الأحد 16 ذو الحجة 1440هـ الموافق لـ 18 غشت 2019
 
آخر المقالات
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

زبيدة هرماس : لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني

exp darss elhassani 7 1440 2019

نص الدرس السابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية للعام 2019/1440 والذي ترأسه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، يومه السبت 26 رمضان 1440( فاتح يونيو 2019) بالقصر الملكي بمدينة الرباط؛ والذي ألقته بين يدي جلالة الملك، الأستاذة زبيدة هرماس، عضو المجلس العلمي المحلي بعين السبع الحي المحمدي، متناولة بالدرس والتحليل موضوع : "لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني" انطلاقا من قوله تعالى في سورة الأعراف "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون".

نص الدرس السابع للأستاذة زبيدة هرماس حول لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيد المرسلين
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

مولاي أمير المؤمنين

أتشرف بإلقاء هذا الدرس أمام جنابكم الشريف، في مجلس فسحتم فيه المجال للمرأة إلى جانب الرجل، وهو من إشاراتكم القوية لإحقاق الحق في ما أقره الدين من كون النساء شقائق الرجال في الأحكام، أتكلم تحت هيبة المقام، سائلة الله تعالى أن أكون عند حسن ظن سيدنا الهمام.

وبعون الله نباشر هذا العرض انطلاقا من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَا بنِي آدمَ خُذُوا زِينَتَكُم عندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا واشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحبُّ المُسْرِفِين، قُلْ منْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التِي أخْرَجَ لِعِبَادِه وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ للذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنيا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَذَلكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لقَومٍ يَعْلَمُونَ﴾.

وسنسوق الحديث في مقدمة نُبين فيها دواعي الكلام في موضوع لباس المرأة في وقتنا هذا، ثم نَبسطه في ثلاثة محاور هي:

  • أولا: نصوص الكتاب والسنة في مسألة لباس المرأة، كيف فُهمت وكيف ينبغي أن تفهم؛
  • ثانيا: لباس المرأة في حضارة المسلمين عامة، وفي حضارتنا المغربية خاصة؛
  • ثالثا: اقتراح موجهات مبدئية اجتهادية في فهم مسألة لباس المرأة في وقتنا هذا

المقدمة

إن دواعي الكلام في موضوع لباس المرأة متعددة، نذكر منها الأربعة التالية:

  • أولا: ما نلاحظه في السنوات الأخيرة من تسرب أشكال من لباس المرأة من الخارج إلى مجتمعنا، لم تكن معروفة من قبل، الواقع أن أنواعا أخرى من لباس المرأة جاءت دخيلة كاسحة من أوروبا في القرن العشرين، ولكن الفرق بينها وبين هذه التي نريد الحديث عنها هو ما يُظن ويُراد من نسبتها إلى الدين، والقول بأنها اللباس الشرعي المطلوب، فوجب توضيح هذه المسألة؛
  • ثانيا: ظهور هذا الادعاء في آفاقٍ أخرى، ولاسيما في البلاد الغربية، وإقامةُ ضجةِ هويةٍ هناك تَدَّعِي إسلامية هذا اللباس، مع ما تتسبب فيه تلك الضجة من الحرج للمسلمين حيثما كانوا، لأن الشعارات التي رُفعت هناك تختزل الإسلام في هذا المظهر الخارجي الذي هو اللباس، وكأنه يوازن كل الزخم الحضاري والتنوع الثقافي الذي حققه المسلمون في تاريخهم الممتد وعبر آفاقهم المترامية؛
  • ثالثا: جعل المرأة في هذه المسألة هي الضحية، سواء كانت بنتا في المدرسة أو زوجة في البيئة الاجتماعية أو عاملة في الحياة النشيطة؛ ضحيةَ الرجل الذي يُكرهها أو يفتي لها أو يجعلها مدار مواجهة هوية كان يمكن أن تدور على أمور في عمق التميز الفارق فيما ينفع الناس ويزيد جاذبية الإسلام؛
  • رابعا: كون التوجه الذي يميل إلى قَصر لباس المرأة على شكل وحيد ومعين، يبتعد عن المقصَد من أحكام اللباس في الشرع، ويتمسك ببعض ظاهر الأمور، ويمارس من خلال هذا السلوك ما يمارسه من تحجيم الدين بالنظر إلى مستوى القضايا الكبرى التي اجتهد فيها المسلمون وبنوا على أساسها تعددا لائقا بوسع الدين ويسره. ويماثل هذا الاختزال للدين في مسألة اللباس ما تتعرض له الثوابت العقدية والمذهبية والسلوكية من مناهضة وتحجيم.

