أداء مهمتهم قائم والحمد لله في البلد الأمين.  

 

مولاي أمير المؤمنين،

نحمد الله على أن رزق هذه الأمة المغربية في شخصكم الكريم من يصدق عليه وصف جدكم الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، عندما قال: "ورجل قلبه معلق بالمساجد".

اللهم احفظ مولانا أمير المؤمنين بما حفظت به الذكر الحكيم، واجزه عن الأمة الجزاء الأوفى يحمي دينها ويرعى مساجدها، وأعطه من كل خير عندك.

 

والختم من مولانا أمير المؤمنين.

 


[1]ـ سورة الأنعام الآية 123.

[2]ـ متفق عليه واللفظ للبخاري.

.[3]أخرجه مسلم والترمذي.

[4]ـ أخرجه أبو داود والبيهقي في السنن الكبرى.

[5]ـ أخرجه مالك في الموطأ

[6]ـ متفق عليه.

[7]ـ شعب الإيمان للبيهقي.

[8]ـ أخرجه ابن ماجه.

[9]- عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ج2/254 منشورات دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1418هـ1997م.

[10]ـ سورة التوبة الآيتان 108 ـ 109.

[11]ـ أخرجه مسلم في صحيحه.

[12]ـ سورة إبراهيم الآية 54.

[13]- أخرجه البخاري.

[14]- سورة النساء الآية 102.

شوقي علام وارتباط المعاملات بالأخلاق

ألقى فضيلة الشيخ شوقي علام، مفتي جمهورية مصر العربية، بين يدي جلالة الملك، يوم السبت 2 رمضان 1434 الموافق ل 13 يوليوز 2013 بالرباط الدرس الحسني الثاني ، وتناول فيه بالدرس والتحليل موضوع " ارتباط المعاملات بالأخلاق " انطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". وفيما يلي نص الدرس الحسني لفضيلة الشيخ شوقي علام:

قال تعالى ممتنًّا على الأمة المحمدية:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة: 2]

 

وقال صلى الله عليه، وآله وسلم موضحًا جوهر رسالته الشريفة:

«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (أخرجه البزار في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه 15/364)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد:

فإن الدروس الحسنية من السنن الحميدة التي يثاب فاعلها ويكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.

وإنه لشرف عظيم يا مولاي، أن أجلس بين أيديكم لإلقاء هذا الدرس إسهاما في هذا الخير العميم.

مولاي أمير المؤمنين،

إن الأخلاق تُمثل دور العامل الحاسم في صلاح الفرد والجماعة، وتقدُّم الأمم والشعوب، وكذلك تكون عاملًا رئيسًا في فساد الفرد والجماعة، وتخلف الأمم والشعوب؛ لذا فقد حظيت باهتمام الأمم والشعوب خاصة المصلحين منهم عبر تاريخ البشرية ([1]).

ومما يميز الدين الإسلامي في هذا الجانب أنه أعطاه اهتمامًا كبيرًا، وسلك في سبيل التأكيد عليه منهجًا حكيمًا؛ إذ بحسن الخُلُق يَنَالُ الْمُؤْمِنُ الشَّرَفَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَرْجُو بِهِ النَّجَاةَ بَعْدَ مَوْتِهِ.

 وحُسْن الخلق هو مناط حبِّ الله تعالى للعبد؛ فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ دَقِيقَهَا وَسَفْسَافَهَا»([2]).

كما أن غرس مكارم الأخلاق في النفوس هو مهمة الرسل والأنبياء عليهم السلام؛ فقد بيَّن الله تعالى أن من أهم أهداف إرسال الرسل خاصة خاتمهم عليه الصلاة والسلام هو تزكية النفوس، حيث قال تعالى مبيِّنًا نعمته على الناس بإرساله سيد البشر صلى الله عليه وسلم: )لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ([آل عمران: 164]، وقال جلَّ شأنُه: )هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ([الجمعة: 2]، بل إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حصر رسالته في إتمام حُسْن الأخلاق، فقد أخرج إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه في موطئه بلاغًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ»([3])، وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مكارمِ الْأَخْلَاقِ، وكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ»([4]).

 

 فالأخلاق تُعَدُّ من أهم مقومات الشريعة الإسلامية ومكوناتها الأساسية، ولذلك وصف الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم بالخلق العظيم، فقال سبحانه: )وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ([القلم: 4]، كما قُدِّمت الصفات الأخلاقية (الفعلية والقولية) لعباد الرحمن في الحديث عن سماتهم وصفاتهم قبل الصلاة وغيرها من العبادات: قال تعالى: )وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا([الفرقان: 63].

ومما يميز الأخلاق في الإسلام أنها تنشأ مع العقيدة، وتسري في العبادات، وتتفاعل مع المعاملات، وبذلك فالإسلام نظام كامل شملت الأخلاق فيه كل جوانب حياة الإنسان.

 وهو ما فهمه المسلمون عبر العصور وبذلوا جهدهم في تطبيق ذلك وفق ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما جرى به العمل عند سلف الأمة الكرام؛ حيث بحثوا الأخلاق في مختلف الميادين، ومنها المعاملات المالية، فعند كلامهم في أبواب الفقه  خاصة في باب المعاملات تراهم قد وضعوا لكل معاملة ضوابط أخلاقية ممزوجة بالضوابط والشروط الشرعية التي يجب مراعاتها عند التعامل بهذه المعاملة حتى تقع صحيحة، تترتب عليها آثارها.

ومما يؤكد عِظَم البعد الأخلاقي في معاملات الناس اليومية خاصة المالية منها، أن علماء الأمة لم يكتفوا بما سطروه في كتبهم الفقهية بخصوص هذا الشأن؛ بل نبهوا على هذا الجانب في مؤلفاتهم الاقتصادية المتخصصة في شؤون المال([5])قديما وحديثا، فمن الدراسات القديمة:

-      كتاب "الخراج" للقاضي أبي يوسف (ت: 183هـ).

-      كتاب "الأموال" لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي المالكي (ت: 402هـ).

ومن الحديثة ما كتبه الشيخ محمد الغزالي في كتابه الإسلام والأوضاع الاقتصادية وقد ضمنه بحثا مفيدا في علاقة الأسباب الاقتصادية بالفضائل والرذائل.

 

وتمثل تلك الكتابات فضلًا عن النصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة دليلًا عمليًّا على أن الإسلام لا يجيز مطلقًا تقديم الأغراض الاقتصادية على رعاية المُثُل والفضائل التي يدعو إليها؛ حيث إن ربط الأخلاق بالمعاملات المالية (الاقتصاد) يحقق مبدأ التوازن في التعاملات المالية من جوانب عدة؛ فهو يوازن بين رأس المال والعمل، ويوازن بين الإنتاج والاستهلاك، ويوازن بين السلع (المنتجات) بعضها بعضا، ويوازن بين أصحاب الانتاج والمستهلكين والوسطاء بينهم، كما يوازن بين الفئات المجتمعية بعضها بعضا([6]).

والناظر المتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يجد أنها قد سلكت في ترسيخ الأخلاق الحميدة في التعامل المالي بين المسلمين منهجًا حكيمًا، ويظهر ذلك من خلال النقاط التالية([7]):

(أ) أنها ربطت بين الأخلاق في مجالات الإنسان المختلفة وبين العقيدة، فالعقيدة هي الأساس الذي تنبني عليه جميع نظم الإسلام، وهي الدافع والباعث على الاستجابة والانقياد لأحكام الشرع الشريف، وقد جاء ذلك عن طريق التذكير بالإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وتقرير زوال الدنيا وبقاء الآخرة، والأمر بالتقوى في ثنايا التوجيهات الخُلُقية المتعلقة بالشؤون المالية.

(ب) أنها حثَّت على التزام الأخلاق في جميع أحوال الإنسان، ومنها: معاملاته المالية، وذلك من خلال مسلكين:

أولهما: ذمُّ مظاهر الانحراف والفساد الخُلُقية؛ حيث جاء في قصص أنبياء الله «نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب» عليهم السلام ما يدل على ذلك من حملاتهم عليهم السلام العنيفة ضد الوثنية، والفساد الخلقي في الجوانب المالية والاجتماعية، وبيان عاقبة التكذيب للرسل، ونهاية الجبابرة العتاة بألوان من العذاب.

ومن ذلك قول نبي الله شعيب عليه السلام مخاطبًا قومه فيما حكاه القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ  إلى أن قال سبحانه  أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ @وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ@وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: 176- 183]، وفي هذه الآيات انتقل شعيب عليه السلام من غرض الدعوة الأصلية، وهي إرساء العقيدة بقوله: ("ألا تتقون".. إلى آخره) إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة بينهم، فقد كانوا مع شركهم بالله يطففون المكيال والميزان ويبخسون أشياء الناس إذا ابتاعوها منهم، ويفسدون في الأرض([8]).

ولكنهم قابلوا ذلك بأن نفوا رسالته عن الله كناية وتصريحا فزعموه مسحورا، فأنزل الله جلَّ شأنُه سحابة فيها صواعق متتابعة أصابتهم فأهلكتهم؛ قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ @إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 189،190].

والثاني: الدعوة إلى التزام مكارم الأخلاق ومحاسنها القائمة على الإحسان والتكافل والتعاون.

(ج) أنها تدرجت في تشريعات بعض المعاملات المالية كالربا([9])، والتي تؤثر تأثيرًا حقيقيًّا على فساد المجتمع أخلاقيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، فاتخذت بشأنها أمورًا تمهيدية، وذلك لخلخلة ارتباط النفوس بما اعتادت عليه من مساوئ الأخلاق، خاصة تلك الأخلاق التي أصبحت جزءًا من الواقع المعيش الذي يمارسه الناس يوميًّا، بحيث يكون النهي عنه دفعة واحدة عسيرًا على النفوس.

 (د) حصل مزجٌ في تقرير الأخلاق، مع بيان كثير من الأحكام التكليفية؛ إثباتًا لمساواتها مع بقية أحكام الإسلام وتشريعاته، للدلالة على أنهما في مستوى واحد من القوة التكليفية؛ ولبيان عدم إمكانية الفصل بين أحكام العبادات وأحكام المعاملات، وكذلك بين شؤون الدنيا وشؤون الآخرة.

ومن ذلك: آية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ... إلى قوله تعالى @وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 187-188]، ففي هذه الآيات الكريمات أُدرج النهيُ عن أكل المال بالباطل في سياق الأحكام التكليفية الأخرى؛ وعن ذلك يقول العلامة محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "عطف جملة على جملة، والمناسبة أن قوله: "تلك حدود الله فلا تقربوها" تحذير من الجرأة على مخالفة حكم الصيام بالإفطار غير المأذون فيه، وهو ضرب من الأكل الحرام، فعُطف عليه أكل آخر مُحَرَّم، وهو أكل المال بالباطل، والمشاكلة زادت المناسبة قوةً.

 وهذا من جملة عِداد الأحكام المشروعة لإصلاح ما اختل من أحوالهم في الجاهلية، ولذلك عطف على نظائره، وهو مع ذلك أصل تشريع عظيم للأموال في الإسلام" اهـ([10]).

