الثلاثاء 20 ذو القعدة 1440هـ الموافق لـ 23 يوليو 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

عبد الوهاب زايد : النخيل في القرآن والسنة

exp darss elhassani 6 1440 2019

نص الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، الذي ترأسه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الخميس 24 رمضان 1440 (30 ماي 2019) بالقصر الملكي بمدينة الرباط، والذي ألقاه بين يدي جلالة الملك، الأستاذ عبد الوهاب زايد سفير النوايا الحسنة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، متناولا بالدرس والتحليل موضوع: "النخيل في القرآن والسنة"، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة مريم "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا، فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا".

نص الدرس الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية للأستاذ عبد الوهاب زايد حول النخيل في القرآن والسنة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار.

مَوْلايَ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ؛

إِنَّهُ لَمِنْ دَوَاعِي الشرف أَنْ أُلْقِيَ بَيْنَ يَدَيْ جلالتكم هَذَا الدَّرْسَ في محفل من العلم تفردت به مملكتكم الشريفة.

وسيكون الحديث عن النخيل في القرآن والسنة لبيان ما يمكن أن يستنبط من الوحيين في هذا الموضوع من الأسرار. ومما تجب وتجمل الإشارة إليه قبل الدخول في الموضوع، ما ورد عند المؤرخين من أن جدكم المولى الحسن المعروف بالحسن الداخل، كان سبب مجيئه إلى المغرب في القرن السابع الهجري، أن أهل جهة سجلماسة، بالجنوب الشرقي للمغرب، طلبوا منه أن يأتي معهم وأن يرحل من بلده ينبع النخل بالحجاز، طلبا للتبرك به في صلاح ثمار نخيلهم، فحقق الله تعالى رجاءهم، وما يزال سبحانه وتعالى يحقق رجاء المغاربة في صلاح كل أمرهم على أيدي أسرتكم المجيدة.

وهاأنتم يامولاي تواصلون شامل عنايتكم بقطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور بالمملكة المغربية في عهد جلالتكم الميمون، حيث أعطيتم أمركم المطاع لغرس ثلاثة ملايين نخلة من أجود الأصناف وزراعتها بأهم الواحات، حيث أصبحت المملكة المغربية من الدول العشر الأوائل في العالم بمساحة تناهز 60.000 هكتار توجد بها 7 ملايين نخلة، أنتجت السنة الماضية أكثر من 120.000 طن من التمور.

وشروعا في موضوعنا نقول: إن شجرة النخيل ضُرِبت في القرآن مثلا للكلمة الطيبة، ذات الأصل الكريم المتجذر في القلوب المؤمنة، وضربت في السنة مثلا للمؤمن المُجَسِّد للنفع المتدفق الدائب، ومن خلال هذه الأمثلة ترتسم صورة جميلة لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من جمال الباطن الذي يفيض على ظاهره حسنا ونفعا وبهاءً؛ قال تعالى: ﴿وتلكَ الَامثالُ نضربُها للنَّاس وما يعقِلُها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: 43]، ويفهم منها أن اسم الإشارة " تلك" في الآية، جاء للتنويه بالأمثال المضروبة في القرآن؛ قال العلامة برهان الدين البقاعي في "نَظْمِ الدُّرَر في تَناسُبِ الآياتِ والسُّوَر" في قوله تعالى:

« (وتلك الأمثال)؛ أي العالية عَن أن تُنال بِنَوْعِ احْتِيال، ثم اسْتَأْنَف قَوْلَه: (نَضْرِبُها) بِمَا لَنَا مِنَ العَظَمَةِ بَيَاناً (للناس) تَصْويراً للمعاني المَعْقولاتِ بِصُورَ المَحْسُوسات، لعلها تَقْرُبُ مِن عُقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حالُ التَّشْبيهاتِ كُلِّها في طُرُقِ الإِفْهام إلى المعاني المُحْتَجِبَةِ في الأَسْتار، تُبْرِزُها وتَكْشِفُ عنها وتُصَوِّرُها (...)، و(ما يعقِلُها)؛ أي حق عقلها فينتفع بها، (إلا العالمون)؛ أي الذين هُيِّئُوا للعلم وجُعِلَ طَبْعاً بما بَثَّ في قُلوبهم مِن أَنْوارِه".