بعد هذه المقدمة وقبل البداية في محاور الدرس نؤكد أن الخلاصة التي ستنتهي إليها كل الاستنتاجات المبنية على شواهد القرآن والحديث، هذه الخلاصة هي أن المرأة حرة في لباسها لا يحاسبها إلا ضميرها، وأن بعض أشكال النقاب ليست إلا مظاهر قد يأخذ بها البعض في حين أنها لا تضمن العفاف المطلوب في الدين والذي لا يتحقق إلا باختيار المرأة وحريتها في التصرف بقطع النظر عن شكل اللباس الذي ترتديه.

المحور الأول: نصوص القرآن والسنة في موضع اللباس وكيف تُفهم

نتوقف على بعض الآيات القرآنية التي يدور حولها المرجع في مسألة لباس المرأة في ثلاثة مواضع من القرآن:

أولها: قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيءِ إِلَّا أَن يُوذَنَ لَكُمُ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، ولكِنِ إذَا دُعِيتُم فادْخُلوا فَإذَا طَعِمْتم فانتَشِرُوا،ولا مُستَانِسِينَ لِحَديث إنَّ ذَلِكُمْ كانَ يُوذِي النَّبيءَ فَيسْتحْيي منكُم واللَّهُ لاَ يسْتَحْيِي منَ الحَقِّ، وَإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ منْ وَرَاءِ حِجَابٍ، ذَلِكُمُ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، وَمَا كَانَ لكُمُ أنْ تُوذُوا رَسُولَ اللهَِّ ولاَ أن تنْكِحُوا أَزوَاجَهُ من بعْدِهِ أبَداً إنَّ ذلكُمْ كَانَ عندَ اللهِ عَظِيماً﴾. (الأحزاب 53).

يذكر المفسرون في سياق نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيش في جماعته عيشة مفتوحة تتسم بالقرب، فقد كانت بيوت أزواجه بجانب مسجده، وكان يدخل عليه وعلى أهل بيته زوارٌ ليسوا سواءً لا في موقفهم من دعوته، ولا في تقواهم الدينية، ويذكرون أن من تنبه إلى ذلك من جهة الغيرة على رسول الله وأهل بيته بسبب هذه الزيارات، هو عمر بن الخطاب، وأنه صدر منه ما يشبه التمني بخصوص حجاب أزواجه صلى الله عليه وسلم، فالحجاب كان معروفاً عند العرب من قبل، وكان معروفا أيضا أن النساءَ في تلك البيئةِ كن يتعرضن لعدوان الرجال ولاسيما من المشركين، ولابد من الإشارة إلى أن التعامل مع النساء في ذلك العهد كان يختلف في الشدة واللين باختلاف البيئات حتى في بلاد العرب، فقد كان معروفا أن أهلَ المدينةِ كانوا أكثرَ تساهُلاً مع نسائهم، وهو ما تعجب منه المهاجرون الذين جاءوا من مكة، والإسلام الذي كان ثوريا في تغيير أمور عظيمة في اتجاه تكريم المرأة ومساواتها مع الرجل، لم يكن ليغير كل الأمور في العوائد الاجتماعية دفعة واحدة، فقد نزلت هذه الآية في السنة الخامسة بعد الهجرة، وكان الحدث الثاني الذي اقتضى التنبيه هو الحضور الكثيف للصحابة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة زواجه ببنت عمه زينب، حيث تراخى بعضهم في المغادرة بعد حفل الزواج، والغرض من التنبيه هو حماية بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ خصوصيته، ومما يستحقُّ الانتباه أن بعضَ المفسرين فهِموا الحجاب الوارد في الآية على أنه الحاجز الذي يستر ويقسم الفضاء المكاني إلى قسمين.