 (هـ) وكذلك جاء التنبيه على أهمية اتباع الأخلاق الحميدة في سياق القصص، ويَكثُر ورود ذلك في نصوص القرآن الكريم؛ وذلك لفاعلية هذا الأسلوب وتأثيره في مشاعر المستمعين.

(و) استعمل في تقرير الدعوة إلى التزام حسن الأخلاق أسلوب الترغيب والترهيب، وهو ملمح عظيم؛ فالإنسان يميل بفطرته إلى جلب الخير لنفسه ودفع الشر عنها.

 (ز) تكررت الدعوة إلى التزام الأخلاق الحسنة في كثير من النصوص، تأكيدًا عليها، وترسيخًا لها في الأذهان، حيث يُفيد أسلوب التكرار في استحضار المعاني وتذكّرها، والاهتمام بالتوجيهات، وقد جاء ذلك عن طريق تكرار بعض المعاني المتعلقة بالتصرفات المالية.

ومن ذلك فالإسلام قد اتبع منهجًا واضح المعالم، حكيم الإجراءات في تأصيله للأخلاق في المعاملات المالية، حيث أَوْلَى دعامتي المعاملات المالية (الاقتصاد) -العمل والمال- عناية خاصة، وأسبغ عليهما أخلاقياته وقِيمه، وبذلك عصم الإسلام المجتمع من الانهيار الاقتصادي، إذا ما التزم أفراده بتلك الأخلاق والقيم.

ولقد تحدَّث ابن خلدون رحمه الله في "المقدمة" حديثًا وافيًا، مدعومًا بالأمثلة تدليلًا وتمثيلًا عن  حالة المجتمع اقتصاديًّا عندما تغيب عنه الأخلاقُ الإسلامية أو بعضٌ منها، منتهيا من ذلك بأن غياب الأخلاق الكريمة في التعامل بين أفراد المجتمعات بعضهم مع بعض، أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين، مؤذن بخراب العمران([11]).

 ولا غرو من أن مُحصلة افتقاد القيم والأخلاق يؤدِّي حتمًا إلى شيوع الفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، الأمر الذي يترتَّب عليه انتشار الظُّلم والفساد، والانحطاط الأخلاقي، وافتقاد قِيَم الرحمة والتسامح، وشيوع الغش والكذب في المعاملات، والقسوة في التعامل مع الضعيف، وقَصْر تطبيق القانون على المستضعَفين، واستثناء ذَوِي الجاه والنفوذ والسلطان، فيتحقق بذلك الهلاك المؤكَّد؛ بافتقاد تلك المنظومة من الأخلاق الكريمة، ولله دَرُّ القائل:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وفي هذا المعني قال آخر:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن تولت مضوا في إثرها قُدُما

وعلى الرغم من كون الأخلاق التي جاء بها الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، فإن بعض هذه الأخلاق لقويُّ الصلة من بعضها الآخر بمجال المعاملات المالية، نذكر منها ما يلي:

وجوب الصدق والأمانة في البيع والشراء، في الثمن والسلعة: ويشهد لذلك ما رواه حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (متفقٌ عليه)[12]).

 وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق الأمين الذي يصدق الناس في سلعته وثمنه أجزل الثواب وأعظمه، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ([13]).

قال ابن الحاج في المدخل: "وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ مُسَاوَمَةً، وَإِنْ تَحَقَّقَ شِرَاءَهَا فَهُوَ أَحَلُّ لَهُ وَأَبْرَكُ، وَإِنْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً جَازَ ذَلِكَ، لَكِنْ قَدْ يَعْتَوِرُهُ فِي الْبَيْعِ مُرَابَحَةً أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَالِبًا لَا يُعْطِي مِنْ الرِّبْحِ مَا يَخْلص الْبَائِع فَيَخَافُ أَنْ يُكَذِّبَهُ فَيَزِيدُ فِي الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ فَإِنْ بَاعَ مُرَابَحَةً فَلْيَتَحَرَّ الصِّدْقَ وَلْيُخْبِرْ بِشِرَائِهَا دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ.

وَيَنْبَغِي لَهُ مِنْ بَابِ الْكَمَالِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْظُرَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ بَاعَهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْضَاهُ لَهُمْ" اهـ([14]).

ولقد كان السلف الصالح يُنَزِّهُون أموالهم من كل شائبة؛ خشية الوقوع في الحرام، وهذا سر عظيم في فضلهم، وعلو كعبهم في العلم والعبادة.

 ومن ذلك ما جاء في سير أعلام النبلاء أن النضر بن شميل قال: "غَلَا الخَزُّ فِي مَوْضِعٍ كَانَ إِذَا غَلاَ هُنَاكَ غَلَا بِالبَصْرَةِ، وَكَانَ يُوْنُسُ بنُ عُبَيْدٍ خَزَّازًا فَعَلِمَ بِذَلِكَ فَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ مَتَاعًا بِثَلاَثِيْنَ أَلْفًا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ لِصَاحِبِهِ: هَلْ كُنْتَ عَلِمتَ أَنَّ المَتَاعَ غَلَا بِأَرْضِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: لَا وَلَوْ عَلِمتُ لَمْ أَبِعْ. قال: هلم إلي مالي، وخذ ما لك، فَرَدَّ عَلَيْهِ الثَّلاَثِيْنَ الأَلْف"([15]).

 وكذلك روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" أن أبا سعيد بكر بن منير قال: كان حُمِلَ إلى محمد بن إسماعيل (البخاري صاحب الصحيح) بضاعة أنفذها إليه ابنه أحمد أبو حفص فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم فقال لهم انصرفوا الليلة فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم فردهم وقال إني نويت البارحة أن أدفع إليهم بما طلبوا يعني الذين طلبوا أول مرة ودفع إليهم بربح خمسة آلاف درهم وقال: لا أحب أن أنقض نيتي([16]).

وأحوال السلف رضي الله عنهم في هذا المعنى كثيرة متعددة، ويستفاد من مجموعها أنه ينبغي على المسلم أن يحب لغيره ما يحبه لنفسه، وأن يسخط له ما يسخطه لنفسه، وهذه القاعدة تشتمل على ميزان دقيق يهدي بصيرة المؤمنين إلى فضيلة التمسك بالأخلاق الحسنة في شؤونهم كلها؛ خاصة معاملاتهم المالية، وهو ما بيَّنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها ما رواه أَنَسٌ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"([17]).

 بل جاء أن ذلك سبب في النجاة يوم القيامة؛  قال صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ"([18]).

حسن المعاملة: وتعني السماحة في المعاملة، بأن يكون المسلم سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا قضى، وإذا اقتضى، ويشهد له ما رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى" ([19]).

والسماحة في البيع: بألا يكون شحيحا بسلعته، مستقصيا في ثمنها، مغاليًا في الربح منها، مكثرا من المساومة فيها، بل يكون كريم النفس، راضيا بيسير الربح، مقلا من الكلام.

والسماحة في الشراء: بأن يكون سهلا في كياسة، فلا يدقق في اليسير من المال، خصوصا إن كانت السلعة شيئا هينا، والمشتري غنيا، والبائع فقيرا معدما، ولا يسئم البائع بالأخذ والرد، وتعطيله عن المشترين الآخرين، ولا يكثر التقليب في البضاعة بعد أن سبر غورها ووقف على حقيقتها.

والسماحة في الاقتضاء: بأن يطلب حقه أو دينه في هوادة بلا عنف، وفي لين بلا شدة، ويراعي حال المدين؛ فإن كان معسرا أنظره، بل إن كان حالُه لا يسمح بالسداد تصدق عليه بحقه أو من حقه.

 ومن السماحة في الاقتضاء: ألا يطالب المدين على مشهد من الناس ومسمع، خاصة إذا كانوا لا يعلمون بالدَّيْن. أو يتأذى المدين بالجهر. وألا يلحف – يكثر- في الطلب. أو يطالبه في أوقات راحته؛ فينغص عليه صفوه، وهو من أحرص الناس على قضاء الحقوق وألا يرفع أمره إلى القضاء وهو مستعد للدفع في وقت قريب، فيغرمه الرسوم وأجر المحاماة، ويشغل باله. ويستنفذ من وقته من غير جدوى تعود عليه -إلا الإضرار بأخيه- كل ذلك من حسن الاقتضاء.

وأما السماحة في القضاء: فأن يرد الحق لصاحبه في الموعد المضروب، ولا يكلفه عناء المطالبة أو المقاضاة، ويشفع القضاء بالشكر والدعاء، أو الهدية إن كان لها مستطيعا إلى غير ذلك مما ينطوي تحت المسامحة ([20]).

ومن عِظم فقه الإمام مالك رضي الله عنه أنه قد استثمر من هذا الخلق  (المسامحة)، الذي جعله الإسلام محورًا ينطلق منه المسلمون في بيعهم وشرائهم، وفي معاملتهم للخلق أجمعين، حكمًا لمسألة فقهية، وهي: الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم هل تغير؟

قال أبو الوليد محمد بن رشد في البيان والتحصيل: "مسألة وسئل مالك عن الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم، أترى أن تغير؟

 فقال: بل أرى أن تترك، وأرى في ذلك رفقًا للناس، حتى إن الرجل ليأتي بالدرهم الوازن، فما يعطى به إلا شبه ما يعطى بالناقص، والمرأة تأتي بغزلها وما أشبهه، فأرى أن يتركوا ولا يمنعوا، وهو مرفق بالناس.

فإذا كانت هذه أخلاقًا فاضلة تعبر عن استقرار المعاملات المالية، والعمل على تطورها واتساعها بطريق الإيجاب، فإن هناك أخلاقًا سيئة حذَّر منها الشرع الشريف؛ إذ من شأنها تكدير هذه المعاملات بين المسلمين.

 

ومن هذه الأخلاق:

الغش في البيع والشراء وما في معناه كالتدليس، والخديعة، وكتمان العيوب، وخلط دنيء بجيد؛ والْغِشُّ التَّدْلِيسُ وَهُوَ إبْدَاءُ الْبَائِعِ مَا يُوهِمُ كَمَالًا فِي مَبِيعِهِ كَاذِبًا أَوْ كَتْمُ عَيْبٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا؛ لأنه خديعة وخيانة وضياعٌ للأمانةِ وفقْدٌ للثِّقَةِ بين الناسِ.

 وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِه مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" ([21])، وما رواه ابنُ عمر رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَقَدْ حَسَّنَهُ صَاحِبُهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، فَإِذَا طَعَامٌ رَدِيءٌ فَقَالَ: "بِعْ هَذَا عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا عَلَى حِدَةٍ، فَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"([22])، قال الشيخ الصاوي رحمه الله مبيَّنًا المراد من قوله عليه الصلاة والسلام "فليس منا": "إنْ حُمِلَ عَلَى غِشِّ الْإِيمَانِ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ فَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْغِشَّ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهِ فَالْمَعْنَى: لَيْسَ مُهْتَدِيًا بِهَدْيِنَا وَلَيْسَ مِنْ الْكَامِلِينَ فِي الْإِيمَانِ. وَلَكِنْ يُتْرَكُ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ تَخْوِيفًا وَتَقْرِيعًا" اهـ([23]).