إن من يتدبر القرآن الكريم يجد أن النخيل قد ورد ذكره أكثر من أي شجر أو نبات آخر؛ وبعد أن نبين شواهد هذه المكانة نذكر بعض ما كشف عنه العلم الحديث من أسرار هذه الشجرة المباركة؛ بيانا لعظيم المطابقة الموجودة ما بين كتاب الله المفتوح الذي هو الكون، وما بين الكتاب المتلو الذي هو الوحي.

إن آيات القرآن التي تذكر النخيل يزيد عددها عن عشرين آية؛ فيها إشارة إلى الأهمية الغذائية لثماره تارة، واستشهاد بعطاء أشجاره وجمالها تارات أخرى. كما أكرمت السنة النبوية هذه الشجرة بورود ذكرها في عدد من الأحاديث الشريفة التي تظهر فيها أهمية مماثلة سواء بالنسبة للشجرة أو لثِمَارِها، حتى إن السنة أوصت الإنسان، والساعة قائمة، بأن يختم عمله في الدنيا بالخير وأوردت لذلك مثالا بزرع فسيلة النخل. وما ذلك إلا للقيمة المعنوية لهذه الشجرة وفوائدها الحسية.

لقد عَرَفَ الإنسان نخلة التمر منذ قديم العصور، وأدرك ما لها من صفات فريدة، عرف قدر قيمتها الاقتصادية وفائدتها الغذائية ورأى فيها منبعاً للخير والبركة، واعتبرها رمزاً للسلام والمحبة.

فقد تم العثور على آثار بابلية تشير إلى نخيل تمر يعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد، كما عُثر على آثار فرعونية في عصر الأسرة الأولى التي عاشت قبل الميلاد بما يقرب من 3200 سنة.

ولما نزل القرآن الكريم ذكر النخيل كشجر وذكر ثمرته واستخدمات بعض أجزاء الشجرة واستعمالات بعض أجزاء الثمرة وفوائدها وأوضح قيمتها الغذائية والاقتصادية والطبية. وقد جاءت نتائج البحوث العلمية الحديثة على النخيل وثمرته موافقة لما قصد إليه الكتاب العزيز، كما سيتجلى من وقْفَة سَرْدِيَّة للآيات الكريمة.

فقد وردت كلمة "النخيل" سبع مرات:

يقول الله تعالى:

  • في سورة البقرة: ﴿أيَوَدُّ أَحَدُكُمُ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الَانْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266]؛
  • وفي سورة النحل: ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالَاعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 11]؛
  • وفيها أيضا ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالاَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 67]؛
  • وفي سورة الرعد: ﴿وَفِي الَارْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٍ وَغَيْرٍ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الاُكْلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4]؛
  • وفي سورة الإسراء: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الَارْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الَانْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: 90-91]؛
  • وفي سورة المؤمنون: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الَارْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُون * فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [المؤمنون: 18-19]؛
    وفي سورة يس: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ﴾ [يس: 34].

أما كلمة (النخل) فقد ذكرها القرآن الكريم إحدى عشرة مرة:

  • في قوله تعالي في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنَ اَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُومِنُونَ﴾ [الانعام: 99]؛
  • وفي السورة نفسها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الانعام: 141]؛
  • وفي سورة الكهف قوله تبارك وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنَ اَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32]؛
  • وفي سورة طه: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنَ آذَنَ لَكُمُ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 71]؛
  • وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ *رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11]؛
  • وفي سورة الشعراء: ﴿أتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 146-148]؛
  • وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ* إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمُ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 18-20]؛
  • وفي سورة الرحمن: ﴿وَالَارْضَ وَضَعَهَا لِلَانَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الَاكْمَامِ﴾ [الرحمن: 10-11]؛
  • وفي السورة نفسها: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]؛
  • وقوله تبارك وعلا في سورة الحاقة: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7]؛
  • وفي سورة عبس: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ [عبس: 27-29].

