الاثنين 19 ذو القعدة 1440هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

محمد لعروسي : أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية

dars hassani 270519

نص الدرس الخامس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية للعام 2019/1440 والذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله، الأستاذ محمد لعروسي، رئيس قسم جراحة القلب بمستشفى ابن سينا بالرباط، متناولا بالدرس والتحليل موضوع : "أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية"، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة الحج " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".

أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية 

الحمد لله الواحد الغفار والصلاة والسلام على سيدنا محمد نور الأنوار صلاة دائمة بدوام ملك الواحد القهار

مولاي أمير المؤمنين

أمد الله في عمركم وخلد في الصالحات ذكركم.

إنه لشرف عظيم أن أشارك في مجلسكم المبارك لأتكلم في موضوع يهم علماء الطب وعلماء الدين ألا وهو:

أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية

انطلاقا من الآية الكريمة:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أوْ آذَان يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَاتَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وسأتناوله إن شاء الله من خلال أربعة محاور ألا وهي:

  • 1 . تعريف القلب من خلال الاكتشافات العلمية
  • 2 . القلب في القرآن الكريم والسنة النبوية بين الحقيقة والتأويل
  • 3 . المتغيرات العلمية الحديثة في علم القلب
  • 4 .  معجزات القرآن في علم القلب

وقبل أن أشرع في الموضوع أود أن أؤكد أنني لا أقول بإخضاع الدين للعلم الذي تتغير نتائجه باستمرار ولا بحصر فهم الدين على نتائج علمية مؤقتة، فالدين جاء بالهداية واستعمل لها اللغة المناسبة لتبليغها، وإن ما أردت أن أقوله هو أن العلم الطبي في السنوات الأخيرة قد اكتشف عجائب تتعلق بالقلب ووظائفه، فلا بأس أن يطلع عليها الناس وهم يستحضرون ما ورد عن القلب في القرآن من إشارات.

مولاي أعزكم الله

سنعرض في درسنا هذا بعض ما أُنجز من دراسات حول قضية علمية مَا فَتِئَتْ تَطْرَحُ مجموعة من التساؤلات وَتَفْتَحُ أبوابا للتأمل والتفكر ويتعلق الأمر بخفايا علم القلب بين الاكتشافات العلمية الجارية وبين الإشارات الدينية التي طرحها القرآن الكريم بهذا الخصوص.

بصيغة أخرى: "القلب بين العلم والدين"

لم تكن الدراسات والأبحاث العلمية السابقة حول القلب تتطرق لأهميته في التفكير والإدراك والإحساس والعاطفة وغير ذلك، بل اُعتبر القلب مجرد عضو فيزيولوجي أو عضلة مضخة للدم في جسم الإنسان له تركيب معقد، إلا أن التطور العلمي الحالي والنقلة النوعية التي عرفتها جراحة القلب عبر العالم وبالخصوص زراعة القلب جعلت هذه الحقيقة تتأرجح بين الثابت والمتغير.

القلب تلك الذَرة الربانية التي تخشع وتعقل، مصدر الإيمان مركز الروحانيات أَبْعَدَ من أن تكون مجرد آلة معقدة تقوم بميكانيزم خاص بضخ الدم في الجسم، من هنا وعليه توصل العلماء في هذا المجال مع بداية القرن الواحد والعشرين، بل لاحظوا وسجلوا حقائق جديدة مثيرة للتفكير والتساؤل خصوصا بعد إجراء عمليات زرع القلب، وما رافقها من تغييرات وتقلبات نفسية جذرية بل جد عميقة تخللت في اغلب الحالات جانب الثوابت الروحانية والمعتقدات عند المريض، حيث يقول الله تعالى:

﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

هذه الحقيقة الجديدة وما رافقها من بحث علمي واستخلاص لِنَتَائِجَ مذهلة جديدة بل وغريبة، فتح الباب أمام البحث العلمي لطرح السؤال من جديد وتغيير الفكرة المتعارف عليها، عند تعريف القلب علميا وطبيا.

