الأربعاء 18 محرّم 1441هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

زبيدة هرماس : لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني

exp darss elhassani 7 1440 2019

نص الدرس السابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية للعام 2019/1440 والذي ترأسه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، يومه السبت 26 رمضان 1440( فاتح يونيو 2019) بالقصر الملكي بمدينة الرباط؛ والذي ألقته بين يدي جلالة الملك، الأستاذة زبيدة هرماس، عضو المجلس العلمي المحلي بعين السبع الحي المحمدي، متناولة بالدرس والتحليل موضوع : "لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني" انطلاقا من قوله تعالى في سورة الأعراف "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون".

نص الدرس السابع للأستاذة زبيدة هرماس حول لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيد المرسلين
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

مولاي أمير المؤمنين

أتشرف بإلقاء هذا الدرس أمام جنابكم الشريف، في مجلس فسحتم فيه المجال للمرأة إلى جانب الرجل، وهو من إشاراتكم القوية لإحقاق الحق في ما أقره الدين من كون النساء شقائق الرجال في الأحكام، أتكلم تحت هيبة المقام، سائلة الله تعالى أن أكون عند حسن ظن سيدنا الهمام.

وبعون الله نباشر هذا العرض انطلاقا من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَا بنِي آدمَ خُذُوا زِينَتَكُم عندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا واشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحبُّ المُسْرِفِين، قُلْ منْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التِي أخْرَجَ لِعِبَادِه وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ للذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنيا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَذَلكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لقَومٍ يَعْلَمُونَ﴾.

وسنسوق الحديث في مقدمة نُبين فيها دواعي الكلام في موضوع لباس المرأة في وقتنا هذا، ثم نَبسطه في ثلاثة محاور هي:

  • أولا: نصوص الكتاب والسنة في مسألة لباس المرأة، كيف فُهمت وكيف ينبغي أن تفهم؛
  • ثانيا: لباس المرأة في حضارة المسلمين عامة، وفي حضارتنا المغربية خاصة؛
  • ثالثا: اقتراح موجهات مبدئية اجتهادية في فهم مسألة لباس المرأة في وقتنا هذا

المقدمة

إن دواعي الكلام في موضوع لباس المرأة متعددة، نذكر منها الأربعة التالية:

  • أولا: ما نلاحظه في السنوات الأخيرة من تسرب أشكال من لباس المرأة من الخارج إلى مجتمعنا، لم تكن معروفة من قبل، الواقع أن أنواعا أخرى من لباس المرأة جاءت دخيلة كاسحة من أوروبا في القرن العشرين، ولكن الفرق بينها وبين هذه التي نريد الحديث عنها هو ما يُظن ويُراد من نسبتها إلى الدين، والقول بأنها اللباس الشرعي المطلوب، فوجب توضيح هذه المسألة؛
  • ثانيا: ظهور هذا الادعاء في آفاقٍ أخرى، ولاسيما في البلاد الغربية، وإقامةُ ضجةِ هويةٍ هناك تَدَّعِي إسلامية هذا اللباس، مع ما تتسبب فيه تلك الضجة من الحرج للمسلمين حيثما كانوا، لأن الشعارات التي رُفعت هناك تختزل الإسلام في هذا المظهر الخارجي الذي هو اللباس، وكأنه يوازن كل الزخم الحضاري والتنوع الثقافي الذي حققه المسلمون في تاريخهم الممتد وعبر آفاقهم المترامية؛
  • ثالثا: جعل المرأة في هذه المسألة هي الضحية، سواء كانت بنتا في المدرسة أو زوجة في البيئة الاجتماعية أو عاملة في الحياة النشيطة؛ ضحيةَ الرجل الذي يُكرهها أو يفتي لها أو يجعلها مدار مواجهة هوية كان يمكن أن تدور على أمور في عمق التميز الفارق فيما ينفع الناس ويزيد جاذبية الإسلام؛
  • رابعا: كون التوجه الذي يميل إلى قَصر لباس المرأة على شكل وحيد ومعين، يبتعد عن المقصَد من أحكام اللباس في الشرع، ويتمسك ببعض ظاهر الأمور، ويمارس من خلال هذا السلوك ما يمارسه من تحجيم الدين بالنظر إلى مستوى القضايا الكبرى التي اجتهد فيها المسلمون وبنوا على أساسها تعددا لائقا بوسع الدين ويسره. ويماثل هذا الاختزال للدين في مسألة اللباس ما تتعرض له الثوابت العقدية والمذهبية والسلوكية من مناهضة وتحجيم.