أما الموضع الثاني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ قُل لِأَزْوَاجِكَ وبنَاتِكَ ونِِسَاءِ المُومِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ، ذَلكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُوذَيْنَ وكانَ اللهُ غَفُوراً رحيماً﴾. ( الأحزاب 59).

ويَتناول المسألة ذاتها، وهي الخوف من الإذاية، ولكن الأمر في هذه الحالة يتعلق بلبس الجلابيب لا بالستر، والجلباب ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلى جانباه على ذراعيها وينسدل سائره على كتفيها وظهرهاـ تلبسه عند الخروج والسفر، وفي التحرير والتنوير للعلامة ابن عاشور قول نفيس هو: "وهيآتُ لَبس الجلاليبِ مختلفةٌ باختلاف أحوالِ النساء، تُبينها العادات، والمقصود هو ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرفْنَ فَلَا يُوذَيْن﴾، والآية هنا تتكلم عن ارتدائه حتى يكون شارة مُميَّزة تقي من عدوان الجنس الآخر، والمناسبة هنا كما يفهم من حديث عائشة رضي الله عنها هي أن نساء دار النبوة كن يخرجن لقضاء حاجتهن ليلا، ويسمى الخروج للمناصع، فكان الرأي أن يتميزن بشيء حتى لا يتعرضن للإذاية، وكان السلوك المتكرر في تلك البيئة هو استسهال العدوان على الإماء، وهن لا يلبسن الجلباب ولا عصبية لهن، ولذلك لزم تميز الحرائر، وهذا وضع استعصى القضاء عليه في حينه بالرغم من كل ما جاء به الإسلام في اتجاه تحرير العبيد، ذلك أن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال جعلت مصالح المشركين في خطر، وقد كان كبيرُهم وهو عبد الله بن أُبي، يجبر الإماء على البغاء لحسابه، وهو مُروج ما عُرف بإفك عائشة رضي الله عنها، وكان هؤلاء المنافقون يودون استعمال الحياة الخاصة للنبي لمعارضة مشروعه التحريري، فكانوا يتحرشون بالنساء في الطرقات بدعوى أنهم ظنوهن من الإماء. فالحجاب على هذا الأساس كان المقصودَ به أن يكون علامة مميزة لصاحبته من أجل حمايتها، وهذا الوضع يندرج في الحقيقة المتأصلة في المجتمعات وهي ضعف الجنسين أمام الإغراء، وكل من يقف أمام سياق هذه الآية يواجهه السؤال المتعلق بالحجاب الوارد فيها، هل جاء قاعدة بشكلها المادي أو جاء وسيلة وقتية مباشرة وعلامة فارقة؟ ومعلوم أن أغلب المفسرين القدماء يأخذون بالاعتبار الأول، لأن التحفظ كما هو منتظر منهم في مثل هذه الأمور أولى من التوسع في الفهم.

أما الذين يقولون بالاعتبار الثاني فهم يرون في مسألة الحجاب في ذلك السياق نوعا من التعامل الوقتي الضروري مع المنافقين، وفي الاعتبارين معا فلا ضرورة لرفع المسألة إلى مرتبة القواعد وشعارات الهوية، والخلاف يدور حول الجزء الذي يجب أن تحجبه المرأة من الجسد، وخاصة الوجه والرأس، سيما وأن القرآن الكريم لم يفصل في كيفية إدناء الجلباب وإنما اجتهد في ذلك الفقهاء على اختلاف أنظارهم.