  • 1 . هل القلب مجرد آلة تتحكم فيها ميكانيزمات كِمِيَّة؟ أَمْ أَنَّ القلب يتعدى هذه الحقيقة ليدخل في مجال أعمق عَرَّفَه القرآن الكريم عبر آياته الكريمة حيث ذُكِرَ مائة واثنتين وثلاثين مرة.
  • 2 . هل حَرَكَةُ القلب ونبضاته تتعدى مُجَرَّدَ كَوْنِهَا دقات عادية؟ أم هي مسلك يُغَذِّي العقل ويَمُدُّهُ بالمعلومات وَيُوّجِّهُهَ نحو الفهم والإدراك؟

حيث يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وبهذا سوف نتطرق للمحور الأول الذي سنتكلم فيه عن:

المحور الأول: تعريف القلب من خلال الاكتشافات العلمية

مولاي أعزكم الله

القلب ذلك العضو العضلي، الكتلة أو المضغة الساكنة في الجهة اليسرى لصدر الإنسان والذي لا يتجاوز وزنه ثلث كيلوغرام أو قبضة اليد ويحمل من عجائب التصميم ما لا يدركه عقل الإنسان ويخطر على التفكير.

يتكون في الجنين قبل تكون الدماغ ويبدأ في ضخ الدم في مختلف جسم الإنسان بعد ثلاثة أسابيع من الحمل، ينبض في المتوسط سبعين مرة في الدقيقة.

وتبلغ كمية الدم التي يضخها القلب في الحالة الطبيعية حوالي خمسة لترات في الدقيقة، أي بمعدل سبعة آلاف وخمسمائة لتر في اليوم بين حركة انقباض وانبساط، فهو يدق في اليوم أكثر من مائة ألف مرة، وعندما يصبح عمر الإنسان فوق السبعين يكون قلبه قد نبض مليارين ونصف مليار مرة وضخ مئتين وخمسين مليون لتر خلال هذه الفترة الحياتية.

ويضخ القلب الدم عبر شبكة الأوعية والشرايين التي يبلغ طولها مائة ألف كيلومتر عبر الجسم، وهذا الرقم يوازي محيط الكرة الأرضية مرتين ونصف، مما يؤكد الحقيقة العلمية السائدة التي بنى عليها العلماء تعريفهم للقلب، هذا الأخير الذي يتمثل دوره في توصيل الأوكسجين والمواد الغذائية والمواد الواقية للجسم إلى جميع الخلايا لتقوم بوظيفتها، مما يؤكد أن القلب هو المصدر الأساسي للحركة في الجسم، بل هو المسيطر على عملها بالكامل.

كما أوضحت نتائج الأبحاث العلمية التي أُجْرِيَتْ على المجال الكهربائي للقلب أن القلب يبث مجالا كهربائيا هو الأقوى بين أعضاء الجسم كله، فالمجال الكهربائي للقلب يفوق المجال الكهربائي للدماغ بستين مرة كما أن المجال الكهرومغناطيسي للقلب يفوق المجال الكهرومغناطيسي للدماغ بـخمسة آلاف مرة.

وقد اكتشف العلماء أيضا، في معهد رياضيات القلب بالولايات المتحدة الأمريكية أن دقات القلب تؤثر على الموجات التي يبثها الدماغ، وأنه كلما زاد عدد ضرباته زادت الترددات التي يبثها الدماغ مما يدل على أن نشاطهما يتزامنان طبيعيا مع بعضهما البعض.

كما أنها توجد أبحاث حديثة تعتقد أن القلب هو الذي يوجه الدماغ في عمله. بل هو ثابت في الاتصال معه من خلال شبكة معقدة من الأعصاب مما يتيح تكوين الرسائل المشتركة بينهما عبر إشارات كهربائية وكهرومغناطيسية، الشيء الذي يحيلنا على ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بأن القلب هو وسيلة نعقل ونفقه بها استنادا لقوله تعالى:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.

بناءا على ما سبق وفي إطار الأبحاث العلمية المحضة عن القلب والدراسات المتعمقة فيه، فإن تركيب القلب من الداخل فيه من عجائب التصميم مَا لاَ يَخْطُرُ على تفكير أذكى المُصَمِّمِينَ للمضخات الميكانيكية، وانقباضه وانبساطه فيه من الأسرار ما يدعو إلى الدهشة وهذا يَجُرُّنَا إلى وجود قُدْرَةٍ هائلة تقف وراء تركيب هذا العضو من الجسم وَصَانِعٍ يَشْهَدُ على قدرة خارقة في الدقة والتركيب

حيث قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.