بعد هذه المقدمة وقبل البداية في محاور الدرس نؤكد أن الخلاصة التي ستنتهي إليها كل الاستنتاجات المبنية على شواهد القرآن والحديث، هذه الخلاصة هي أن المرأة حرة في لباسها لا يحاسبها إلا ضميرها، وأن بعض أشكال النقاب ليست إلا مظاهر قد يأخذ بها البعض في حين أنها لا تضمن العفاف المطلوب في الدين والذي لا يتحقق إلا باختيار المرأة وحريتها في التصرف بقطع النظر عن شكل اللباس الذي ترتديه.

المحور الأول: نصوص القرآن والسنة في موضع اللباس وكيف تُفهم

نتوقف على بعض الآيات القرآنية التي يدور حولها المرجع في مسألة لباس المرأة في ثلاثة مواضع من القرآن:

أولها: قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيءِ إِلَّا أَن يُوذَنَ لَكُمُ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ، ولكِنِ إذَا دُعِيتُم فادْخُلوا فَإذَا طَعِمْتم فانتَشِرُوا،ولا مُستَانِسِينَ لِحَديث إنَّ ذَلِكُمْ كانَ يُوذِي النَّبيءَ فَيسْتحْيي منكُم واللَّهُ لاَ يسْتَحْيِي منَ الحَقِّ، وَإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ منْ وَرَاءِ حِجَابٍ، ذَلِكُمُ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، وَمَا كَانَ لكُمُ أنْ تُوذُوا رَسُولَ اللهَِّ ولاَ أن تنْكِحُوا أَزوَاجَهُ من بعْدِهِ أبَداً إنَّ ذلكُمْ كَانَ عندَ اللهِ عَظِيماً﴾. (الأحزاب 53).

يذكر المفسرون في سياق نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيش في جماعته عيشة مفتوحة تتسم بالقرب، فقد كانت بيوت أزواجه بجانب مسجده، وكان يدخل عليه وعلى أهل بيته زوارٌ ليسوا سواءً لا في موقفهم من دعوته، ولا في تقواهم الدينية، ويذكرون أن من تنبه إلى ذلك من جهة الغيرة على رسول الله وأهل بيته بسبب هذه الزيارات، هو عمر بن الخطاب، وأنه صدر منه ما يشبه التمني بخصوص حجاب أزواجه صلى الله عليه وسلم، فالحجاب كان معروفاً عند العرب من قبل، وكان معروفا أيضا أن النساءَ في تلك البيئةِ كن يتعرضن لعدوان الرجال ولاسيما من المشركين، ولابد من الإشارة إلى أن التعامل مع النساء في ذلك العهد كان يختلف في الشدة واللين باختلاف البيئات حتى في بلاد العرب، فقد كان معروفا أن أهلَ المدينةِ كانوا أكثرَ تساهُلاً مع نسائهم، وهو ما تعجب منه المهاجرون الذين جاءوا من مكة، والإسلام الذي كان ثوريا في تغيير أمور عظيمة في اتجاه تكريم المرأة ومساواتها مع الرجل، لم يكن ليغير كل الأمور في العوائد الاجتماعية دفعة واحدة، فقد نزلت هذه الآية في السنة الخامسة بعد الهجرة، وكان الحدث الثاني الذي اقتضى التنبيه هو الحضور الكثيف للصحابة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة زواجه ببنت عمه زينب، حيث تراخى بعضهم في المغادرة بعد حفل الزواج، والغرض من التنبيه هو حماية بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ خصوصيته، ومما يستحقُّ الانتباه أن بعضَ المفسرين فهِموا الحجاب الوارد في الآية على أنه الحاجز الذي يستر ويقسم الفضاء المكاني إلى قسمين.

أما الموضع الثاني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ قُل لِأَزْوَاجِكَ وبنَاتِكَ ونِِسَاءِ المُومِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ، ذَلكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُوذَيْنَ وكانَ اللهُ غَفُوراً رحيماً﴾. ( الأحزاب 59).