أما الموضع الثالث في قوله تعالى في سورة النور: ﴿قل للمُومنين يغُضُّوا منَ أبْصَارِهم وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم ذلِك أزْكى لهم إن الله خبيرٌ بما يصنَعون. وقل للمُومنات يغضُضن منَ أبصارهنَّ ويحفظن فروجهن ، ولا يُبدين زينتهنَّ إلا ما ظهر منها ولْيضربن بخمُرِهن على جيوبهن ، ولا يبدينَ زينتهنَّ إلا لبعولتهنَّ أوَ آبائهنَّ أو آباء بعولتهنَّ أو أبنائهن أو أَبْناء بُعولتهنَّ أوِ إخوانهنَّ أو بني إخْوانهنَّ أو بَني أَخَواتهنَّ أو نسائهن أو ما ملكت أيمانُهنَّ أَوِ التَّابعينَ غيرِ أولي الاِرْبةِ من الرِّجال أوِ الطِّفلِ الذين لم يظْهروا على عَوْرات النِّساء ولا يضربنَ بأرجُلهنَّ ليُعْلَم ما يُخفينَ من زينتهنَّ ، وتوبوا إلى الله جميعاً أَيُّهَ المُومنون لعلَّكُم تُفلحون (النور 31).

والموضوع كما نرى هو غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة، وفيها يتوجه القرآن إلى الرجال، ثم إلى النساء، فقد كان التبرج حالة عادية في الجاهلية، وحيث إنه مصادم للحياء فلا يتصور ألا يُورد فيه الإسلام توجيها للتغيير، فقد كان من العوائد عند من لم يسلمن بعد خروج طوائف من النساء البنات والإماء للطواف حول الكعبة عاريات الأرجل بحثا عن الزواج. فالمفهوم من الآية أن الجسد من حيث هو لا يزني، ولكن إرادة الزنا في إظهار الزينة قصدا بهدف الإغراء، ومن ثمة فالآية تقرر ضرورة غرس تربية كونية قائمة على التزام الحياء الذي يتوافق مع الفطرة المؤهِّلة لمراد الله تعالى في تكريم الإنسان بأحسن تقويم. ويختلف نظر الفقهاء بين تخصيص مسألة الحجاب بنساء النبي ومسألة تعميمه، كما تختلف اجتهاداتهم بين إجبارية الحجاب ومسألة شكله بحسب ما لجأُوا إليه من شروط القياس.

وإلى جانب نصوص القرآن الكريم، يُستأنس في باب اللباس ببعض أخبار السنة كقول أم سلمة: لما نزل قوله تعالى: "يُدنين عليهن من جلابيبهن" خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية". كما يُستأنس بالحديث الذي ورد فيه: أن عائشة رضي الله عنها لبست الثياب المعصفرة أي الصفراء، في الطواف، وأنها لم تر بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة، وكحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبعض أصحابه: "إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس". بمعنى أن يتميزوا في أناقتهم؟ فإذا طُلبت الأناقة من الرجال فبالأحرى أن تُطلب من النساء.

المحور الثاني: اللباس في حضارة المسلمين المتعددة الأجناس والثقافات

لاشك أن استنطاق آثار الواقع التاريخي لما كان عليه لباس الناس عامة، والنساء خاصة، في تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة يفيدنا في الفهم الواسع الذي كان عند المسلمين لحياتهم في توافق مع التزاماتهم الشرعية ومعتقداتهم الإيمانية وتمظهراتهم الثقافية، ومعرفة الوقائع التاريخية مفيدة في تنوير عقول المسلمين، ومن أبرز من بحث في اللباس في تاريخ المسلمين المستشرقان ضوزي Dozy وستيلمانStillman ، فمن خلال الأبحاث المتخصصة نعرف أن النساء قبل الإسلام في بلاد العرب كن يرتدين نقابات حاجبة، ويلتحفن الإزار تأثرا بحضارات أقدم وأرقى، فالعرب جاءهم معظم لباسهم من خارج بلادهم، وفي العهد النبوي لم يتبدل اللباس البدوي لأنه كان بسيطا ووظيفيا، ولكن الحضريين كانوا بالرغم من التمسك بالستر على بحث دائم لتغيير الملابس، فاللباس الداخلي عموما كان هو القميص، والخارجي هو المعطف أو الرداء، وكانت قطع مختلفة من الثياب مشتركة بين الرجال والنساء، وكان الاختلاف في كيفية الارتداء، مع تفرد النساء بغطاء الرأس وبالحلي وبمظاهر للتزين.