الشيء الذي يُحِيلُنَا انطلاقا من هذا المحور إِلى الغوص في محور آخر وهو الثاني في درسنا هذا ويتمركز حول فكرة:

المحور الثاني: القلب في القرآن الكريم والسنة النبوية بين الحقيقة والتأويل

مولاي أعزكم الله

إن للقرآن الكريم نظرة شاملة إلى القلب وَمُتَرَادِفَاتِهِ، وهنا يُطْرَحُ سؤال وهو هل أن المقصود من القلب في هذه النصوص هو القلب الموجود في الصدر أم الغرض منه هو الدماغ، واستعمال لفظ القلب هو استعمال مَجَازِي. ففي البداية ومع تقدم العلوم الطبية، وبسبب تأكيد الاطباء على أن العقل محله الدماغ، وأن وظيفة القلب تنحصر بضخ الدم إلى جميع أعضاء الجسد، بدأ بعض المفسرين تحت تأثير هذا التوجه الطبي يُؤَوِلُونَ لفظ القلب الذي ورد في القرآن والسنة بأنه العقل حتى ذهب أحدهم في تفسيره لقوله تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَاتَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وبهذا يكون المقصود بالقلوب في هذه الآية الكريمة هي هذه الأعضاء الصنوبرية التي توضع في الصدور، وليس الدماغ الذي يوجد في منطقة الرأس وأن استعمال القلب في القرآن الكريم ليس مَجَازًا، بل هو حقيقةً وأُسْتُعْمِلَ اللفظ في معناه الأصلي، حيث يقول سبحانه وتعالى:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. والألباب هنا تعني الأدمغة ويمكن أن نفهم منها أن القرآن لا يتكلم عن الدماغ في الآيات ما قبل.

وعند التَّأَمُل في آيات الله تعالى، والتَّدَبُّرِ فيها يُلاَحَظُ أن القلب قد وَرَدَ باللفظ الصريح وأيضا بالمعنى مثل الفؤاد، حيث قال سبحانه وتعالى:  

﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَوَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.

وقد جاءت الإشارة إلى القلب في القرآن الكريم بالإفراد والجمع، ومع عدد من الضمائر المختلفة في حوالي ستين سورة، أي أكثر من نصف عدد سور القرآن الكريم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الأهمية البالغة لهذا العضو، مع العلم أن القرآن الكريم قد نزلَ من قبل ألفٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ سنة وأكد على أن للقلب وَظَائِفَ أخرى منها أنه هو الذي يكسب الأعمال خَيْرَهَا وَشَرِّهَا، وهو مكان الاطمئنان والأمن، ومحل المحبة والرحمة، ومحل غير ذلك من الصفات التي تُشَكِّلُ شخصية الإنسان.

كما أن في القرآن الكريم صِفَاتٍ كثيرةً ذُكِرَتْ للقلب، من أفعالٍ يقوم بها، وَخَصَائِصَ تجعل منه عَالَماً قَائِمًا بذاته، وَاتَّسَعَتْ معانيه وتعددت جوانبه، حتى لم يعد بإمكاننا حَصْرُهُ في المعاني العاطفية وحدها، أو في المعاني العقلية، بل إنه يتجاوز هذا، فمن بين هذه الصفات نجد الهداية والعقل والتدبر والاطمئنان والسكينة والخشوع...

لقوله تعالى في كتابه العزيز:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾.

كما أن لفظ القلب ذُكِرَ عِدة مرات في السنة النبوية، ولقد سبق النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام العلم في عصرنا إلى الحديث عن دور القلب وأهميته في صلاح النفس، بل إنه جعل للقلب دورا مركزيا، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف: "ألا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسد كله، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسد كله، ألا وهي القلب".