ويَتناول المسألة ذاتها، وهي الخوف من الإذاية، ولكن الأمر في هذه الحالة يتعلق بلبس الجلابيب لا بالستر، والجلباب ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلى جانباه على ذراعيها وينسدل سائره على كتفيها وظهرهاـ تلبسه عند الخروج والسفر، وفي التحرير والتنوير للعلامة ابن عاشور قول نفيس هو: "وهيآتُ لَبس الجلاليبِ مختلفةٌ باختلاف أحوالِ النساء، تُبينها العادات، والمقصود هو ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرفْنَ فَلَا يُوذَيْن﴾، والآية هنا تتكلم عن ارتدائه حتى يكون شارة مُميَّزة تقي من عدوان الجنس الآخر، والمناسبة هنا كما يفهم من حديث عائشة رضي الله عنها هي أن نساء دار النبوة كن يخرجن لقضاء حاجتهن ليلا، ويسمى الخروج للمناصع، فكان الرأي أن يتميزن بشيء حتى لا يتعرضن للإذاية، وكان السلوك المتكرر في تلك البيئة هو استسهال العدوان على الإماء، وهن لا يلبسن الجلباب ولا عصبية لهن، ولذلك لزم تميز الحرائر، وهذا وضع استعصى القضاء عليه في حينه بالرغم من كل ما جاء به الإسلام في اتجاه تحرير العبيد، ذلك أن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال جعلت مصالح المشركين في خطر، وقد كان كبيرُهم وهو عبد الله بن أُبي، يجبر الإماء على البغاء لحسابه، وهو مُروج ما عُرف بإفك عائشة رضي الله عنها، وكان هؤلاء المنافقون يودون استعمال الحياة الخاصة للنبي لمعارضة مشروعه التحريري، فكانوا يتحرشون بالنساء في الطرقات بدعوى أنهم ظنوهن من الإماء. فالحجاب على هذا الأساس كان المقصودَ به أن يكون علامة مميزة لصاحبته من أجل حمايتها، وهذا الوضع يندرج في الحقيقة المتأصلة في المجتمعات وهي ضعف الجنسين أمام الإغراء، وكل من يقف أمام سياق هذه الآية يواجهه السؤال المتعلق بالحجاب الوارد فيها، هل جاء قاعدة بشكلها المادي أو جاء وسيلة وقتية مباشرة وعلامة فارقة؟ ومعلوم أن أغلب المفسرين القدماء يأخذون بالاعتبار الأول، لأن التحفظ كما هو منتظر منهم في مثل هذه الأمور أولى من التوسع في الفهم.

أما الذين يقولون بالاعتبار الثاني فهم يرون في مسألة الحجاب في ذلك السياق نوعا من التعامل الوقتي الضروري مع المنافقين، وفي الاعتبارين معا فلا ضرورة لرفع المسألة إلى مرتبة القواعد وشعارات الهوية، والخلاف يدور حول الجزء الذي يجب أن تحجبه المرأة من الجسد، وخاصة الوجه والرأس، سيما وأن القرآن الكريم لم يفصل في كيفية إدناء الجلباب وإنما اجتهد في ذلك الفقهاء على اختلاف أنظارهم.

أما الموضع الثالث في قوله تعالى في سورة النور: ﴿قل للمُومنين يغُضُّوا منَ أبْصَارِهم وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم ذلِك أزْكى لهم إن الله خبيرٌ بما يصنَعون. وقل للمُومنات يغضُضن منَ أبصارهنَّ ويحفظن فروجهن ، ولا يُبدين زينتهنَّ إلا ما ظهر منها ولْيضربن بخمُرِهن على جيوبهن ، ولا يبدينَ زينتهنَّ إلا لبعولتهنَّ أوَ آبائهنَّ أو آباء بعولتهنَّ أو أبنائهن أو أَبْناء بُعولتهنَّ أوِ إخوانهنَّ أو بني إخْوانهنَّ أو بَني أَخَواتهنَّ أو نسائهن أو ما ملكت أيمانُهنَّ أَوِ التَّابعينَ غيرِ أولي الاِرْبةِ من الرِّجال أوِ الطِّفلِ الذين لم يظْهروا على عَوْرات النِّساء ولا يضربنَ بأرجُلهنَّ ليُعْلَم ما يُخفينَ من زينتهنَّ ، وتوبوا إلى الله جميعاً أَيُّهَ المُومنون لعلَّكُم تُفلحون (النور 31).