كان اللباس الأساسي هو الإزار، والخلاف قائم في القول بوجود السراويل، ومعظم الثياب من قطعة واحدة فوق القميص، كانت الخلع مجلوبة من الشام، أو من مجال الحضارة البيزنطية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يلبس حلة حمراء في غاية الجمال. كانت العادة أن يلبس الرجال والنساء معطفا مفتوحا من أمام، منه نوع فاخر مزرر من الديباج، وكانت قطع أخرى مثل الشملة والخميصة، وكان الجلباب والخمار والمرط خاصا بالنساء، وكانت تغطية الرأس علامة وقار للرجال والنساء، وكن يستعملن اللثام والمنديل والنقاب والبرقع المشدود بعصابة، وما لبثت الثياب الفاخرة أن حلت محل اللباس المتقشف الذي كان بالمدينة. وعلى الإجمال فإن الإسلام لم يأت بلباس معين محدد للنساء، وإنما تدخل في اللباس الذي وجده مستعملا لكي يحفظ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ثم لنساء المؤمنين الوقار الذي كان ينبغي فرضه على ذوي الأطماع من الرجال، وعدم فتح المجال لشهواتهم، فالحجاب منطقيا كان مطلوبا ضد بعض الرجال ولكمال ما قد يعتري من النقص في إرادة بعض النساء.

لقد انتشر الإسلام خارج بلاد العرب في مجالات واسعة كانت للنساء فيها حضارات وأعراف خاصة تتعلق باللباس، في الشام والعراق وفارس ومصر وبلاد المغرب والسند والهند وآفاق أسيوية عميقة، وفهم كل من وصلهم الإسلام توجيهه في العفاف والمروءة، فكان على النساء تكييف لباسهن مع هذا المبدأ السلوكي، ولم يكن الأمر يتعلق ضرورة بتغيير اللباس في مادته أو شكله باقتباس اللباس الذي كان ببلاد العرب. وفي جميع آفاق الإسلام تنوعت ألبسة النساء حسب الموروث الحضاري، وحسب البيئة الجغرافية، ووفق نمط الحياة البدوية أو الحضرية، وحسب الطبقة الاجتماعية وتبعا للسعة الاقتصادية، فقد كانت تجارة الأنسجة بين البلدان مزدهرة وكان فيها الديباج والحرير من البضائع الرائجة، واشتهرت أنواع من الطرز المعدة لألبسة النساء.

وقد تميز المغرب بسواد عادات الأمازيغ في لباس النساء، وهي متنوعة بتنوع مجالاته البدوية والحضرية، وكان للتفاعل مع المجال الأندلسي تأثير على عوائد مدن المغرب خاصة حيث ظهرت وتطورت التفصيلات، ولم تتأثر إلا قليلا بالمجالين الفارسي والعثماني، وقد تخلف لنا من التاريخ ما يقرب من ستين اسما من أسماء اللباس النسوي التي عرفها المغرب، ومن وثائق أخبار هذا التراث عقود الزواج التي تذكر فيها الملابس التي يهديها العريس لعروسه.

ومما وصلنا في هذا الباب، خبر المهدي بن تومرت الذي رجع من المشرق بمشروع انقلابي مهد له بنقد مظاهر في حياة الدولة المرابطية القائمة، والتي كان الفقهاء مساندين لها وأصحاب الرأي في شئونها، ومن ذلك أنه لقي بمراكش أخت أمير المسلمين علي بن يوسف، وكانت على عادة أهلها الصحراويين حاسرة الرأس، فخاطبها بعنف إلى حد أنها ذهبت وهي تبكي شاكية لأخيها صاحب الدولة، وهنا إحدى أوائل محاولات التغيير الثقافي في لباس النساء بتأثير من الخارج.