ومن خلال كل التأويلات والصُّوَرِ المَجَازِيَّة التي ارتبطت بمفهوم القلب في القرآن الكريم والسنة النبوية ستتضح لنا الحقيقة الجديدة التي انكشفت خلال العقدين الأخيرين والتي حيرت العلماء والأطباء بخصوص مُهِمَّة القلب انطلاقا من عمليات زراعة القلب الشيء الذي سنتطرق إليه في المحور الثالث ألا وهو:

المحور الثالث: المتغيِّرَات العلمية الحديثة في علم القلب

مولاي أعزكم الله

شكل البحث العلمي في القرن الواحد والعشرين بالنسبة للعلماء والمهتمين في مجال القلب نَقْلَةً نوعية بارزة تلخصت خطوطها العريضة في عمل القلب والدماغ بتناسق وتناغم عجيب، وحدوث تنافر واضطراب على الفور في حال وجود خلل في هذه العلاقة، مما وجه العلماء إلى تسطير ملاحظات غريبة خصوصا بعد عمليات زرع القلب ووضع القلب الجديد في صدر المريض، حيث يبدأ هذا الأخير بالنبض على الفور دون أن ينتظر إشارة من الدماغ وعليه خَلُصَ بِهِمُ الأمر إلى القول باستقلال عمل القلب عن هذا الأخير، وتوجيهه والتحكم في عمله، واعترفوا أخيرا أنهم لم يدرسوا القلب من الناحية النفسية، وكانوا مقصرين في دراسة هذا الجزء الهام وعليه طُرِحَتَ العديد من الأسئلة من قَبِيلْ:

  • هل القلب يفكر؟
  • هل ما نتخذه من قرارات في الحياة ينبع من العقل أو من القلب؟
  • ما مدى تأثير العقل والقلب في تأثير مساراتنا في الحياة؟

لهذا أدرك العلماء الآن أن العلاقة بين القلب والدماغ هي علاقة ديناميكية ثُنَائِيَةَ الاتِّجَاه وأَنَّ كِليهُمَا يُؤَثِّرُ في الآخر، وذكر الباحثون أربع وسائل يُؤَثِّرُ القلبُ بها على الدماغ:

  • عصبيا من خلال النبضات العصبية.
  • بيوكيميائيا بواسطة الهرمونات والناقلات العصبية.
  • بيوفيزيائيا بموجات الضغط.
  • كهرومغناطيسيا بواسطة الطاقة التي في القلب.

كما يُؤكد الدكتورJ. Andrew Armour (أستاذ وباحث في جامعة موريال بكندا) سنة 1991 أن هناك دماغا شديد التعقيد موجود داخل كل خلية من خلايا القلب، ففي القلب أكثر من أربعين ألف خلية عصبية تعمل بدقة فائقة على تنظيم معدل ضربات القلب وإفراز الهرمونات وتخزين المعلومات، ثم ترسلها إلى الدماغ عبر ممرات خاصة، كما أنها تقوم بتوجيه خلاياه لتتمكن من الاستيعاب والفهم والإدراك، فهذه الخلايا العصبية التي توجد في القلب هي خلايا معقدة جدا لم يَتحقق العلماء حتى الآن من طريقة عملها، وأطلق عليها العلماء المعاصرون العقل الموجود في مركز القلب.

ولذلك فإن بعض العلماء اليوم يقومون بدراسة العلاقة بين القلب والدماغ وعلاقة القلب بالعمليات النفسية والإدراكية.الشيء الذي أثبته وأكده الباحثان:

Rollin Mc Craty & MIKE Atkinson (مدير وأستاذ باحث في طب النفس البيولوجي في جامعة فلوريدا أطلنتيك) سنة 1999، وذلك من خلال قياس النشاط الكهرومغناطيسي للقلب والدماغ أثناء عملية الفهم.

مما أدى بالأوساط العلمية بالالتفات إلى ما يُدْعَى بـالذَّاكِرَةِ آلخَلَوِيَّة التي تم اكتشافها من طرف الدكتورة: بيرت كانديس (Pert Candace) (عالمة مختصة في علم الصيدلة وعلم الأعصاب بنيويورك) والتي خَلُصَتْ إلى القول أن الخلايا في أجسامنا تحتوي على معلومات عن شخصياتنا، أذواقنا، أنماط حياتنا، بل وحتى تاريخنا. والدليل على هذه الظاهرة وبكل بساطة هي تغير شخصيات من خضعوا لعمليات زراعة القلب. بالرغم من أن هذه الفكرة قد تبدو غريبة وبعيدة عن أذهان البعض.