بينما جاءت كلمة النخلة (مرتين) في سورة واحدة هي سورة مريم في قوله تعالى:

﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نِسْيًا مَّنسِيًّا *فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنُ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 23- 26].

كما أورد القرآن مرة واحدة كلمة (اللينة) مرادفة لأنواع من النخل، في قوله تعالى في سورة الحشر (5) : 
﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5]؛

وأورد كلمة (العرجون) مرة واحدة في قوله تعالى:

﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39].
و(العرجون القديم) هو العِذْق اليابس المنحني من النخلة.

وتناول القرآن الكريم أجزاء الثمرة فأورد النواة أي (البذرة) مرة في قوله تعالي: ﴿إنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُوفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95].

وأورد (الفتيل) ثلاث مرات: في قوله تعالي في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: 49]؛

وفي السورة نفسها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: 77]؛

وفي قوله تعالي في سورة الإسراء: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنُ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء: 71].

و(الفتيل) هو الخيط الذي في شق النواة، وكثيراً ما يُضْرَبُ به المثل في القلة.

أما كلمة (قِطْمِير) فقد أوردها القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تعالي في سورة فاطر: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13].

و(القطمير) هو الغلاف الرقيق الشفاف الذي يحيط بالنواة. ويكون بين التمر والنواة.

وأورد القرآن كلمة نقير مرتين في سورة النساء، في قوله تعالي: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُوتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]؛

وقوله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوُ انْثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].

و(النقير) شَكْلَةٌ في النواة كالدائرة، يضرب بها المثَل في القلّة.

أما من جهة القيمة الغذائية العالية لثمار النخيل فقد أكد عليها القرآن الكريم والسنة المُشَرَّفّةُ من خلال سياق تناولها، لا سيما في حالات الإنهاك الشديد عندما يكون الإنسان بحاجة ماسة إلى مصدر للطاقة كحالة الولادة أو الصيام.

وتأتي نتائج البحث في العلم الحديث بتطابقً مع هذه الحكمة القرآنية الخالدة.

ومن هذا السياق في القرآنِ الكريم الإشارة إلى مريم عليها السلام أن تَتَنَاوَلَ الرُّطَبَ عند ولادتها، قال الله عز وجل: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نِسْيًا مَّنسِيًّا ﴿23﴾ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿24﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿25﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ﴿26﴾﴾ [مريم: 23-26].

ولمن يتدبر هذه الآيات أن يقف على إشارات وفوائد منها:

الإشارة الأولى

أن مريم عليها السلام قد تكون استنزفت الولادة منها طاقة كبيرة كما هي العادة، بالإضافة إلى تعرضها للعطش لكثرة ما تفقده المرأة عند الولادة من سوائل، بالإضافة إلى ما يفهم بصورة غير مباشرة من كونها بجانب كثرة ما فَقَدَتْ طاقة قبيل الولادة؛ قد تكون في مزيد من التعب لأَنَّها ابْتَعَدَتْ عن بلدة قومها حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿فحمتله فَانتَبَذتْ به مَكاناً قَصيا﴾، ويترتب عن ذلك أن تكون في حالة نفسية مواتية لوضعها، وهذا كله يؤكد أنها كانت في غاية الإنهاك وقِلَّةِ النشاط.

الإشارة الثانية

تسلسل الأفعال بعد الولادة كما يفهم من القرآن الكريم بقوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مَرْيَم: 27]، إذ يتوقع أن الرُّطَب قد أسهمت بشكل كبير في تزويدها بالطاقة،

الإشارة الثالثة

إن الله تبارك وتعالى، العارف بأسرار الإنسان والنبات، قد حث مريم عليها السلام على تناول هذا الغذاء دون غيره، ويفهم منه أنه الغذاء الأنسبب لحالها.