ولابد من التذكير بما هو واقع تاريخي وليس من قبيل الأخبار التي تحتاج إلى وثائق، هذا الواقع هو أن ثلثي نساء المغرب إلى غاية القرن العشرين كن يعشن بالبوادي، وهؤلاء النساء لا يعرفن الحجاب بمعنى القرار في البيت، بل يخرجن ضرورة منذ الطفولة وإلى غاية الشيخوخة للعمل إلى جانب الرجال في الغابات والحقول، بشكل عادي خال من كل نفسية سلبية تمس بالستر والعفاف، ومما سمعناه من إحدى أخواتنا العالمات أن جدها الأعلى، وكان من أعيان قبيلته الجبلية في نهاية القرن التاسع عشر، قد أراد أن يتزوج ويضع زوجته في الحجاب داخل الدار كما يفعل الموسرون في المدن، وبعد مدة قصيرة تطلب منه الزوجة الطلاق لأن الحياة التي نشأت عليها هي حياة العمل خارج المنزل، ولم يجد من تقبل حجابه إلا في الزيجة التاسعة، وتشهد على غنى لباس المرأة المغربية وقائع أخرى لا تنكر، منها ما عرفته صناعة النسيج من تطور منذ العهد المريني، ومنها براعة المرأة نفسها في صناعة هذا اللباس وترقيته وتفصيله وتطريزه، وقد تحدث ابن الحاج الفاسي المتوفى عام سبعة وثلاثين وسبعمائة للهجرة، مؤلف كتاب المدخل، تحدث عن لباس النساء في وقته، وذكر منها القمصان الضيقة القصيرة، استنكرها هذا الفقيه لأنها ضيقة قصيرة لا تتجاوز الركبة، تصف منهن الأكتاف والثديين، ويكشف القصر عورتهن في حالة الجلوس والانحناء، ومن شواهد هذا التطور ذلك البذخ الذي وصلت إليه صناعة الحلي وصناعة العطور والتطريات، ونمو ذوق المرأة عموما، لاسيما في جانب اللباس، وهو واقع لم يصلنا منه صدفة ما وصلنا في أيامنا هذه.

وفي بداية القرن العشرين تم اتخاذ الجلابية النسائية التي تلبس فوق القفطان، وكان القصد هو تحرير الوسط النسائي من لباس الحايك ومن بعض التقاليد التي تعيق مشاركة النساء في الحياة العامة وفي التعليم، وفي سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وألف ثم إحداث شعبة نسائية لتأطير المناضلات داخل الحركة الوطنية، وكانت تعمل على نبذ لباس الحايك وتعويضه بالجلابية باللثام. ودعا جدكم المرحوم صاحب الجلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه إلى الأخذ بإيجابيات العصر دون التفريط في الأصول، فأقبلت جموع كبيرة من البنات بلباسهن المحتشم على ولوج المدارس والمشاركة في الجهاد الأكبر الذي دعا إليه جلالته.

المحور الثالث: الموجهات المبدئية في مسألة اللباس

إن لباس المرأة من المسائل التي ينبغي أن يراعى فيها مقصد الشرع بحسب ما نزل فيها، وأن يكون فهم النص في سياق سبب النزول، لأن مخالفة ذلك سيوقع في العسر والحرج، دونما ضرورة تحمل على ذلك، وسبيل تحمل المسئولية فيها سواء بالنسبة لجهة الإفتاء أو لكل امرأة تريد أن تتبين، هو تدبر المعطيات الموضوعية التي منها:

  • أولا: تبين مرتبة هذه المسألة بين المسائل وما يستتبع ذلك من إدراك أن قضية اللباس كما يطرحها البعض ليست في الشرع من كبار المسائل؛
  • ثانيا: استحضار أهمية المقصَد والنية في هذه المسائل، كما في كل مسائل الشرع، الأمر الذي يتميز به سواء من الرجال أو من النساء من يقصد ومن لا يقصد الفتنة أو الاختيال، وقد حان الوقت لتكون هذه المرأة وهي المعنية بأمر اللباس بلا وصاية، إلا وصاية المقصد الشرعي الذي مرجعه الضمير والذي لا يتحقق ضرورة بنوع من اللباس البدوي أو الحضري لجماعة من الناس في بلد من البلدان، والإسلام في هذا الوقت يعيش ويتعايش في كل البيئات؛
  • ثالثا: استحضار الحقيقة المركزية في الموضوع وهي أن لباس التقوى خير، وهي مسألة باطنية قبل أن تكون ظاهرية؛
  • رابعا: إدماج بعد الزينة والجمال في المنظور الشرعي وعدم التفريط في الظاهر استلهاما من الآية المبني على الدرس؛
  • خامسا: مراعاة الوظيفة والضرورة التي تتغير بتغير البيئة وتشمل الاتقاء من البرد والحر كما تشمل المواراة، قال العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير: قوله تعالى: "يُوَاري سوْءاتِكُم" إشارة إلى وجوب ستر العورة المغلظَّة، وهي السوأة، وأما ستر ما عداها من الرجل والمرأة فلا تدل عليه، وقد ثبت بعضه بالسنة وبعضه بالقياس، والخوض في تفاصيله وعلله من مسائل الفقه؛
  • سادسا: طلب التيسير الذي يقتضي الأخذ بعرف البلد لما في ذلك من التمتع بوسع الدين وإمكان الإسهام الثقافي في حضارة اللباس الكونية؛
  • سابعا: مراعاة الاختلاف الذي هو من آيات الله في خلقه، حتى لا يُحجم الدين إلى جزئيات في حياة المؤمن، ويمكن أن يقاس أمر اللباس على أمر الطعام، فالشرع حرم بعضه ولم يفرض نوعا من الطعام في كل ما هو حلال؛
  • ثامنا: الحرص على قيمة عظمى في الدين، وهي الحرية: فالحرية هي المبدأ الأساس في معنى التدين والمسئولية الدينية التي لا تقبل الإكراه، مع صيانة هذه الحرية بسن القوانين التي تحفظ القدر الأدنى من قواعد الحشمة في الساحة العمومية والكفيلة في نفس الوقت بضمان الحرية في غير استفزاز؛
  • تاسعا: مراعاة العقل في الواقع الحالي ومستجدات العالم المفتوح، حيث المساواة في النشاط والعمل في الفضاء العام بين الرجل والمرأة وحيث الذي لم يعد فيه بإمكان المجتمع أن يراقب السلوك الفردي الخاص: حيث المعول على ضمير الفرد الذكر والأنثى الذي بوسعه بوسائل التكنولوجية أن يصل إلى كل ما ينافي المروءة من أنواع الفتنة ويتواصل فيها مع الآخرين من الجنسين، فبتواري سلطة المجتمع في ضبط السلوك الأخلاقي تتحقق الظروف المثلى للحرية التي هي شرط الابتلاء في قوله تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. فالمرأة التي تقرر بحريتها أن تلبس لباسا معينا، لها ذلك ما لم تدع أن ذلك اللباس هو الشرعي بشكله، وأن ذلك الشكل وحده شرط مقصده، فكل لباس إنما هو شرعي بمقصده الذي هو العفاف والتقوى، والمقاصد من حرية المرأة ومسئوليتها؛
  • عاشرا: وجه المسئولية العمومية في هذا الموضوع: وتتمثل في إمكانية تدخل الإمام في اللباس للحماية من الفهم الشاذ للدين من جهة، ولحماية الناس من الفتنة والحيرة في هذا الباب ثانية، ولحماية ثقافة بلده وذوقه من جهة ثالثة، حتى لا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .

وقد اتفق علماء المذاهب أن من صلاحيات الإمام تقييد المباح، ونقله من الإباحة إلى الوجوب والإلزام أو إلى المنع والتحريم، وأقرب مثال لذلك عندما يسن الإمام قوانين تلزم فئات من الأمة مدنيين أو عسكريين بلباس معين، فيصير في حقهم واجبا بحكم الصفة والمهنة، ويسن قوانين تمنع الفئات الأخرى من انتحال صفتهم وارتداء لباسهم.