والموضوع كما نرى هو غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة، وفيها يتوجه القرآن إلى الرجال، ثم إلى النساء، فقد كان التبرج حالة عادية في الجاهلية، وحيث إنه مصادم للحياء فلا يتصور ألا يُورد فيه الإسلام توجيها للتغيير، فقد كان من العوائد عند من لم يسلمن بعد خروج طوائف من النساء البنات والإماء للطواف حول الكعبة عاريات الأرجل بحثا عن الزواج. فالمفهوم من الآية أن الجسد من حيث هو لا يزني، ولكن إرادة الزنا في إظهار الزينة قصدا بهدف الإغراء، ومن ثمة فالآية تقرر ضرورة غرس تربية كونية قائمة على التزام الحياء الذي يتوافق مع الفطرة المؤهِّلة لمراد الله تعالى في تكريم الإنسان بأحسن تقويم. ويختلف نظر الفقهاء بين تخصيص مسألة الحجاب بنساء النبي ومسألة تعميمه، كما تختلف اجتهاداتهم بين إجبارية الحجاب ومسألة شكله بحسب ما لجأُوا إليه من شروط القياس.

وإلى جانب نصوص القرآن الكريم، يُستأنس في باب اللباس ببعض أخبار السنة كقول أم سلمة: لما نزل قوله تعالى: "يُدنين عليهن من جلابيبهن" خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية". كما يُستأنس بالحديث الذي ورد فيه: أن عائشة رضي الله عنها لبست الثياب المعصفرة أي الصفراء، في الطواف، وأنها لم تر بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة، وكحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبعض أصحابه: "إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس". بمعنى أن يتميزوا في أناقتهم؟ فإذا طُلبت الأناقة من الرجال فبالأحرى أن تُطلب من النساء.

المحور الثاني: اللباس في حضارة المسلمين المتعددة الأجناس والثقافات

لاشك أن استنطاق آثار الواقع التاريخي لما كان عليه لباس الناس عامة، والنساء خاصة، في تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة يفيدنا في الفهم الواسع الذي كان عند المسلمين لحياتهم في توافق مع التزاماتهم الشرعية ومعتقداتهم الإيمانية وتمظهراتهم الثقافية، ومعرفة الوقائع التاريخية مفيدة في تنوير عقول المسلمين، ومن أبرز من بحث في اللباس في تاريخ المسلمين المستشرقان ضوزي Dozy وستيلمانStillman ، فمن خلال الأبحاث المتخصصة نعرف أن النساء قبل الإسلام في بلاد العرب كن يرتدين نقابات حاجبة، ويلتحفن الإزار تأثرا بحضارات أقدم وأرقى، فالعرب جاءهم معظم لباسهم من خارج بلادهم، وفي العهد النبوي لم يتبدل اللباس البدوي لأنه كان بسيطا ووظيفيا، ولكن الحضريين كانوا بالرغم من التمسك بالستر على بحث دائم لتغيير الملابس، فاللباس الداخلي عموما كان هو القميص، والخارجي هو المعطف أو الرداء، وكانت قطع مختلفة من الثياب مشتركة بين الرجال والنساء، وكان الاختلاف في كيفية الارتداء، مع تفرد النساء بغطاء الرأس وبالحلي وبمظاهر للتزين.

كان اللباس الأساسي هو الإزار، والخلاف قائم في القول بوجود السراويل، ومعظم الثياب من قطعة واحدة فوق القميص، كانت الخلع مجلوبة من الشام، أو من مجال الحضارة البيزنطية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يلبس حلة حمراء في غاية الجمال. كانت العادة أن يلبس الرجال والنساء معطفا مفتوحا من أمام، منه نوع فاخر مزرر من الديباج، وكانت قطع أخرى مثل الشملة والخميصة، وكان الجلباب والخمار والمرط خاصا بالنساء، وكانت تغطية الرأس علامة وقار للرجال والنساء، وكن يستعملن اللثام والمنديل والنقاب والبرقع المشدود بعصابة، وما لبثت الثياب الفاخرة أن حلت محل اللباس المتقشف الذي كان بالمدينة. وعلى الإجمال فإن الإسلام لم يأت بلباس معين محدد للنساء، وإنما تدخل في اللباس الذي وجده مستعملا لكي يحفظ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ثم لنساء المؤمنين الوقار الذي كان ينبغي فرضه على ذوي الأطماع من الرجال، وعدم فتح المجال لشهواتهم، فالحجاب منطقيا كان مطلوبا ضد بعض الرجال ولكمال ما قد يعتري من النقص في إرادة بعض النساء.