وحرمة الغش وما في معناه معلومة من الدين بالضرورة؛ قال في كفاية الطالب الرباني: "لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَحَرُّجِ الْغِشِّ، وَالْخَدِيعَةِ..؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمَكْرِ، وَالْحِيَلِ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّوَصُّلِ إلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ" اهـ([24]).

وكلُّ كَسبٍ من الغشِّ فإنَّه كسبٌ خبيثٌ حرامٌ لا يزيدُ صاحبَه إلَّا بُعْدًا من الله في الدنيا والآخرة؛ واستمدادًا من هذا الأصل فقد عالج فقهاء السادة المالكية عدة مسائل في هذا الباب "الغش"، مثل مسألة الرجل يشتري السلعة فيجدها قد وقع غش فيها كاللبن والمسك والزعفران،  هل له أن يردها؟

حيث حكموا بأنه يُتَصَدَّقُ بذلك على مَنْ غَشَّهُ، واستثنى ابن القاسم ما وقع في يسيره دون كثيره، قال أبو الوليد ابن رشد الجد في "البيان والتحصيل": "لم ير مالك أن يحرق الزعفران المغشوش، ولا أن يراق اللبن المغشوش بالماء على الذي غشه، قال في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب: وأرى أن يضرب من أنهب أو انتهب، وأرى أن يتصدق بذلك على المساكين أدبًا له، وسواء على مذهبه كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك، والمسك قليله كثير، وخالفه ابن القاسم، فلم يرَ أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا" اهـ([25]).

ومن جملة تأديبهم أنهم يمنعون من الجلوس في السوق([26]).

ومما ينبغي ذكره في هذه المسألة أن أَنْوَاعَ الْغِشِّ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى بَاقِيهِ بِالضِّمْنِ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَنْصَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِخَلَاصِ ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَنْصَحَ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَقْصِدُونَهُ مِنْهُ مِنْ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا ([27]).

(ب) الغرر في البيع: وهو يجمع ثلاثة أوصاف: أحدهما: تعذر التسليم غالبًا، والثاني: الجهل، والثالث: الخطر والقمار([28])، والأصل في النهي عنه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»([29])، قال النووي شارحًا لهذا الحديث: "وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ولهذا قدَّمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن وبيع بعض الصبرة مبهما وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل لأنه غرر من غير حاجة" اهـ([30]).

غير أن يسير الغرر معفوٌّ عنه؛ لأنه لم يسلم منه شيء من البيوع؛ قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: "وَلَا يَكَادُ شَيْءٌ مِنَ الْبُيُوعِ يَسْلَمُ مِنْ قَلِيلِ الْغَرَرِ فَكَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ" اهـ([31])، وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى: "وَالْغَرَرُ الْكَثِيرُ يُفْسِدُ الْعُقُودَ دُونَ يَسِيرِهِ" اهـ([32]).

(ج) النهي عن المنافسة غير المشروعة، كالتناجش، وهو أن يتظاهر برغبته في البيع لسلعة؛ ليزيد من ثمنها، دون رغبة حقيقية في ذلك؛ وهو أمر محرَّم، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنِ النَّجْشِ»([33])، وعن ابن عمر أيضًا: أَن رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الأَسْوَاقُ، وَنَهَى عَن التَّنَاجُشِ([34]).

ويدخل في هذا الباب كل ما كان من شأنه أن يحدث اضطرابًا في الأسواق.

ووقوع النجش في البيع عند الإمام مالك رضي الله عنه: عيب من العيوب يُخَيَّرُ المشتري إذا علم به وصح ذلك في رد السلعة المنجوشة أو أن يبقي عليها ([35]).

والنجش يؤدي إلى إحداث ضرر كبير في السوق؛ حيث يغرر بالناس، ويرفع الأسعار بغير وجه حق، لأنه قائم على الغدر والخديعة والمكر، وبالتالي فهو يؤدي إلى فقدان الثقة بين الناس، وانتشار الشك والريبة في كل تعاملاتهم.

ويدخل في المنافسة غير المشروعة في المعاملات المالية بيع الرجل على بيع أخيه، والأصل في النهي عنه ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ»، وَفِي رِوَايَةِ الدَّوْرَقِيِّ: «عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ»([36]).

وهو حرام إذا ركن البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الدراهم ويتبرأ من العيوب، وما أشبه ذلك مما يعرف به أن البائع ركن إلى المشتري –كما هو المعتمد عند السادة المالكية-، وعليه فيعاقب من يفعل ذلك بفسخ البيع؛ قال الشيخ أبو الحسن العدوي في حاشيته على كفاية الطالب: "وَحَاصِلُ مَا فِيهِ أَنَّ لِمَالِكٍ قَوْلَيْنِ فِي النَّهْيِ هَلْ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْحِرْمَةِ، وَالْفَسْخُ عَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ دُونَ الْأَوَّلِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْحِرْمَةُ، قُلْت: قَضِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَمَدُ الْفَسْخَ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ" اهـ([37]). بل نقل عن ابن القاسم رحمه الله أنه يؤدب فاعل ذلك، وهل يؤدب مطلقًا أم إذا تكرر منه بعد زجره قولان؛ قال الشيخ العدوي: "[قَوْلُهُ: ابْنَ الْقَاسِمِ يُؤَدِّبُ إلَخْ] أَطْلَقَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ يُونُسَ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ مَنْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الزَّجْرِ"([38]). 

كما أننا نجد تشريعات في الفقه الإسلامي من شأنها ترويض وتعويد النفس على البذل والسخاء، ومواساة الآخرين فيما قد يلحق بهم من ضرر مادي دون دخل منهم أو تقصير، ومن ذلك:

تشريع ما يسمى في الفقه بـ "وضع الجوائح"، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَوْحِ، وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَالْهَلَاكُ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ،  وهو: مَا أُتْلِفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ بَعْدَ بَيْعِهِ، والأصل في ذلك –في الجملة- عما رواه جَابِرٌ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ»([39]).

كما ورد أنه من الخير الذي يتقرب به إلى الله تعالى، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي، إِنِّي ابْتَعْتُ أَنَا وَابْنِي مِنْ فُلَانٍ ثَمَرَ مَالِهِ فَأَحْصَيْنَاهُ لَا وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِمَا أَكْرَمَكَ بِهِ مَا أَحْصَيْنَا مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا شَيْئًا نَأْكُلُهُ فِي بُطُونِنَا أَوْ نُطْعِمُ مِسْكِينًا رَجَاءَ الْبَرَكَةِ، وَجِئْنَا نَسْتَوْضِعُهُ مَا نَقَصْنَا فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَا يَضَعُ لَنَا شَيْئًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَأَلَّى لَا يَصْنَعُ خَيْرًا» ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتْ: فَبَلَغَ ذَلِكَ صَاحِبَ الثَّمَرِ، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي، إِنْ شِئْتَ وَضَعْتُ مَا نَقَصُوا، وَإِنْ شِئْتَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَوَضَعَ مَا نَقَصُوا([40]).

والأمر بوضع الجوائح عند أكثر الفقهاء، أمر ندب واستحباب من طريق المعروف، وهو لازم عند الإمام مالك رضي الله عنه إذا أتت -الجائحة- على ثلث مكيلة الثمرة فصاعدًا ولا توضع فيما قصر عنه.

 وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مبني على أربع مسائل هي أصله وعليها مداره: أولهما: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ. الثَّانِية: فِي مَحِلِّ الْجَوَائِحِ مِنَ الْمَبِيعَاتِ. الثَّالِثة: فِي مِقْدَارِ مَا يُوضَعُ مِنْهُ فِيهِ. الرَّابِعة: فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ([41])، ومن رام التفصيل في ذلك فليراجعه في مظانه من كتب الفقه.

وفي تشريع ذلك سمو لأخلاق المجتمع، وترويض للنفس بترك بخلها من أجل مواساة من نزلت به البلوى، لأن الجوائح فيها ابتلاء من الله تعالى للعباد؛ قال تعالى عن أصحاب الجنة لتتعظ قريش فتأخذ العبرة، فتلين قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحق: )إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ@ وَلا يَسْتَثْنُونَ@فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ@فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ([القلم:17- 20].

إلزامية الأخلاق في الإسلام، وآثارها على المعاملات:

إن الأخلاق في الإسلام ليست مجرد شعائر، أو آدابًا يحسن اتباعها، وإنما هي واجبات شرعية جاء بها الشرع الشريف، ونهى عن أضدادها؛ فالالتزام بالجانب الأخلاقي في ألوان التعامل مع الناس عامة، والمعاملات المالية خاصة، أمر لم ينازع في وجوبه وأهميته وفضله أحدٌ من المسلمين.

ويتجلى ذلك في كثير من نصوص الوحي الشريف التي تنهى عن مساوئ الأخلاق نهيًا جازمًا مشمولًا بالعقاب لمن لم ينته عن ارتكابها؛ بل قد حذرته تحذيرًا شديدًا من الاقتراب حول حماها.

ومن ذلك:

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283].

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].

وما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي، فَلَا تَظَالَمُوا»([42]).

 • ويتجلى كذلك في النصوص الشريفة التي تحثُّ على اتباع محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال، حثًا جازمًا مؤيدًا بجزيل الثواب.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا @إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾  [النساء: 148،149].

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ @وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 8،9].

ومنها: ما رواه أبو الدَّرْدَاء قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ»([43]).

وما رواه جَابِرُ بْنُ سَمُرَة، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي: سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْفُحْشَ، وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" ([44]).

ومما سبق نخلص إلى أن الأخلاق لا تنفك أبدًا عن أي معاملة تصدر عن الإنسان؛ إن لم تكن باعثًا مهمًا في صدورها عنه، وبناءً على ذلك الأثر فتترتب على ارتكاب الأخلاقيات المنهي عنها أحكام تكليفية كالحرمة والكراهة، وخلاف الأولى، إضافة إلى أنه يتعلق في كثير منها أحكام الحكم الوضعي، من الصحة والبطلان والفساد.

وبذلك فالأخلاق الإسلامية قد شملت سلوك الإنسان في حياته الخاصة وحياته مع غيره في مختلف المجالات، والتي ساهمت وما تزال تساهم في استقامة الحياة ونشر المودة والرحمة، والسعادة بين المجتمع المسلم.

وهو ما حُرِمَ منه غير المسلمين، خاصة  دول الغرب؛ حيث يهتم أهله بالقيم المادية والاقتصادية، ويهملون القيم الدينية والمعنوية، ومن ثم ضعفت مكانة الدين كما ضعف تأثيره في حياة الناس، فانتشرت الجريمة، وكثر الانحلال الخُلقي وعمَّ حتى توالى حدوث الأزمات المالية، والاجتماعية حتى كادت أن تهوي به إلى هاوية السقوط، وهو ما تنبَّه إليه مؤخرًا عقلاء تلك المجتمعات، فأصبحوا ينادون بالتزام القيم والأخلاق الحميدة.