وفي ضوء العلم الحديث نعرف اليوم عددا من الحقائق المرتبطة بالمزايا الغذائية لثمار النخل:

ويُمْكن تقسيم هذه الحقائق إلى مجموعتين وفقاً لِخصائصها :

المجموعة الأولى: حقائق تتعلق بالطاقة والقيمة التغذوية التي تتميز بها ثمار النخل، ومنها 

  • أولا أن ثمار النخل غنية جداً بالسكريات التي هي مصدر رئيس من مصادر الطاقة التي يَعْتَمِدُ عليها الجسم البشري في استمرار أنشطته الحيوية المختلفة. فهي تمثل قُرَابَةَ (60 – 85 %) من وزن الرُّطَب للثمرة، ويكفي 100 غرام من التمر لإمداد الإنسان بـما يَقْرُب من 300 سعرة حرارية، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بالمواد الغذائية الأخرى.
  • ثانيا: أن معظم السكريات الموجودة في ثمار النخل سكرياتٌ أُحَادِيَة وهي (الجلوكوز والفركتوز) وتتميز بأنها سريعة الامتصاص، سهلة الهضم مقارنة بالسكريات المعقدة كالنشويات أو بالدهنيات أو البروتينات...
  • ثالثا: أن سكر الجلوكوز - السائد في الرُّطَب - هو ذات السكر الذي يُمْتَصُّ في الأمعاء ويُنْقَل عبر الدم إلى مختلف أنحاء الجسم ليقوم بتغذية الخلايا وإمدادها بالطاقة، وهذا يعني أن تناول الرُّطَب، وبما يحتويه من نسبة عالية من سكر الجلوكوز يؤدي الى رفع نسبة الجلوكوز في الدم...
  • رابعا: أن التمور غنية بالعناصر والأملاح المعدنية والفيتامينات الضرورية لجسم الإنسان.إذ يكادُ يُجْمِعُ الباحثون على أن التمر يُعْتَبَر مَنْجَماً للمعادن؛ يقول الدكتور فرج في كتابه" نخلة التمر بين البحث والتطبيق": (ثمرة نخلة التمر مَنْجَم حَيَوِّيٌ طبيعيٌ غَنِيٌ بالعناصر المعدنية والفيتامينات والأحماض والألياف، وربما يندر أن نَجِدَ في مَنْجَمٍ صَخْرِي في الطبيعة ذلك التجمع من المعادن في مكان واحد كالذي نَجِدُهُ في ثمرة التمر، فالثَمَرَةُ غَنِيَةٌ بالحديد الذي يدخل في تركيب كُرَاتِ الدم الحمراء، كما تحتوي على الكالسيوم وهو العنصر الأساسي لتكوين العظام والأسنان. كما يَتَوافَرُ في التمور البوتاسيوم بنسبة مرتفعة مع انخفاض نسبة الصوديوم، وهذا يفيد مَرْضَى ضغط الدم حيث يعادل البوتاسيوم زيادة الصوديوم في أغذية أخرى، كما يوجد فيها عنصر الزِّنْك الضروري لصحة البنكرياس وتمثيل الكربوهيدرات ولصحة كُرَاتِ الدم الحمراء، كما أنه مرافق إنزيمي لبعض الأنزيمات الهامة، بالإضافة لعناصر أخرى كثيرة مثل