كما تقول المعالجة النفسية Linda Marks (أستاذة باحثة بجنوب فلوريدا)بعد عملها لمدة عشرين عاما في مركز القلب أنها أَحَسَّتْ بالتغيير الذي يَحْصُلُ في نفسية وعاطفة المريض قَبْلَ وبَعْدَ عملية زراعة القلب، كما تمكنت باحثة أخرى ألا وهي ليندا راسك Linda Russek (أستاذة في طب النفس بأريزونا) من تسجيل علاقة تأثير المجال الكهرومغناطيسيي للقلب على المجال الكهرومغناطيسي لدماغ الشخص المقابل.

وقد قام كذلك الدكتور Gary Schwartz ببحْثٍ ضَمَّ أكثرَ من ثَلاَثِمِائَة حالة زراعة القلب، ووجد بأنَّ جَمِيعَهَا قد حدَثَ لها تغيرات نَفسية جِذرية بعد عملية الزراعة، وحتى هذه اللحظة لم يَسْتَطِعِ العلماء تفسير هذه الظاهرة، ولماذا حدث هذا التحول النفسي الكبير وما علاقة القلب بنفس الإنسان ومشاعره وتفكيره.

وهناك قصص واقعية من الحياة تدل على هذه الظاهرة والتي نُشِرَتْ في جريدة دِيْلِي مِيْلْ البريطانية وفي جريدة واشنطن بوسط سنة 2007 وفي كتاب شفرة القلب للدكتور بول بيرسال (عالم في المناعة النفسعصبية بجامعة أريزونا)، نسرد منها:

القصة الأولى

حيث تقول الدكتورة ليندا: من الحالات المثيرة أيضا أنه تم زرع قلب لفتاة كانت تعاني من اعتلال في عضلة القلب، ولكنها أصبحت كل يوم تحس وكأن شيئا يصطدم بصدرها فتشكو لطبيبها هذه الحالة فيقول لها هذا بسبب تأثير العملية الجراحية، ولكن تبين فيما بعد أن صاحبة القلب الأصلي صدمتها سيارة في صدرها وأن آخر كلمات نطقت بها أنها تُحِسُّ بألمِ الصدمةِ في صدرها.

أما القصة الثانية

فقد تبين أمرا مثيرا للاهتمام ألا وهو أن أولئك المرضى الذين استبدلت قلوبهم بقلوب اصطناعية فقدوا الإحساس والعاطفة والقدرة عن الحب، حيث أُجْرِيَتْ عملية زرع القلب الاصطناعي لمريض فَقَدَ مَشَاعِرَهُ بالكامل بعد زراعة القلب لدرجة أنه أصبح غير مُبَالٍ بأي شيء ولا يهتم بالحياة، بل إنه يفكر أحيانا بِوضع حَدٍّ لحياته والتخلص من هذا القلب الاصطناعي!.

ففي عام 2002 نشر الدكتور بول بيرسال نتائج بحثه الذي استغرق عشر سنوات، والذي شَمَلَ ثَلاَثَا وَعِشْرِينَ زِرَاعَةَ قَلْب، وانتهى من بحثه إلى نتيجة مَفَادُهَا أن التغيرات التي طَرَأَتْ في المزروع لهم، تتطابق مع شخصيات المتبرعين.

زيادة على هذا فإن هناك مئات الحالات التي حدثت لها تَغَيُرَاتٍ جِذرية في الشخصية بعد عملية زراعة القلب، ولقد رفض الأطباء في أمريكا التعاملَ مع مِثْلِ هذه الحالات على الرغم من إلحاحِ المرضى مَعْرِفَةَ مَنْ تَبَرَعَ لَهُمْ بالقلب وما هي صفاته، ولكن القوانينَ تَمْنَعُ ذلك عندهم، ولذلك هذه الحالات تبقى غير مدروسة مائة في المائة، كما أنها تُشَكِّلُ تحديا للطب الحديث الذي عَجَزَ عن تفسيرها بحقائقه الحالية!.