 

وفي نهاية هذه الكلمة نرفع أيدينا مدفوعة بداعي التضرع والخشوع بين ملك الملوك الواحد الأحد ذي المُلْك والملكوت أن ينصر صاحب الجلالة أمير المؤمنين حفيد سيد المرسلين "الملك محمد السادس"، اللهم كن له معينا ونصيرا وحافظًا، وارزقه بطانة الصلاح والفلاح التي تحقق على يديه مصلحة البلاد والعباد، واجعله لدينك ولأمتك وسنة نبيك ناصرًا ومؤيدًا. وارزق بلاد المغرب ومصر الأمن والسلام والرخاء وسائر بلاد المسلمين.

وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وآله الطاهرين، والصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

والختم من مولانا أمير المؤمنين.



[1]))لمزيد من التوسع في ذلك انظر: كتاب الأخلاق للأستاذ أحمد أمين، ط. مكتبة النهضة المصرية- القاهرة،ومقدمة في علم الأخلاق، للدكتور محمود حمدي زقزوق، ط. دار القلم –الكويت، ودارسات في فلسفة الأخلاق للدكتور محمد عبد الستار نصار، ط. دار القلم-الكويت.

[2]))أخرجه ابن وهب في جامعه (باب العزلة)، رقم: 492.

[3]))الموطأ (كتاب حسن الخلق/ باب ما جاء في حسن الخلق)، رقم: 8.

[4]))أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (باب الميم/ من اسمه محمد)، رقم: 6895، وكذلك في جزء "مكارم الأخلاق" (باب فضل محاسن الأفعال)، رقم:119.

[5]))قامت بعض الدراسات بدراسة بعضٍ من تلك الكتب دراسة تحليلية اقتصادية انظر: "من التراث الاقتصادي للمسلمين" للدكتور رفعت العوضي، و"مصادر التراث الاقتصادي الإسلامي" للباحث ياسر الحوراني، وهو بحث منشور ضمن أبحاث موسوعة "الاقتصاد الإسلامي في المصارف والنقود والأسواق المالية"، المجلد الأول، نشر دار السلام بالقاهرة، بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

[6]))دور القيم والأخلاق للدكتور القرضاوي (ص: 115).

[7]))للتوسع في ذلك خاصة ما يتعلق بنصوص القرآن الكريم، انظر: منهج القرآن الكريم في تأصيل أخلاق التعامل المالي، دارسة تفسيرية تحليلية، للأستاذ كامل محمود الشرباتي، وهو بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الدكتوراه من كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية- الجامعة الإسلامية العالمية- ماليزيا، سنة 2005م.

[8]))انظر: التحرير والتنوير للعلامة محمد الطاهر بن عاشور (19/185).

[9]))على خلاف في وقوع التحريم للربا تدريجيًّا، انظر في ذلك:دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية للدكتور محمد عبد الله دراز (ص: 157)، الربا والقرض في الفقه الإسلامي للدكتور/ أبو سريع محمد عبد الهادي (ص: 21)، البنوك الإسلامية للدكتور عبد الله بن محمد الطيار (ص: 56).

 

 

[10]))التحرير والتنوير (2/187).

[11]))راجع: مقدمة ابن خلدون، ط. الشعب (ص: 255-257).

[12])) أخرجه البخاري (كتاب البيوع/ باب إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا)، رقم: 2079، وأخرجه مسلم (باب الصدق في البيع والبيان)، رقم: 1532، والاستدلال بعَجُز الحديث لا بصدره، وفقه صدره عند المذهب المالكي يتلخص في أربعة أقوال لخصها الشيخ الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (3/134)، حيث قال: "قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ]: حَاصِلُهُ: أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى خِيَارِ فُلَانٍ أَوْ رِضَاهُ أَوْ بَاعَهَا عَلَى خِيَارِهِ أَوْ رِضَاهُ فَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا اسْتِقْلَالَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا فِي الْخِيَارِ وَالرِّضَا، وَالثَّانِي: لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا فِي الْخِيَارِ وَالرِّضَا، وَالثَّالِثُ: لَهُ الِاسْتِقْلَالُ فِي الرِّضَا بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ فِي الْخِيَارِ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا، وَالرَّابِعُ: لَهُ الِاسْتِقْلَالُ إنْ كَانَ بَائِعًا فِي الْخِيَارِ وَالرِّضَا وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا، فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ فِي الْخِيَارِ وَالرِّضَا كَذَا فِي خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ" اهـ.

[13]))أخرجه ابن ماجه في سننه (كتاب التجارات/ باب الحث على المكاسب)، رقم: 2139.

[14]))المدخل (4/31).

[15]))سير أعلام النبلاء (6/387)، ويونس، هو يُونُسُ بنُ عُبَيْدِ بنِ دِيْنَارٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ العَبْدِيُّ مَوْلَاهُم البَصْرِيُّ، الإِمَامُ، القُدْوَةُ، الحُجَّةُ، مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَفُضَلاَئِهِم (ت: 139 أو 140 هـ).

[16]))تاريخ دمشق لابن عساكر (52/81).

[17]))متفقٌ عليه.

[18]))جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة/ باب الأمر ببيعة الخلفاء الأول فالأول)، رقم: 1844،

[19]))أخرجه البخاري (كتاب البيوع/ بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ)، رقم: 2076.

[20]))انظر في ذلك: المدخل لابن الحاج (4/73)، والأدب النبوي، للأستاذ/ محمد الخولي، ط. دار المعرفة (ص: 35).

[21]))أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان/ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا")، رقم: 101.

[22]))أخرجه الإمام أحمد في المسند (مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)، رقم: 5113.

[23]))حاشية الصاوي على الشرح الصغير (3/71).

[24]))كفاية الطالب الرباني، ومعه حاشية العدوي (2/152) بتصرف يسير.

[25]))البيان والتحصيل، ط. دار الغرب الإسلامي (9/319).

[26]))انظر في ذلك: الذخيرة (5/86)، والتاج والإكليل (6/195).

[27]))المدخل لابن الحاج (4/150).

[28]))التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب البغدادي (2/150).

[29]))أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الطلاق/ باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر)، رقم:1513.

[30]))شرح النووي على صحيح مسلم (10/156).

[31]))(2/191).

[32]))المنتقى شرح الموطأ (4/204).

[33]))أخرجه البخاري (كتاب الحيل/ باب ما يكره من التناجش)، رقم: 6963.

[34]))أخرجه البزار في مسنده رقم: 5942.

[35]))الكافي في فقه أهل المدينة (2/739).

[36]))أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الطلاق/ باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية)، رقم: 1515.

[37]))حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (2/189).

[38]))المرجع السابق.

[39]))أخرجه مسلم (كتاب الطلاق/ باب فضل الغرس والزرع)، رقم: 1554.

[40]))أخرجه ابن حبان في صحيحه (باب الجائحة)، رقم: 5032.

[41]))بداية المجتهد (3/203)، المقدمات الممهدات (2/538).

[42]))أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب/ باب تحريم الظلم)، رقم:55.

[43]))أخرجه الترمذي في جامعه (أبواب البر والصلة/ باب ما جاء في حسن الخلق)، رقم: 2003م.

أحمد التوفيق والشعور الوطني عند المغاربة

 افتتح السيد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدروس الحسنية الرمضانية بالقصر الملكي العامر بالرباط يوم  الخميس الثاني من رمضان 1434ه الموافق 11 يوليوز 2013م. تناول فيه موضوع :"الشعور الوطني عند المغاربة"، انطلاقا من قوله تعالى:"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور".

 

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحابته الأكرمين

 

مولاي أمير المؤمنين

إن أقوالكم وأفعالكم التي هي تصرفات قيادية،وتخطيطات ملوكية، تحمل معها وفي ثناياهَا نَفَسا وطنيا، وجذوة قوميةً تجدد الشعور الوطني لدى المغاربة، أما تجاوب رعاياكم مع نفسكم الوطني فهو يستند إلى رصيدهم التاريخي، ولذلك وددت أن أتناول في هذا الدرس، بعد إذنكم، ما يشبه التذكير المجمل بملامح هذا الرصيد وبارزِ تجلياته.

 

مولاي أمير المؤمنين

أستأذن جنابكم الشريف في طرح هذا السؤال: ما هو الشعور الذي يغمر نفوس كثير من المواطنين في مملكتكم اليوم؟ لا أقصد المشاعرَ أمام أنواع المشاكل والهموم التي تنم عن الغيرة والمسؤولية والطموح إلى الأحسن، ولكن أقصد التعبير الذي نسمعه من مختلف الفئات على النحو التالي: "هذا البلاد معها شي بركة وعناية ربانية". من منا لم يسمع مثل هذا التعبير أو لم يُحس بمثل هذا الشعورِ في قرارة نفسه؟ المراد من هذا الدرس، يا مولاي، أن نبين بقدر الإمكان أنها عناية سابقة لها شواهدها في التاريخ، إذ تجلت في هداية الله المغاربة إلى اختيارات حاسمة، وأعمال جليلة، هي التي نجني ثمارها اليوم في مسارنا الوطني.

ليس الشعور الوطني شعارات قولية ترفع، بل هو وقائع تاريخية بنى من خلالها المغاربة شخصيتهم المتميزة، في ميادين السياسة والمجتمع والثقافة، ومن خلال التفاعل مع الأرض وكل ما تتجلى فيه عبقرية الإنسان وعطاء المكان.

إن الشعور الوطني في حياة شعب من الشعوب يتجلى في أربعة مظاهر هي:

أولا: دفعُ الغزو الأجنبي، ويقابله ما وصفته السنةُ المطهرة بالجهاد الأصغر؛ وسنذكر له أمثلة من تاريخ المغرب؛

ثانيا: دفع كل تهديد داخلي صادر عن أي جهة تضر بسيادة الوطن أو هويته أو أمنه أو استقراره أو مسيرته بتقديم مصلحة فردية أو فئوية، والحال أن الوطن كيان سام يفترض من جميع المنتمين إليه مراعاة المصلحة العليا وهي مصلحة الوطن؛

ثالثا: كل أعمال البناء التي تخدم الوطن، لاسيما في وضع المقومات المشكِّلة لشخصيته، أو المسهمة في قوته وعزته، وهذا في الحقيقة شعور من خلال براهينه، وعلى هذا الصنف سنركز في معظم أمثلة الدرس، ويقابله ما وصفته السنة بالجهاد الأكبر؛

رابعا: كل أعمال صيانة المكتسبات وتجليات الشكر لله عليها.      

وسنمهد للحديث في هذا الموضوع من خلال مقدمات ثلاث، أُولاها تهم تداول مفهوم الوطنية والشعور الوطني في التاريخ الأوروبي، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية. وثانيتها تتعلق بتأصيل مضمون الشعور الوطني في الدين بالاستناد إلى الآية التي اخترناها منطلقا للدرس. وثالثة المقدمات في كيفية تجاوز الحرج الذي وقع فيه من امتعض في أفق الإسلام من فكرة الوطن والوطنية، قائلا إن الانتماء لا ينبغي أن يصح إلا إلى الأمة.