المَنْغَنِيز والنحاس والكبريت وحتى الفْلُورِين الذي يلعب دوراً هاما في مقاومة تَسَوُّسِ ونَخْرِ الأسْنانِ، بشرط ألا يزيد عن المطلوب). كما أن التمر يحتوي على كميات لا بأس بها من العناصر ذات الدور الحيوي والأساسي في العمليات الحيوية لجسم الإنسان، والتي يؤدي غِيابُها إلى تَعَرُّضِه لكثير من المشاكل الصحية؛ فثمار النخيل تعتبر غنية بعنصر الفُسْفُور الذي يلعب دوراً معروفاً في زِيَادَةِ حَيَوِيَةِ المراكز المسؤولة عن التفكير والخصوبة، وهو غني بعنصر المغنسيوم، وهذا العنصر معروف أيضاً بأن له دوراً واقياً من السرطان، فلا غرابة إذن لو سُمِّيَ التَّمْرُ مَنْجَمَ المَعَادِن. أما بالنسبة للفيتامينات فَتُعْتَبَرُ التمور من المواد الغنية بفيتامين (أ) الذي يُطْلِقُ عليه الأطباء (عَامِلَ النمو)، بجانب فائدته في تقوية الأعصاب البَصَرِيَّة وإزالته العَشَى (المعروف أيضاً بإسم العمى الليلي)، ولهذا السبب، على ما يبدو، نجد البَدْو - الذين تُشَكِّلُ التمور نِسْبَةً كبيرة من مُكَوِّناتِ غذائهم - يتمتعون بقوة الإِبْصَار والقدرة على الرؤيا لمسافات بعيدة، كما يعمل هذا الفيتامين أيضاً على تقوية الأعصاب السمعية. بالإضافة إلى ما تقدم، يحتوي التمر على فيتامينات (ب1، ب2، وب3) التي تؤدي دوراً مهما في تقوية الأعصاب وتزيد من مرونة الأوعية الدموية، الأمر الذي يساعد القلب في عمله ويَقِي الإنسان من مخاطر إرتفاع ضغط الدم.
  • خامسا: إن ثمار النخل غنية بالألياف والمواد البِكْتيِنِيَّة، فنسبة الألياف هي (10%)، وقد بات من المعروف والمؤكد أن الألياف النباتية لها دور مُهِمٌ جداً في الفعاليات التي يقوم بها الجهاز الهضمي للإنسان، فهي تمنع أو تقلل كثيراً من الأمراض مثل سوء الهضم والإمساك وأمراض القَوْلوُن، كما يمكن هضم الألياف الخام الموجودة في التمور مثل البْرُوتُوبِّكْتِين والبِّكْتِين واللِّجَنيِن والهِمِيسّيِليلوز والسِّيليلوز.
  • سادسا: أن ثمار النخل غنية بالأحماض الأَمِيِنَّيَة، لاسيما الأحماض الأساسية والتي تُعْتَبَرُ ضرورِيَّةً لقيام الجسم بمختلف فعالياته الحيوية، وبنفس الوقت لا يتمكن الجسم من تَخْلِيقها، كما تحتوي على الكثير من الأحماض الأَمِيِنَّيَةِ غير الأساسية مثل الجْلُوتَامِيك والجْلِيسِين والسِّيرين وغيرها، ومعروف أن البروتين يتكون من وحدات الأحماض الأَمِيِنَّيَة.