لقد انتشر الإسلام خارج بلاد العرب في مجالات واسعة كانت للنساء فيها حضارات وأعراف خاصة تتعلق باللباس، في الشام والعراق وفارس ومصر وبلاد المغرب والسند والهند وآفاق أسيوية عميقة، وفهم كل من وصلهم الإسلام توجيهه في العفاف والمروءة، فكان على النساء تكييف لباسهن مع هذا المبدأ السلوكي، ولم يكن الأمر يتعلق ضرورة بتغيير اللباس في مادته أو شكله باقتباس اللباس الذي كان ببلاد العرب. وفي جميع آفاق الإسلام تنوعت ألبسة النساء حسب الموروث الحضاري، وحسب البيئة الجغرافية، ووفق نمط الحياة البدوية أو الحضرية، وحسب الطبقة الاجتماعية وتبعا للسعة الاقتصادية، فقد كانت تجارة الأنسجة بين البلدان مزدهرة وكان فيها الديباج والحرير من البضائع الرائجة، واشتهرت أنواع من الطرز المعدة لألبسة النساء.

وقد تميز المغرب بسواد عادات الأمازيغ في لباس النساء، وهي متنوعة بتنوع مجالاته البدوية والحضرية، وكان للتفاعل مع المجال الأندلسي تأثير على عوائد مدن المغرب خاصة حيث ظهرت وتطورت التفصيلات، ولم تتأثر إلا قليلا بالمجالين الفارسي والعثماني، وقد تخلف لنا من التاريخ ما يقرب من ستين اسما من أسماء اللباس النسوي التي عرفها المغرب، ومن وثائق أخبار هذا التراث عقود الزواج التي تذكر فيها الملابس التي يهديها العريس لعروسه.

ومما وصلنا في هذا الباب، خبر المهدي بن تومرت الذي رجع من المشرق بمشروع انقلابي مهد له بنقد مظاهر في حياة الدولة المرابطية القائمة، والتي كان الفقهاء مساندين لها وأصحاب الرأي في شئونها، ومن ذلك أنه لقي بمراكش أخت أمير المسلمين علي بن يوسف، وكانت على عادة أهلها الصحراويين حاسرة الرأس، فخاطبها بعنف إلى حد أنها ذهبت وهي تبكي شاكية لأخيها صاحب الدولة، وهنا إحدى أوائل محاولات التغيير الثقافي في لباس النساء بتأثير من الخارج.

ولابد من التذكير بما هو واقع تاريخي وليس من قبيل الأخبار التي تحتاج إلى وثائق، هذا الواقع هو أن ثلثي نساء المغرب إلى غاية القرن العشرين كن يعشن بالبوادي، وهؤلاء النساء لا يعرفن الحجاب بمعنى القرار في البيت، بل يخرجن ضرورة منذ الطفولة وإلى غاية الشيخوخة للعمل إلى جانب الرجال في الغابات والحقول، بشكل عادي خال من كل نفسية سلبية تمس بالستر والعفاف، ومما سمعناه من إحدى أخواتنا العالمات أن جدها الأعلى، وكان من أعيان قبيلته الجبلية في نهاية القرن التاسع عشر، قد أراد أن يتزوج ويضع زوجته في الحجاب داخل الدار كما يفعل الموسرون في المدن، وبعد مدة قصيرة تطلب منه الزوجة الطلاق لأن الحياة التي نشأت عليها هي حياة العمل خارج المنزل، ولم يجد من تقبل حجابه إلا في الزيجة التاسعة، وتشهد على غنى لباس المرأة المغربية وقائع أخرى لا تنكر، منها ما عرفته صناعة النسيج من تطور منذ العهد المريني، ومنها براعة المرأة نفسها في صناعة هذا اللباس وترقيته وتفصيله وتطريزه، وقد تحدث ابن الحاج الفاسي المتوفى عام سبعة وثلاثين وسبعمائة للهجرة، مؤلف كتاب المدخل، تحدث عن لباس النساء في وقته، وذكر منها القمصان الضيقة القصيرة، استنكرها هذا الفقيه لأنها ضيقة قصيرة لا تتجاوز الركبة، تصف منهن الأكتاف والثديين، ويكشف القصر عورتهن في حالة الجلوس والانحناء، ومن شواهد هذا التطور ذلك البذخ الذي وصلت إليه صناعة الحلي وصناعة العطور والتطريات، ونمو ذوق المرأة عموما، لاسيما في جانب اللباس، وهو واقع لم يصلنا منه صدفة ما وصلنا في أيامنا هذه.