 

المقدمة الأولى

ما من شك في أن محبة الوطن قديمة بقدم العالم، والشعور الوطني هو الذي عبأ عددا من الشعوب ضد الغزو والظلم، وهو محبة تتخذ أفقا يستند بدرجات متفاوتة إلى عناصر مشتركة كالجغرافيا والجنس واللغة والدين والعوائد والتاريخ. وببروز ظاهرة الشعور الوطني بوضوح أكبر في العصر الحديث نجد المفكرين يتتبعونها، إما بفهم تجريبي عقلاني تعاقدي، وإما بفهم نظري مثالي وصوفي. فميشليMicheletمثلا يرى أن المهم في الوطنية هو الاشتراك في الشعور بقطع النظر عن أي شروط أخرى، ومنهم من يرى أن العناصر المادية المذكورة لا تكفي، إذ لابد من نَفَس حياة، ومنهم من أعطى الأهمية لمقوم دون آخر مثل رانكه  Rankeالذي يرى أن أهم ما يُسند شعورا وطنيا هو وقائع التاريخ. ومنهم من يرى مثل مامسن Mommesenأن أساسه الاشتراك في الأفكار والمصالح والذكريات والآمال، ويرى هنري بير Henri Berrأن الأمة الحاملة لشعور وطني تحتاج إلى دولة خاصة بها مقبولة منها. والذي نخرج به من هذه المقدمة تأكيدُ الأهمية التي أعطاها بعض المنظرين للتاريخ، لأن التاريخ هو الذي يصنع الوقائع، بينما تقوم الفلسفة بتنظيمها.   

 

نمر بعد هذا إلى المقدمة الثانية، وتدور حول الآية التي اخترناها منطلقا للدرس، قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿الذِينَ إِنْ مَكَنَّاهَمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الاُمُور﴾.

إن هذه الآية الكريمة من أنسب ما في القرآن الكريم لتأصيل المفهوم الذي نحن بصدده في الدين، موضوعِ الوطنية والشعور الوطني، لأن الفطرة تأبى والمنطق لا يقبل أن يغيب هذا المفهوم الأصيل عن الدين، وقد لا يتنبه لهذه الآية من يعتبر ذلك المفهوم مقترنا بنزعات من قبيل الحمية والتعصب، أو حتى مدافعة العدو التي ليس من ورائها الانتصار للحق. فلنرجع أولا وباقتضاب إلى أقوال المفسرين في الآية المذكورة:

وقف المفسرون أولا عند المقصودين ب"الذين" فقال بعضهم هم المهاجرون، لأنهم تمكنوا من مكة عند الفتح، وقال آخرون هم الخلفاء الراشدون، لأنهم قاموا على الشروط الواردة في الآية، وقال معظمهم إنها عامة تعني كل الأجيال المتعاقبة من المؤمنين. ووقفوا عند "التمكين" فقالوا التملكُ للأرض والتوطينُ والسلطنةُ فيها، ذهب البعض إلى أنها في ولاة الأمور، لكن ابن كثير نقل في تفسيره كلاما نفيسا عن عمر بن عبد العزيز يدل على تصور تعاقدي يقول فيه: إنها، أي الآية، ليست في الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، يؤاخذهم بحقوق الله، ويأخذ لبعضهم من بعض، ويهديهم للتي هي أقوم ما استطاع، وعليهم الطاعة غيرُ المبزوزةِ ولا المستكرهِ بها ولا المخالِفِ سرُّها علانيتَها. وبلغ الشيخ ابنُ عاشور الغاية في فك بعض أسرار الآية عندما قال: "الكلام في الآية مسوق للتنبيه على الشكر".

وبمزيد من تدبر الآية نقف على أنهاتتضمن عددا من مقومات الوطن والوطنية وهي:

  1. العنصر البشري وهم الممكنون؛
  2. الأرض أو المكان؛
  3. الاستيطان الراسخ؛
  4. سيرورة يحصل بها التمكن وهي التاريخ؛
  5. حصول وعي استتبع الشكر وهو ما يقابل أسمى صور الشعور الوطني؛
  6. اقتران تمكن الجماعة بوجود الدولة التي سماها مفسرون سلطنة؛
  7. بلورة هذا الشكر على التمكين في برنامج؛
  8. شمولية هذا البرنامج، حيث إن الصلاةَ تعطي معنى الحياة وتجدده باستمرار، والزكاةَ تدخل في توازن المجتمع، والأمرَ بالمعروف يُقوِّم السلوك بالوعظ أو القانون.

هكذا، فالعلاقة التي يمكن أن تكون بين المواطن والوطن من منظور هذه الآية هي علاقة التعبير الفعلي عن الشكر الموجب للالتزام.

وليس هناك من دليل على أن الشرط في هؤلاء الممكنين في الأرض أن يكونوا كل الأمة، وأن تكون أرضهم تشمل كل الأرض، فقد ورد التمكين في القرآن بصدد أقوام معينين وفي أرض محدودة، ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾(الأعراف 09) وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الاَرْضِ﴾(يوسف 56) بل إن مما يمكن أن يستشف من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمُ﴾حضٌّ على التعارف الذي يتبعه الاعتراف مع الإبقاء على الشعوب والقبائل دون صهرها في كيان سياسي واحد. فالأمة واحدة بالتوحيد وبشعور التضامن الذي يجعلها كمثل الجسد الواحد.

أما المقدمة الثالثة حول العلاقة بين الوطن والأمة، فيتضح الكلام فيها بوقائع بارزة على امتداد تاريخ المغرب ومنها:

  1. البناء السياسي النابع من العمق الاجتماعي في توازن مع الانتماء للأمة؛
  2. خدمة الأمة بالرسالة الدينية والحضارية، لا سيما في الأندلس وإفريقيا؛
  3. الإبداع الحضاري الممَّيز للمغرب، والذي يعد، بكيفية منطقية، إسهاما في حضارة الإسلام من جهة، وإسهاما كمكون إسلامي في حضارة الإنسان من جهة أخرى.

إن المثل التاريخي الحي الذي قدمه المغرب في أحوال تدينه وفي رعايته لأواصر الانتماء للأمة لا يحتاج إلى مزيد دليل. والجدال بين دعاة التيار القومي وبين حملة الحنين إلى السديم الأممي جدال لا يقر بتجارب الأمم، ولا يتدبر أشكال التقارب والتباعد بين الوحدات السياسية والاقتصادية والثقافية بحسب معطيات تستجد كل يوم في العالم. 

 

ومما يدخل في هذا المعنى التنبيه إلى ما كان لبعض الأوطان من ادعاء الترشح لمصير متميز أو استثنائي، استنادا إلى أحاديث نبوية في فضائل أوطانهم، ومن هذه البلدان اليمن والشام والعراق ومصر والمغرب. والحديث المذكور بصدد المغرب هو الذي جاء بصيغ منها في رواية مسلم بسنده إلى سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".

والمؤرخ يهمه من هذه النصوص أن ينظر إليها من جهة دلالتِها الواقعية وتأثيرِها النفسي على المعنيين بها، فهل تُصدَّق وقائعُ تاريخ المغرب هذا التميزَ الموعى به من البداية إلى يومنا هذا؟


سنحاول بحول الله القيام بإطلالة على هذه الوقائع عبر ثلاث مراحل هي:

أولا: مرحلةِ التشكل والتأسيس، وتمتد مما قبل الإسلام وبعده إلى نهاية الموحدين؛

ثانيا: مرحلةِ الاستكمال والترصيص، وتمتد على العصرين المريني والوطاسي؛

ثالثا: مرحلة التنزيل والتكريس، وتمتد على العصرين السعدي والعلوي.


لقد أظهرت أبحاثُ الأنطروبولوجية الفيزيائية أن العنصرَ الأمازيغي الذي هو العنصرُ المتمكن في هذه الأرض منذ العصر القديم، ذو هوية لا يحددها الجنس بقدر ما تحددها الثقافة، فالمغرب بوثقة انصهرت فيها جملةٌ عديدة من الأجناس، ولكن شخصيته الثقافية انبنت على لحمة لها من الصلابة ما للحمة الجنس والقربى. في ميزة هذا الانتماء الثقافي تكمن مؤهلاتُ التساكنِ المتعدد الذي هو تمرين دائم على قبول الآخر.

وقد ابتُليت هذه الصلابة ونجحت بتحديات منها:

  1. التعامل السلمي مع شركاء أجانب مثل الفينيقيين؛
  2. المقاومة الشديدةُ للإمبريالية والاستعمار في العصر القديم؛
  3. إظهار الطابع الخصوصي في تقبل المسيحية على المذهب الأريوسي ذي النزعة التحررية، وهي علامة مبكرة على التمييز بين الدين وبين الاستغلال السياسي باسم الدين.

ولابد من الإشارة إلى ثلاث ظواهر برزت مبكرة منذ ذلك الوقت وهي:

أ‌)      انعكاس الاختلالات الداخلية على درجة التعامل مع الدخيل؛

ب‌) الاستعداد للاستلاب الثقافي الأجنبي لدى نخبة من السكان؛

ت‌) النضال لرفع التقسيم الثلاثي المفروض من الخارج عدة مرات على بلاد المغرب الكبير.

تتمثل المظاهر الداعمة للوعي بالكيان المتميز من وقت الانفتاح للإسلام إلى قيام المرابطين في وقائع مؤسساتية عظمى، سياسية ودينية وبشرية وحضارية.

ففي الجانب السياسي انتمى المغرب بوعيه وواقعه إلى فضاء الإسلام، وبعد تجربةِ أقلَّ من قرن تحت الولاة الجهويين العاملين باسم الخلافة الأموية في دمشق أو الخلافة العباسية في بغداد، واجه وضعا سبق أن عرفه في العهد الروماني حيث كان عليه أن يختار بين الانتماء إلى الأخذ بالحق الذي يمثله الدين، وبين معاناة الظلم في المعاملة من قبل ولاة يحكمون باسم الدين، حيث إن جوهر الدين هو الهداية ولا يمكن اختزاله في مجرد جباية، فقرر أن يؤسس مع الأدارسة دولته المستقلة وملكيته الممتدة إلى اليوم.

ومما يدل على أن هذا الاستقلال يدخل في التدبير الرباني لمصير أمة أريد لها التمكين، أنه وقع على يد شخص أعزلَ دخل المغرب لاجئا من المطاردة السياسية، هو إدريس بن عبد الله. وقد ترتب عن اختياره إدخال عناصرَ جوهريةٍ في الكيان الوطني المغربي أبرزها:

  1. قيامُ نظام البيعة؛
  2. قيامُ النظام الملكي في المغرب؛
  3. اختيارُ المغاربة لصف أهل السنة والجماعة؛
  4. اختيارُ مذهب الإمام مالك في الفقه مبكرا؛
  5. قيامُ شروط التحكيم السياسي المؤسِّسِ لمشروع دولة، وسط اتحاديات كبرى من القبائل. 

وليس قيامُ الأمازيغ حول المولى إدريس الثاني ببناء مدينة فاس مجردَ تحول طوبوغرافي في مركز الحكم، بل هو تأسيسٌ للعاصمة، لأن الشعور المصاحب لبناء مدينة عاصمة شعور تأسيسِ الجماعة تأسيسا يرمز إلى الأمة في حدود الوطن وبقيادة إمارة مبايعة، وقد أتى لإغناء هذا التأسيس ذلك الصنيعُ المجيد الذي قامت به امرأة، هي فاطمة الفهرية، حيث زرعت في قلب هذه العاصمة جامعا ينطلق منه خطابُ الجماعة والأمة والإمارة، جامعا نموذجيا بالأسبقية، تقام فيه الصلاة ويُحض فيه على الزكاة والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وتنشأ فيه وحوله ثلةٌ من العلماء تدافع عن اختيارات الأمة في وقت كانت تتعرض فيه لمناوشات مذهبية مخالفة.