قال العلماء: وإذا قرر الإمام تقييد المباح وجبت طاعته في ذلك، لأنه لا يفعل إلا لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، وقرروا بأنه يوجه اايجتهاد الجماعي من خلال مؤسسات الدولة التي تستنير بتوجيهاته بما يحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

ولم يقل أحد من العلماء إن ما يسنه ولاة الأمر دين آخر يزاحم دين الله تعالى أو يسعى ليحل محله، ولكنه سياسة شرعية هدفها الخروج من الخلاف وجمع الكلمة وتوحيد الفتوى.

خاتمة

إن مسألة اللباس ذات أهمية في الهوية وفي الخصوصية في آن واحد، ولذلك ينبغي أن يقوم العلماء بتحريرها من كل الالتباسات، وذلك بإحالتها على المبادئ الكبرى في الدين، أي على مسئولية الأفراد وعلى المقاصد التي يلتقي فيها الشرع والعقل. فالخير الذي أراده الدين للناس متوقف أساسا على استنهاض الهمم للبقاء في أحسن تقويم، حيث يحمي الرجل وتحمي المرأة المروءة من الانحدار بالانغماس في شهوات الغرائز، يتوقف هذا التقويم على تزكية النفوس وتقوية الإرادات، إن ما اشتغلت به بلدان العالم ومؤسساته لاسيما في العقود الأخيرة من كف الأذى عن المرأة بسن قوانين رادعة للتحرش الجنسي مثلا، هذا الصنيع سبق إليه القرآن الكريم عندما أمر بغض البصر كناية عن أصغر وسائل العدوان، وما كان يمكن أن يسكت القرآن عن حالة من حالات الظلم التي كانت سائدة في حياة العرب قبل الإسلام، وقد قرن القرآن الكريم الغاية بالوسيلة المرتبطة بطريقة اللباس بالشكل المتأتي، وذلك كما فُهمت في ذلك الوقت وبعده، والمهم هو أن تتوفر للمرأة ظروف حياة العفاف والكرامة والحرية، وأن تختار كيف تتصور ذلك وتحققه في جانب اللباس في نضج عقلي وروحاني يحفظ لها جمالية الباطن والظاهر ويعفيها من تمارس الإغراء أو تتعرض له، فالأمر ما يزال كما كان عند نزول القرآن، أي الحاجة إلى حماية المرأة من إذاية الرجل بدل الميل إلى تحميلها معظم المسئولية، فحماية المرأة من إذاية الرجل المشار إليها في القرآن تتوفر مع رجل قادر على أن يحمي نفسه من نفسه.

مولاي أمير المؤمنين

إن مجلسكم هذا أحسن مثال يجسد ما تقدم في درسنا، ففيه جلساء وضيوف من الرجال والنساء، قد تحلى كل واحد وتزين بملابس بلده، وأنتم على رأس المجلس يا مولاي بلباس مغربي أصيل شامة في الناس كما قال جدكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في هيئة تجمع بين البعدين الشرعي والوطني.

ولقد حرصتم يا مولاي في المحافل الوطنية والدولية على أن تبرزوا هذا البعد الرائق من الثقافة المغربية التي تحرص على العرف دون التفريط في جانب الشرع.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فمن نفسي.

والسلام على مقامكم العالي بالله ورحمة الله وبركاته.

والختم من مولانا أمير المؤمنين

للاطلاع أيضا

عبد الوهاب زايد : النخيل في القرآن والسنة

محمد لعروسي : أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية

سعد بن ثقل العجمي : مسألة الاحتجاج بفهم السلف

محمد بنكيران : صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة عيد الأضحى المبارك بمسجد الحسن الثاني بتطوان ويتقبل التهاني بالمناسبة السعيدة
facebook twitter youtube