أما المجموعة الثانية من الحقائق العلمية فتتعلق بالقيمة الاستشفائية لثمار النخل:

لقد تَبَيَّنَ للإنسان بعد تَقَدُّمِهِ العلمي مجموعة من الحقائق العلمية ذات علاقة بمحتوى ثمار النخيل من المركبات الكيمياوية.

  • أولا: ثمارُ الرُّطَبِ وهُرْمُونَاتُ الولادة: إذ يوجد في مرحلة الرُّطَب ما يُسَهِّلُ من عملية الولادة، وهو هُرْمُونٌ يشبه في فعله هُرْمُونَ زَالاكِسيتُوسِينَس، فمع اقتراب موعد الوضع تزداد حساسية عضلات الرَّحِمِ لتأثير هذا الهُرْمون مما يسبب تقلص تلك العضلات وبالتالي يُسَهِّلُ من عملية الولادة، ففي الرُّطَب هُرْمُونً اسمه (الْيُوسِين) يعمل على تقوية عضلاتِ الرَّحِمِ وينظم انقباضاته العضلية، وله خاصيةً أخرى مفيدة وهي منع النزيف عقب الولادة ووقاية جسم المرأة من حمى النفاس.
    كما يحتوي الرُّطَب على فيتامين ب1وب2 وب 3 المركب مما يجعله مُهَدِّئاً مَأْمْوناً للأعصاب يَمْنَعُ التَّوَتُّر والاضطرابات النفسية.
  • ثانيا: ثمار النخل غنية بعُنْصر الحديد: وذلك مفيد للمرأة التي تَفْقِدَ أثناء ولادتها كمية من الدم، ومعها أعداد لا حصر لها من كُرات الدم الحمراء، وحيث إن عُنْصر الحديد يدخل في تركيب هِيمُوْجلوْبِين الدم وكُرات الدم الحمراء، تتضح الحكمة في الحث على أكل الرطب.
    ثالثا: ثمار النخل غنية بمضادات الأكسدة (Antioxidants) إذ يحتوي على كميات لا بأس بها من مضادات الأكسدة (Antioxidants) سواء في قشرة الثمرة أو في لحمها؛ فالمركبات التي تُشَكِلُ الصبغة الصفراء في الأصناف ذات الثمار صفراء اللون وهي الكاروتين (Carotene)أو الأنثوسيانين (Anthiocyanine) التي تشكل الصبغة الحمراء في الأصناف ذات الثمار حمراء اللون.
    وعندما نذكر احتواء الثمار على تلك المضادات نستحضر ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام من فضائل ثَمَرَ (العجوة) التي منها الشِفَاءُ من السُّمِ، إذ يرى بعض العلماء أن التمر يَغْسِلُ الكِلَى ويُدِرُّ البول، وبذلك يساعد الجسم على التخلص من المواد السامة عبر تكسير المركبات الضارة وغسلها وإلقائها خارج الكلى.

مولاي أمير المؤمنين

بعدما ذكرناه عن ذكر النخيل في القرآن والسنة وذكر الخصائص العلمية والطبية للتمر، نخلص إلى استعمال الوحيين لشجرة النخيل في مَثَلَين،ِ مَثَلِ القرآن الذي ضُرب لشجرة النخيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُوتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الَامْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 24-25].

ورد في جامع الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشجرة الطيبة في هذه الآية هي النخلة. ويقترب العقل من حقيقتها بما يدرك لها من صفات أربع وهي:

  • أولا: طِيبُ المنظر والشكل، وطيبُ الرائحة، وطيبُ الثمرة، وطيبُ المنفعة؛
  • ثانيا: رسوخها يحيث يُؤْمَنُ انْقِلاعُها وانْقِطاعُها؛
  • ثالثا: امتداد فرعها في السماء، وهو وَصْفُ كمال بارتفاع أغصان ناشئ عن ثبات أصل ورسوخ عروق.
  • رابعا: دوام الثمرة باطراد الإثمار مقارنة بغيرها من الأشجار.

ذلك مثل لكلمة التوحيد وما يأتي منها من معرفة الله ومحبته في قلب المؤمن تشبه شجرة النخيل في صفاتها الأربع:

  • أولا: طيبها بإِشْراقِ الرُّوحِ بمعرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج بصفات جماله وجلاله؛
  • ثانيا: كونها (ثابتة الأصل)، لأن عروق شجرة معرفة الله تعالى راسخة في جوهر النفس التي يُمِدُّها اللهُ بمدد تجلياته؛
  • ثالثا: كونها (ممتدة الفرع في السماء)؛ لأن شجرة التوحيد والمعرفةِ لها أغصان صاعدة في هَواء العالم الإلهي بحسب تعبير الإمام الرازي، يجمعها التعظيم لأمر الله الذي يدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في العوالم المختلفة؛
    كما أن لها أغصانا صاعدة من جهة أخرى في هواء العالم الجِسْمانِي، جُماعها الشفقة على خلق الله الذي تدخل فيه الرحمة والخير وسائر صفات الرأفة بالمخلوقات.
  • رابعا: كونها (دائمة الثمرة)؛ لأن شجرة المعرفة موجبة لدوام تلك الأحوال.