هكذا اجتمعت في أقلَّ من قرنين عناصرُ أساسيةٌ في بناء الأمة، عناصرُ تبني الشعور بالانتماء بقدر ما تبني الكيان الوطني بمقومات تتعدى شروط العيش، لتشمل بناء معنى الحياة في إطار الانتماء إلى الدين.

كان الاستقلال السياسي تصحيحا عن طريق اختيارات أسفرت عن موقف عقلاني لم ينكر الأمة باسم الاحتجاج، ولو كان مشروعا، بل رتب أواصرَ تأسس عمَّقها على رابط المحبة في آل البيت، ثم على الارتباط الفكري مع مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، باختيار مذهب مالك، ثم على هذه الرحلات العلمية المؤسسة لأسانيد المشيخة، أضف إلى ذلك الإقبالَ على الحج، كل هذه وشائج أدوم وأقوى مع الأمة، تتعدى آثارُها علاقةً سياسية بمركز حكم بعيد لا تنتج إلا التوتر.

ومن الظواهر المرتبطة بهذا المسار المغربي ظاهرةُ التجاوز، ونعني به المرور من الانفعال إلى الفعل، وأولُ تجلياته قيامُ المغاربة الذين لم تمض على أسلمتهم سوى مدة عقدين، قيامُهم بنقل الدين والحضارة إلى الأندلس.

آل حكم الأندلس إلى الأمويين في الأندلس بعد سقوط دولتهم في الشام، وهذا يعني أن جسما سياسيا ذا ملامح شرقية قد حل على أميال من حدود المغرب الشمالية، وليس في شرقيته من بأس، لولا أن هذا الجسم كانت له أطماع في المغرب، جلبت هموما للأدارسة وعمِلت على استغلال قيِام إمارات على أنقاضهم، وحدثت للمغرب مشاغلُ ناتجة عن أطماع مماثلةٍ من جهة الشرق بعد أن قامت في إفريقية، تونس الحالية، الدولة الفاطمية التي كانت أطماعها في المغرب أخطرَ من مجرد أطماع سياسية، إذ كانت أطماعا عقدية تهدف إلى نشر المذهب الشيعي.

لم يكن الشعور ببناء الهوية ليتثقفَ ويصمدَ للأطماع الخارجية وقوى التفرقة الداخلِية على مستوى الهيكلِ السياسي الأعلى لو لم تَسنده في القاعدة مؤسساتٌ تمثلت على الخصوص في المساجد وفي مشيخة العلماء، ثم في النخب الحضرية، وفي حماس القبائل  لانتداب أبنائها للتفقه في الدين وفي إنشاء زعامات معنوية إلى جانب ما كان لها من زعامات حربية.    

ونستطيع أن نقرر أن العلماء كانوا في العمق يضعون للمشروع الوحدوي أسسا صلبة لا تتأثر كثيرا بالتقلبات السياسية، وإلا كيف نفهم أن أبا عمران الفاسي، وهو في قمة هرم السلطة الدينية في القيروان يستعمل شبكة الاتصال العلمي الديني المخترقة لهذا المجال، ويتدخل لدى سلطة علمية أخرى في مدرسة رباط نفيس، قريبا من المكان الذي بنيت فيه مراكش فيما بعد، لينتدب له تلميذا من عيار عبد الله بن ياسين المصمودي، ليرافق زعماء صنهاجة إلى الصحراء ويهيئ معهم قيام دولة المرابطين.

فهذا الفاسي في القيروان، وهذا الصنهاجي المكون للعلماء في نفيس، وهذا المصمودي من أعيان المتخرجين به، خططوا ما بين خليج سرتة في الشرق ونهر السينغال في أقصى الجنوب الغربي على شاطئ المحيط، خططوا لمشروع سياسي وحدوي تدعو إليه الضرورة.

وهنا نقف في الشوط الأخير من مرحلة التأسيس، وهو الشوط الموافق لدولتي المرابطين والموحدين، على واقعتين وهما قيام الدولتين المذكورتين على أساس عصبيتين قبليتين، فهل العصبية هنا تعني التعصب القبلي بالمفهوم الجاهلي؟ لو كان الأمر كذلك لما وجدنا في أصل المشروعين فقهاء. بل المدهش تاريخيا هو هذا التناوب التاريخي الصارخ المتمثل في زعامة الكتل البشرية القبلية الثلاث الكبرى، صنهاجة ومصمودة وزناتة، أسهمت كل واحدة منها في بناء كيان الوطن عن طريق بناء الدول وإنتاج الحضارة، وذلك على امتداد خمسة قرون من الاستمرار، وهذه المحصلة تُعد من أعظم الشواهد على ما يمكن أن نسميه بعقل التاريخ المغربي القاصد منذ البداية إلى وجهة تهيأت فيها أدوار أتاحت بناء الكيان، لبنةً لبنة، وركنا ركنا، على سبيل شكر النعم مع تنامي الوعي بضرورة صيانته والعض عليه بالنواجذ.

لقد أتاح قيام الدولتين المرابطية والموحدية وقائع وعناصر، ومن أهمها:

  1. الصمودُ أمام النورمانديين والقشتاليين على الخصوص؛
  2. ترسيخٌ نهائي لمذهب السنة في المغرب؛
  3. الاحتياطُ من الأطماع الخارجية ولو من جهات سياسية مسلمة؛
  4. تعبير المغرب عن الانتماء للأمة رمزيا عندما تسمى سلاطين المرابطين بلقب "أمير المسلمين"؛
  5. تجربةُ صنف من النظام السياسي التشاوري كان الحاكم فيه يُصغي إلى رأي العلماء في بعض أمور البلاد؛
  6. اغتناء تدين المغاربة بالسلوك الروحي المعروف بالتصوف، وقد تميز خاصة بغلبة الطابع الاجتماعي، وحتى في الجانب العرفاني، نجد ابن عربي في رسالة الانتصار، يعبر عن التميز المغربي في هذا المجال ويقول: "فتح المغرب لا يجاريه فتح
  7. قيام الفقهاء بوضع نموذج للتعبير عن الكمال المحمدي من خلال كتاب الشفا للقاضي عياض؛
  8. قيام تجربة بنى فيها ابن تومرت مشروعه السياسي على الخلاف الجزئي منذ ذلك الوقت، خلافٍ تمثل في جزئيات من التوحيد أُقحم فيها عوام الناس، ثم ركز على أمور لاستهواء العامة مثل كسرِ آنية الخمر، وكسرِ آلات الموسيقى، ونهر النساء على عدم التزام حجاب معين. وحيث إن هذا المسلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كشف غير ما مرة على خلفياته السياسية فقد صار مبتدلا لا يحمل أي مفاجئة بالنسبة للمغرب؛
  9. إعطاء برهان آخر على قدرة الكيان البشري المغربي على استيعاب عناصر جديدة وتركيبها في هويته المتعددة أصلا، وذلك حين دخلت المغرب قبائل من عرب بني هلال واستوطنت سهول الغرب ثم تقدمت إلى سهول أخرى؛
  10. تزايد تدفق عنصر آخر على المجال المغربي وهو العنصر السوداني، من غانا ومالي، مع ما رافقه من تبادل في الحضارة المادية واللامادية، يضاف إلى مراجع الهوية الوطنية.

إن التبادل الحضاري الثري مع الأندلس كان أعظم عائد على تدخلات المغاربة وتضحياتهم في ذلك المجال لعدة قرون.

بنهاية هذا العصر الموحدي استُكمل جل عناصر الشخصية المغربية في بناء الدولة وتركيب المجتمع وإرساء الثوابت الدينية وبناء الحضارة والتمرس بتبعات العلاقات الخارجية والروابط مع الأمة وتحمل الرسالة الحضارية إزاء آفاق في الشمال وفي الجنوب.

يتأتى لنا الآن أن نمر إلى المرحلة التي أسميناها مرحلة الترصيص، وتوافق العهدين المريني والوطاسي، والمقصود بالترصيص كما أسلفنا تثبيتُ المقومات المتبناة على أساس اختيارات موفقة، وإن كان النموذج الموحدي في قوة الدولة واتساع مداها وفخامة تراتيبها وزخم العلم والفكر حول سلاطينها قد انتصب نموذجا لبقية الدول الموالية.

والواقع أن ملوك بني مرين حافظوا على مجمل الإرث، غير أن عهدهم تميز بثلاثة أمور أساسية هي:

  1. حركة تصحيحية تمثلت في إزالة كل آثار العقيدة التومرتية وعودة التأثير للفقهاء المالكية على الدولة، بشكل معتدل بالنسبة للعهد المرابطي، وعلى المجتمع من خلال المساجد والمدارس التي انتشرت بوثيرة غير مسبوقة؛
  2. إدماجُ عناصر بشرية جديدة في الجهات الشمالية للمملكة، منها العنصر الزناتي المترحل الذي أسس هذه الدولة والذي دخل في سيرورة استقرار واكبتها حركةُ تعريب متسارعة؛ ومنها عنصرٌ عربي جديد أكثر بداوة من السابق وهو العنصر المعقلي المتكون خاصة من ذوي منصور وذوي حسان؛
  3. تحقيق درجات من الترقيق والتأنيق في جميع مناحي الحياة المعيشية الحضرية؛
  4. قيام حركة علمية وفقهية وأدبية غير مسبوقة في كثافتها؛
  5. ظهور عناصر يستشف منها بوضوح إحساسٌ إضافي عند المغاربة بهويتهم وخصوصيتهم، ومن بين هذه العناصر:

أ‌)       نشاط الكتابة التاريخية المتخِذةِ للمغرب الأقصى مركزا ومنطلقا؛

ب‌)       ظهورُ الكتاب الشهير الذي ألفه ابن عبد الحليم الأيلاني حول مفاخر البربر مع ماله من مغزى ودلالة.

في عهد بني وطاس وقعت وقائع هيأت لمغرب ذي ملامح فيها تغيرات ملموسة بالنسبة للتاريخ السابق، فقد احتل الإيبيريون مدينة سبتة وسقطت الأندلس، وخرج الأوروبيون لغزو العالم الجديد، وفي طريقهم احتلوا عددا من مدن المغرب بين طنجة وأكادير، فكان الظرف ظرفَ اختبار لحمية المغاربة ولمشاعرهم الوطنية في وقت وصلت فيه الدولة إلى الدرك الأسفل في قدرتها وهيبتها في الداخل والخارج، ولم تعد هناك قوةٌ قبلية عصبية كالقوى الأمازيغية التي أسست الدولَ الثلاث الكبرى، وكانت التجارةُ وتزايدُ مراكزها في المدن مما أضعف أواصر العصبية القبلية، ولكن عبقرية هذا التاريخ المغربي كما أشرنا قائمةٌ على إيجاد البدائلِ أمام كل الأزمات، فالتصوف الشعبي الذي تعمق في جميع الفئات بين القرن الثامن والقرن العاشر، أسهم هو أيضا في إضعاف البنى القبلية، ولكن هذا التصوف هو الذي خرجت من رحمه القوةُ الوطنية الجديدة المرشحة، لا للمقاومة والتحرير وحسب، بل للاقتراح السياسي وفق متطلبات الوقت. تكونت هذه القوة الصوفية من تلاميذ الشيخ محمد بن سليمان الجزولي مؤلفِ دلائل الخيرات، وبجهادهم التحريري أمكن إنقاذُ المغرب لا من مصير استعماري وحسب، بل من مصير حضاري كان سيُلحقه بالعالم المسيحي الغربي، كانت حركته وطنية على الخصوص لأنها لم تجاهد مقابل الوصول إلى الحكم والاستلاء عليه باسم الدين.