هذا ما يدفعنا إلى الانتقال والخوض في المحور الرابع والأخير.

المحور الرابع: معجزات القرآن الكريم في علم القلب

مولاي أعزكم الله

إن الحقائق العلمية التي تَطَلَبَتْ سنواتٍ من البحث وأُنْفِقَ عليها مليارات من الدولارات وشَغَلَتْ أفكارَ علماءٍ أَفْنَوْا مراحلَ من عُمْرِهِمْ في البحث لِيُثْبِتُوهَا في عصرنا الحالي سَبَقَ القرآن الكريم إلى إِثْبَاتَهَا والحديث عنها بأسلوب عِلمي دقيق قبل أربعةَ عَشَرَ قَرْنًا. وذلك في كل المجالات مثل البحار والجبال والطب والنفس، وَكُلُّهَا تَشْهَدُ على صِدْقِ قول الحقِّ تبارك وتعالى مُسْتَنْبَطًا من الآية الكريمة:

﴿سَنُرِيهِمُ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّن لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْف بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

مما يؤكد مرة أخرى إعجازَ هذا الكتاب العظيم ويدحض مزاعم المتشككين.

وَتَكْرَارُ ذِكْرِ القلب في نصوص عديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، جعلت الشريعة الإسلامية صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة صلاحاً مرهوناً بصلاحِ قلبه.

إن ما توصل إليه العلماء من تطبيقات عِلمية مُذْهِلَة تجعلهم في بحث دائم عن سر أسرار هذا الكون في كل جوانبه. كما لا تزال أمامهم تحديات كبرى للوصول لفك أسرار القوانين والبحث عن أصلها وسرها ومآلها، وبالتالي بَقِيَ هناك الكثير جدا أمام الإنسان لِيَكْتَشِفَهُ ويجد إجابةً له.

وعليه بَدَا لِزَاماً على العلماء في العصر الحالي بِنَاءَ نِظَامِهِم العِلمي والبحثي على طرق جديدة توازن بين الروحي والمادي وعندئذ سَيَتَمَكَّنُونَ من تدقيق كل النتائج التي توصلوا إليها. 

مولاي أمير المؤمنين

لقد أَفْضَتْ جُلُّ الدراسات المتعلقة بعلم القلب أن هذا العضو له مدلول وفهم آخر غيرَ ذلك الذي اتَّفَقَ عليه العُلماءُ قبل، فهو أكبرُ من أن يكونَ مجرَّدَ كُتْلَةٍ لحمية رابضة في القفص الصدري مُهِمَّتُهَا ضَخُّ الدَّمِ لأعضاء الجسم، بل هو يُغَذِّي الجسم أيضا بالمعلومات مع كل دقة من دقاته.

إن ما حمله القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا حول القلب لا يمكن أن يكون مجرد معلومات شَرَحَتْ ظواهر علمية حديثة، بل إنها عبرةٌ لكل مؤمنٍ ليزداد إيمانُه بالله ويَعْرِفَ أهمية هذا العضو في الحياة الدنيا والآخرة.

لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِاللَّهِ ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.

﴿رَبَّنَا لَاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.

وفي الأخير نجعل مسك الختام التوجه لله سبحانه وتعالى سائلين العلي العظيم من فضله ومن فيضه أن يجعل عنايته الإلهية ترافق مولانا أمير المؤمنين محمدا السادس في الحركات والسكنات.

اللهم انصره نصرا عزيزا تعز به الدين، وتجمع به كلمة المسلمين، وأصلح به وعلى يديه، واحفظه بما حفظت به الذكر الحكيم.

والسلام على المقام العالي بالله

والختم لمولانا أمير المومنين أعزه الله

للاطلاع أيضا

زبيدة هرماس : لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني

عبد الوهاب زايد : النخيل في القرآن والسنة

سعد بن ثقل العجمي : مسألة الاحتجاج بفهم السلف

محمد بنكيران : صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يوجه رسالة سامية إلى الحجاج الميامين بمناسبة سفر أول فوج منهم إلى الديار المقدسة
facebook twitter youtube