وأما مثل النخلة في السنة؛ فما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: فقال: هي النخلة. قال فذكرت ذلك لعمر، قال لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا).

قال العلماء: وقد شبه النبي صلى الله عليه وآله سلم النخلة في بركتها وكثرة خيرها بالمسلم، تشبيه بركة تتجلى في: الانتفاع بدوام ظلها، وطيب ثمرها المستمر من حين طلوعه وحتى بعد يُبْسِه، ومن خشبها وورقها وأغصانها التي تستعمل جذوعا وحطبا وعصيا وحُصُرًا وحِبالا، بل يُنتفع حتى بنُواها عَلَفًا للإبل، هذا مع ما في نباتها وحسن هيئة ثمرها من صور الجمال الأخاذ، فهي تشبه في ذلك، المؤمن الذي يُكمِّله الإيمان وتُجمِّله المداومة على الطاعات.

ومما يزيد الأمر بيانا ما أورده الحافظ ابن حجر في الفتح من روايات أخرى عند شرحه للحديث المذكور.؛ حيث قال: « وَوَجْهُ الشَّبَه بَيْن النَّخْلَة وَالمُسْلِم مِن جِهَة عَدَم سُقُوط الوَرَق ما رَواهُ الحَارِثُ بن أَبِي أُسامَة في هذا الحَدِيث مِن وَجْهٍ آخَر عَن ابن عُمَر وَلَفْظُه "قال: كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْمٍ فَقَالَ: إِنَّ مِثْل الْمُؤْمِن كَمِثْلِ شَجَرَة لَا تَسْقُط لَهَا أُنْمُلَة، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هِيَ النَّخْلَة، لَا تَسْقُط لَهَا أُنْمُلَة، وَلَا تَسْقُط لِمُؤْمِنٍ دَعْوَة".

وَهكذا فبَرَكَة النَّخْلَة مَوْجُودَة فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا، مُسْتَمِرَّة فِي جَمِيع أَحْوَالهَا، فَمِنْ حِين تَطْلُع إِلَى أَنْ تَيْبَس تُؤْكَل أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يُنْتَفَع بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي عَلْف الدَّوَابّ، وَاللِّيف فِي الْحِبَال، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفي، وَكَذَلِكَ بَرَكَة المُسْلِم عَامَّة فِي جَمِيع الأَحْوَال، وَنَفْعه مُسْتَمِرّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْد مَوْته.

إن النخلة يا مولاي شبيهة في بركاتها وكثرة خيراتها وحسن بهائها بما ينبغي أن يبلغه المؤمن المُماثِل لها مِن صورة جميلة تتأكد تسهم مناهج التربية الروحية في صياغتها؛ فالمومن سِلْمٌ وسَلامٌ، وأَمْنٌ وأمانٌ، ونَفْعٌ وإِحْسانٌ، وسَمَاحَةٌ وتَسَامُحٌ، وبَهْجَةٌ وسُرورٌ؛ فقد روى ابن أبى الدنيا في كتابه "قضاء الحوائج" بإسناد حسن قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُم لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا).

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم والختم من مولانا أمير المؤمنين.

للاطلاع أيضا

زبيدة هرماس : لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني

محمد لعروسي : أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية

سعد بن ثقل العجمي : مسألة الاحتجاج بفهم السلف

محمد بنكيران : صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يوجه رسالة سامية إلى الحجاج الميامين بمناسبة سفر أول فوج منهم إلى الديار المقدسة
facebook twitter youtube