هنا نمر إلى المرحلة الثالثة التي أسميناها مرحلةَ التكريس، وتوافق العهدين السعدي والعلوي، والمقصود بالتكريس ضمانُ استمرارية المقومات التي تأكد إرثها وأصبحت جزءا من الهوية المركبة في السياسة والدين واللحمة الاجتماعية والثقافية، وتفترض هذه الاستمرارية حسنَ التمثلِ والتنزيلِ على مقتضيات ظروف لها طابعُ الأزمة.

هنا مرة أخرى يستنجد المغاربة بعنصر أساس ترصع في لوحة هويتهم وهو عنصرُ الشرفاء، وكأنه وُضع في حالة الاحتياط منذ نهاية الأدارسة، لأن قيادة البلاد في بدايات العصر الأوروبي الحديثِ المتصفِ بالغزو والجشع، تستدعي قوة لها الأهليةُ للتعبئة وللتحكيم في آن واحد.

جاء الشرفاءُ السعديون والشرفاء العلويون من الحجاز في القرن الثالث عشر الميلادي، سكن السعديون واحة تاكمدرت جنوبي تامكروت على وادي درعة. وسكن العلويون في قصورهم المعروفة في واحات تافلالت.   

لم نعد بحاجة إلى التذكير بالعناصر التي رأينا كيف دخلت تباعا في بناء الهوية، فكلها حاضرة، ولكن غياب عنصر الدولة القوية في هذا الظرف كان يعرض العناصر الأخرى للهشاشة والاضمحلال.

وسنقتصر على تحليل مظهرين من مظاهر الشعور الوطني على هذين العهدين، مظهرِه في حالة مواجهة الغزو الأجنبي، في عهد السعديين، ومظهرِه في حالة إعادة الوحدة الداخلية وإعادة بناء التوافق وخدمة المجتمع في عهد العلويين.

فقد فُرض على المغرب أن يتقلص إلى حدوده الحالية على وجه التقريب، وكان في تاريخه يشمل معظم شمالي إفريقيا، وفي القرن السادس عشر استولى العثمانيون على أجزاء من المغرب الأوسط. وبصدد هذا الجوار مع الترك يجدر القولُ إن المغاربة اعتبروا جميع المسلمين إخوة لهم في الدين، ولكنهم لم يجعلوهم على قدم واحدة في الوطنية. فقد كان للسعديين حذر من الأتراك كما كان لهم حذر من الإسبان على حد سواء، بل إن ذلك الحذر دفعهم إلى ربط علاقات التقارب والتبادل مع إنكلترا.

أما الجهاد لتحرير الأرض من المحتلين، فقد شاركت فيه جميع المكونات الأمازيغية والعربية والأندلسية، كان الناس العاديون من المتطوعين يقضون شهورا في قراهم أو مُدِنهم لجمع قوتِ العام، ويقضون الشهور الأخرى في رباطات الجهاد، وكان العلماءُ والطلبة يتَّبعون نظاما مماثلا، حيث يقضون الشتاء في المساجد والمدارس، ويقضون بقية العام في الرباطات القريبة من الأماكن المحتلة، وكانوا يعمرون هنالك وقتهم بالعلم والدرس والعبادة، يراقبون تحركات المحتل حتى تسنحَ فيه فرصة المواجهة. ولو كان هؤلاء المجاهدون يتصرفون بدوافعَ محليةٍ لما قاد يحيى الحاحي الجهاد لتحرير الجديدة، ولما هب أبو حسون السملالي من سوس لإغاثة سلا التي كان يهددها البرتغال، ولما جاء الدلائي من جهات خنيفرة لحماية المعمورة قرب القنيطرة الحالية، ولما ذهب الفاسيون لتحرير أصيلا، ولما أمر الشيخ عبدُ الله بنُ حسون من سلا تلميذَه العياشي بالدفاع عن طنجة.

وجاءت وقعة وادي المخازن لتبلور تحرك وطن بكامل مكوناته. لقد احتل البرتغاليون معظم شواطئ المغرب بين عام 1415وعام 1525، ولكن الاحتلال ظل مقتصرا على تحصينات على الشاطئ يُضيِّق عليها المجاهدون حتى حرروا جلها، وكانت معاهدة Tordissillasالتي أشرف عليها وباركها البابا ألكسندر الرابع بورجيا، قد نصت على أن يكون للبرتغال ما يغزوه من أراضي المغرب، ولإسبانيا ما تغزوه من بلدان المغرب الأخرى. وبعد تحرير عدد من الثغور على أيدي الدولة السعدية والقوى الشعبية المؤيدة، لها قرر البرتغال أن يقوم بمعركة كبرى في عمق التراب المغربي.

علم السعديون بمخطط الغزو فوقع الجمع الأول في مدينة سلا، حضره السلطان عبدُ الملك والمتطوعون من عدد من قبائل الشمال والجنوب، وأتى كل فريق بمعونة قبيلته، أما الجيش الرسمي فقد بقي في حراسة مواقع الجنوب. ولولا هذا الشعور الوطني العارم لم يكن لعبد الملك ولا لأخيه أحمد الذي لقب فيما بعد بالمنصور، لم يكن لهما أن يهيئا في شهر واحد ما يلزم لمواجهة آلة عسكرية أوروبية قوية في معركة تم الإعدادُ لها لمدة أربع سنوات، وشارك فيها إلى جانب البرتغاليين إسبان وإيطاليون وألمان.

وانتصر المغاربة وكان لانتصارهم وقع دوي وأثر دولي بعيد، وتوقف مشروع البرتغال بالاستيلاء على المغرب وإخضاعِ هويته لتبعات الغزو في ذلك العهد، ومنها التنصير. وبعد مضي ربع قرن على وقعة وادي المخازن، جاء مغامر إسباني اسمه خورخي دي هنين وقام بجمع المعلومات عن الإمكانات الدفاعية للمغرب، ورجع باستنتاج سهولة غزو المغرب لو أن الملك الأسباني بارك خطته وأعطاه خمسة آلاف من المقاتلين، ولكن ذكرى وادي المخازن جعلت مستشاري الملك فيليب الثالث  يقنعونه بأن لا أمل في نجاح تلك المغامرة، وهذه من الألطاف الخفية أيضا سيما وأن الدولة السعدية بدأ فيها الوهن والتفكك منذ أن توفي أحمد المنصور بالطاعون عام 1603، ولم يستطع خلفاؤه من أولاده صيانة إرثه.

وتمسك المغاربة بترشيح الشرفاء، وجاء قيام الدولة الجديدة على أيدي الشرفاء العلويين القاطنين بتافلالت.

ومع السلطانين الكبيرين مولاي إسماعيل (1672-1727) وسيدي محمد بن عبد الله (1754- 1792) سيتهيأ المغرب للعصر الحديث بشروط تحفظ مشاعره الوطنية بحفظ رافعاتها، وعلى رأسها الدولة القوية، وسنرى هذا التهيؤ من خلال مثالين:

أولهِما من عهد المولى إسماعيل، ويركز على استعادة قوة الدولة، والثاني من عهد سيدي محمد بن عبد الله ويَنصبُّ على سياسته في اتخاذ أسباب المعاش التي بها تزول أو تخف التوترات بين الدولة والمجتمع، ويكون الرخاء والاطمئنان اللذين بهما يُدفَع العصيان ويتفادى الكفر بالدولة والوطن معا.

كانت الأولوية في عهد المولى إسماعيل هي إعادة الوحدة واستعادة قوة الدولة ونشر الأمن في البلاد، وتعامل بصرامة مع منازعيه الطامعين في الحكم من أسرته أولا، ثم من بعض الأدعياء من المنتسبين لحركات دينية، وتعامل بحكمة مع القيادات الدينية ذات النفوذ الاجتماعي في جهاتها، حتى استيقن من وفائها لمبادئ الوحدة، ونخص بالذكر شرفاء الزاوية الوزانية وشرفاء الزاوية الشرقاوية في أبي الجعد بمنطقة الهضبة الوسطى، وآل الزاوية الفاسية. وأسس قوة عسكرية غيرَ مسبوقة في العدد والترتيب تذكر بالجيوش النظامية الحديثة، أراد بها أن تكون آلة لخدمة سياسة الدولة لا يقع لها ما يقع للقبائل من العصيان، وبنى عددا من حصون الحراسة حول الجبال، وأبدع نوعا من المراقبة المجتمعية الذاتية، واهتم بالعلائق مع قبائل معقل في الساقية الحمراء ومع أمراء الترارزة والبراكنة شمالي نهرِ السينغال.

من الطبيعي أن يكون هذا المجهود مما يتطلب نفقاتٍ باهظة، لذلك كانت لسياسته الضريبية آثارٌ سلبية تجلت في توترات اجتماعية.

وبعد هذا التمهيد أمكن لحفيده سيدي محمد أن يصب جهده على أولويات أخرى بعد إعادة بناء الدولة واستتباب الأمن.

فأول ما عالجه هو تحييد الآلة العسكرية التي أسسها جده بعد ان ظهر أنها صارت عائقا للاستقرار.

ثم عكف على إيجاد حل لمعضلة موارد بيت المال، لأن ثقل الضرائب بعد الجَوْرِ هو السبب في التوتر الاجتماعي، وذلك بأن اتجه إلى التجارة الخارجية، ففتح الموانئ التي على المحيط الأطلسي للتجارة، وضيق من القرصنة، وفي 1769أسس الصويرة وجعل مرساها رئيسيا في نشاطه التجاري مع الخارج، وتقاطر نتيجةً لهذا الانفتاح عددٌ من الأجانب على المغرب، وأسس بعضهم فروعا لشركاتهم، وبذلك تكوَّن نوع من نشاط الأُوفشورين الذي يفيد موارد البلاد دون أن يضر ببنية الاقتصاد المحلي. وقدم قروضا لفئة من التجار تسموا بتجار السلطان. ومن نفس المنظور الاجتماعي الجديد، نجد السلطان سيدي محمد يبادر عند وقوع مجاعة 1777فيوزع الحبوب على الناس من خزائن الدولة المسماة بمرس السلطان، ثم أعفى الفلاحين الصغار من الضرائب، وقدم قروضا قصد شراء الحبوب من قادس ولشبونة. ونظم نوعا من الجهاز الحكومي وزاد بإحداث وزارة للخارجية يسمى صاحبها وزير البحر، ثم أنشأ سلكا من الأمناء في المراسي والأمراس التي تتلقى الزكوات والأعشار. وبعد أن تبين أن القبائل والقوات الاجتماعية الأخرى لم تعد تستهدف استقرار الدولة ومشروعيتها أدخل في التعامل معها أسلوب اللين والحكمة والتفاوض والتحكيم.       

    

مولاي أمير المؤمنين

المستنتج مما جرى في العهدين الإسماعيلي والمحمدي هو أن ترتيب الأولويات في كل عمل وطني هو كالتالي: دولة قوية لضمان الوحدة والسيادة والأمن، وبذلك تتوفر شروط الحفاظ على الحماسة الوطنية بالعدل والكرامة وهما شرط العبادة لمن كان يسمع قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.

وهنا لابد أن نشير إلى أن المجتمع الذي تحمل الدولة كان منتظما في قواتٍ اجتماعية كالقبائل وأربابِ الحرف والصنائع في المدن، أو ملتفا حول زعامات دينية كالعلماء وشيوخ الزوايا، ولم يكن مجتمعا طيعا في جميع الحالات. وكان حفظ التوازن هو القاعدة الذهبية في التعامل مع هذه القوات، ومن الأمثلة على ذلك أن المولى إسماعيل استعمل قبيلة أمازيغية كبرى هم أيت يافلمان لإجبار قبيلة أمازيغية أخرى هم أيت عطا نومالو، لغرض اساسي وهو تأمين الطريق الرابط بين فاس وتافلالت المسمى بطريق السلطان.  

كان من شأن تلك الإصلاحات أن تهيئ للمغرب الحديث فيما يخص ملامح الدولة، وفيما يخص علاقاتها مع المجتمع، لولا تزايد الضغوط الأجنبية بأشكالها العسكرية والدبلوماسية والتجارية، وبعد قرن أخضعته تلك الضغوط لشروط مؤتمر مدريد، وهي التي مهدت للاستعمار، وقد كانت التعابير عن الشعور الوطني خلال القرن التاسع عشر كثيرة ومتنوعة، جمع بعض شواهدها المرحومُ الأستاذ محمد المنوني في كتابه "يقظة المغرب الحديث"، وجلها إما دعوة إلى الإصلاح وإما دعوة إلى الجهاد، ومما تجلى فيه الشعور الوطني الرسائل التي وضعها العلماء في بداية القرن العشرين للتنديد بالمستنصرين بالأجانب المعروفين بالمحميين. ووقعت مقاومة الاستعمار في الشمال والجنوب قبل دخوله وبعد دخوله بأكثر من عشرين عاما. أما الوطنية السياسية فقد بدأت في عهد المولى يوسف لتتبلور في الحركة الوطنية من أجل الاستقلال، ولا تخفى تضحياتُ هذه الحركة وعمقُها الشعبي، وما أكدته من أن الدولة تتشخص في رمزها الملك، كما برز في عهد جدكم محمد الخامس طيب الله ثراه، عندما تبلورت حول رجوعه من المنفى الحركة في مرحلتها الحاسمة.

تتحصل من البناء التاريخي الذي استعرضنا بعضَ معالمه مقوماتٌ أساسية فاعلة في حياتنا الحاضرة، هي النظام السياسي المبني على إمارة المؤمنين، والثوابت الدينية في العقيدة والمذهب والسلوك وما ترسخ من تقاليد التمكن بأرض الوطن الذي رُفع دلائل الخيرات شعارا لتحرير ما اغتصب منه منذ خمسة قرون، ورُفع القرآن في المسيرة التي دعا إليها والدكم المنعم مولانا الحسن الثاني تغمده الله برحمته،  وترسخ في الأخلاق الوطنية للمغاربة وتقدير نماذج الصلاح وأخلاق التساكن والتراحم بين سائر المكونات البشرية للمجتمع، وصيانة الأنفة في مواجهة الظلم والضيم، ورعاية المشاعر إزاء الأمة بالتضامن، ومواصلة العلائق الروحية مع آفاق إفريقيا خاصة، ومعانقة أمل تحقيق المجال التاريخي والطبيعي في أفق مغرب كبير، وهكذا فالمقومات التي شيدها الناس عبر التاريخ على أساس أنها اختيارات هي الأسباب الشرعية والموضوعية لما يشعرون بأنه داخل في بركة هذا البلد وفي عناية الله بمسيرته.   

 

مولاي أمير المؤمنين

تكتسي المقومات التي وقفنا عندها صبغة مؤسسات، ولكن المغاربة في تاريخهم بقدر، ما أفرغوا الجهد والمهج في إقامة المؤسسات، بقدر ما تألقوا في صنع الفكر والحضارة، نشير إلى هذه الحقيقة باعتبار أن كل ما يفتخر به المغاربة ويعرف علامة لهم في الداخل والخارج، يشكل عنصرا من شعورهم الوطني، ونستحضر مقولة لبعض المشارقة قال فيها على سبيل المنافسة منذ تسعة قرون: "لولا عياض ما ذكر المغرب". ويقصد الفقيه القاضي المعروف، وهو تنافس يؤكد قبل كل شيء الغبطة إزاء المغرب. وعياض رأس أجيال صنعت التميز الفقهي الذي جسده ما سمي ب"عمل أهل المغرب" وهو لهم إسهام وخصوصية، ويمكن ترجمة كل "عمل" بمصطلح Tradition، مغرب الكتاتيب القرآنية في كل قرية وحي، مغرب حفاظ الروايات السبع والعشر، مغرب دخل تاريخ الفكر بأمثال ابن رشد وابن طفيل وابن خلدون،ودخل تاريخ العرفان بأمثال ابن عربي وابن مشيش وابن عباد، ودخل تاريخ العلوم بأمثال أبي الحسن المراكشي وابن البناء، مغرب أغدق على الدنيا بعطائه في الأسانيد الروحانية التي تشد إليه القلوب إلى اليوم من مختلف بقاع العالم، مغربِ الرحالين والتجار والمكتشفين الذين حملوا البضاعة والفضيلة والرسالة إلى الأقاصي، وتركوا هنالك جميل الذكر والامتنان، مغربِ أهل الكرامات، كرامات أشخاص من أهل الصلاح كانت أمعاؤهم تتعرف على الطعام إذا كان من الكسب الحرام فتأباه، وأشخاصٍ كانوا يمشون على الماء إذا رأوا المنكر في السفينة، مغربِ أهل دلائل الخيرات وطوائف التحنن الشعبي الذي تتخلله لازمة واحدة هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، عند كناوة وعساوة وحمادشة وأمثالهم، مغرب الفنون اليدوية وعشرات الصناعات الأصيلة المتحدرة لنا من القرون، والتي يشتغل اليوم في مزاولتها الملايين، تتجلى في عمارة الدور والقصور وعمارة المساجد والمدارس خاصة، بأشغالها الرائقة على الجبس والخشب والزليج، مغربِ نمط العيش الرائق المباهي بلباسه وفراشه وبطيبات طبيخه وطعامه وألوانه، مغربِ التضامن والضيافة والرفد والإغاثة، مغربِ الأوقاف التي طالت وجوهُها أنواع البر حتى شملت الطير والبهيمة، مغربِ التعدد اللغوي والتنوع الثقافي الذي احتضن البلاغة وجوامع الكلم، وزخر أدبه الشعبي في مختلف اللغات الوطنية بما ينافس حكمة الأمم العريقة، تنوعٍ كرسه ووضع خارطته خطابكم التاريخي السامي يا مولاي بأجدير والدستورُ الجديد، مغربِ العاملين في المشاغل والطرازات من الحرفيين رواد كراسي العلم في الجوامع، الذين كان شعارهم على الدوام الكفاف والعفاف والغنى عن الناس، ولما دخلت منهم طائفة إلى معامل الصناعة الحديثة قال فيهم أحد كبار ساسة الغرب: "المغاربة سلالة صناع". مغربِ الفلاحين الذين يقترن عندهم خرز الأرض بالعرق والجهد والرجاء والدعاء، مغربِ ملايين المهاجرين إلى الخارج المتشبثين بثوابت الوطنية والدين، والذين تهفو قلوبهم كل عام إلى البلد ليسمعوا الأذان أو يشموا رائحة الزعتر والقيصوم، مغربِ التراث الشفوي الذي جعل صاحب كتاب "الممتلكات المعجبة" يقول: "اكتشفت في حلقة الفرجة بجامع الفناء أن الحكي له بنية مستقلة عن اللغة". مغربِ الفرس الأمازيغي وشجرة أركان، وحيث إننا لا نحصي نعم الله علينا في هذا الباب ولا في غيره نختم بالإشارة إلى مغربِ المرأة المغربية صانعة كل الفعال والمكارم، ويصدق عليها وصف سوزان ديفيس التي يفيد عنوان كتابها: أن المرأة المغربية في عالمها  سلطانة ولكنها سلطانة صبارة.

هذا المغرب يا مولاي، هو الذي انتهت إليكم رعايته وأمانته، تصونون حماه ترابا وإنسانا وعلى مدراج اليمن والنماء.         

 

مولاي أمير المؤمنين

 ربما فُهم من السؤال الذي ألقيناه في البداية، أن الحديث سيتخذ وجهة قراءة غيبية أو صوفية للتاريخ، بيد أن الوقائع التي اعتمدناها وقائع أثبتها البحث التاريخي الرصين، على أن المؤمن بالغيب يرى أن وراء كل الأسباب يَد الله الفاعل المختار﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. فالمؤمن في مقام انسجام في الفهم بين قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾وقوله تعالى ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾فلا يجدُ غضاضة في الموافقة بين قراءة واقعية وقراء ة ربانية، والحكم الشرعي يوجب الحرص على النعم بالشكر المتمثل في الأسباب، وبرنامج هذه الأسباب واضح في الآية التي انبنى عليها الدرس، وله شطران شطر الإيمان وشطر الإصلاح. كان من المفكرين الذين تكلموا في موضوع الوطنية في القرن التاسع عشر الإيطالي مازيني GiuseppeMazzini، ومن أقواله: "غاية التاريخ تحقيق مراد الله في الأرض". لكن تحقيق المراد الإلهي موكول إلى اجتهادات الناس، والتحدي القائم أمام المغاربة هو بلورة هذا الاجتهاد في حسن فهم البناء الذي آل إليهم ولا سيما بالتحقق وبأنه من ثمرات الاجتهاد بأنه بناء غال في قدره ونفيس في قيمته، يتطلب الاستمرار على الشكر من جهة، والفقهَ السياسي الكبير المتوقف على العلم والإخلاص من جهة أخرى، ومنهُ فقه العالم الذي نحن فيه، وفقهُ الأولويات، الأمر الذي لا يقبل تأويل الدين بفكر ضيق منحدر، ولا يقبل العجب بالنفس، وقد نُقل عن القاضي عياض عن إمامنا مالك أنه قال: "لا يُصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". والمؤكد أنه يقصد إصلاح الجوهر والمقاصد، لا مظاهر صغار المسائل.     

والختم من مولانا أمير المؤمنين.

لمشاهدة التسجيل المرئي بدرس الأستاذ أحمد التوفيق والشعور الوطني عند المغاربة ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1434 بحضرة أمير المؤمنين، المرجو التأشير على هذا الرابط أو الصورة المعلنة بالدرس أعلاه

facebook twitter youtube