وفي بداية القرن العشرين تم اتخاذ الجلابية النسائية التي تلبس فوق القفطان، وكان القصد هو تحرير الوسط النسائي من لباس الحايك ومن بعض التقاليد التي تعيق مشاركة النساء في الحياة العامة وفي التعليم، وفي سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وألف ثم إحداث شعبة نسائية لتأطير المناضلات داخل الحركة الوطنية، وكانت تعمل على نبذ لباس الحايك وتعويضه بالجلابية باللثام. ودعا جدكم المرحوم صاحب الجلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه إلى الأخذ بإيجابيات العصر دون التفريط في الأصول، فأقبلت جموع كبيرة من البنات بلباسهن المحتشم على ولوج المدارس والمشاركة في الجهاد الأكبر الذي دعا إليه جلالته.

المحور الثالث: الموجهات المبدئية في مسألة اللباس

إن لباس المرأة من المسائل التي ينبغي أن يراعى فيها مقصد الشرع بحسب ما نزل فيها، وأن يكون فهم النص في سياق سبب النزول، لأن مخالفة ذلك سيوقع في العسر والحرج، دونما ضرورة تحمل على ذلك، وسبيل تحمل المسئولية فيها سواء بالنسبة لجهة الإفتاء أو لكل امرأة تريد أن تتبين، هو تدبر المعطيات الموضوعية التي منها:

  • أولا: تبين مرتبة هذه المسألة بين المسائل وما يستتبع ذلك من إدراك أن قضية اللباس كما يطرحها البعض ليست في الشرع من كبار المسائل؛
  • ثانيا: استحضار أهمية المقصَد والنية في هذه المسائل، كما في كل مسائل الشرع، الأمر الذي يتميز به سواء من الرجال أو من النساء من يقصد ومن لا يقصد الفتنة أو الاختيال، وقد حان الوقت لتكون هذه المرأة وهي المعنية بأمر اللباس بلا وصاية، إلا وصاية المقصد الشرعي الذي مرجعه الضمير والذي لا يتحقق ضرورة بنوع من اللباس البدوي أو الحضري لجماعة من الناس في بلد من البلدان، والإسلام في هذا الوقت يعيش ويتعايش في كل البيئات؛
  • ثالثا: استحضار الحقيقة المركزية في الموضوع وهي أن لباس التقوى خير، وهي مسألة باطنية قبل أن تكون ظاهرية؛
  • رابعا: إدماج بعد الزينة والجمال في المنظور الشرعي وعدم التفريط في الظاهر استلهاما من الآية المبني على الدرس؛
  • خامسا: مراعاة الوظيفة والضرورة التي تتغير بتغير البيئة وتشمل الاتقاء من البرد والحر كما تشمل المواراة، قال العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير: قوله تعالى: "يُوَاري سوْءاتِكُم" إشارة إلى وجوب ستر العورة المغلظَّة، وهي السوأة، وأما ستر ما عداها من الرجل والمرأة فلا تدل عليه، وقد ثبت بعضه بالسنة وبعضه بالقياس، والخوض في تفاصيله وعلله من مسائل الفقه؛
  • سادسا: طلب التيسير الذي يقتضي الأخذ بعرف البلد لما في ذلك من التمتع بوسع الدين وإمكان الإسهام الثقافي في حضارة اللباس الكونية؛
  • سابعا: مراعاة الاختلاف الذي هو من آيات الله في خلقه، حتى لا يُحجم الدين إلى جزئيات في حياة المؤمن، ويمكن أن يقاس أمر اللباس على أمر الطعام، فالشرع حرم بعضه ولم يفرض نوعا من الطعام في كل ما هو حلال؛
  • ثامنا: الحرص على قيمة عظمى في الدين، وهي الحرية: فالحرية هي المبدأ الأساس في معنى التدين والمسئولية الدينية التي لا تقبل الإكراه، مع صيانة هذه الحرية بسن القوانين التي تحفظ القدر الأدنى من قواعد الحشمة في الساحة العمومية والكفيلة في نفس الوقت بضمان الحرية في غير استفزاز؛
  • تاسعا: مراعاة العقل في الواقع الحالي ومستجدات العالم المفتوح، حيث المساواة في النشاط والعمل في الفضاء العام بين الرجل والمرأة وحيث الذي لم يعد فيه بإمكان المجتمع أن يراقب السلوك الفردي الخاص: حيث المعول على ضمير الفرد الذكر والأنثى الذي بوسعه بوسائل التكنولوجية أن يصل إلى كل ما ينافي المروءة من أنواع الفتنة ويتواصل فيها مع الآخرين من الجنسين، فبتواري سلطة المجتمع في ضبط السلوك الأخلاقي تتحقق الظروف المثلى للحرية التي هي شرط الابتلاء في قوله تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. فالمرأة التي تقرر بحريتها أن تلبس لباسا معينا، لها ذلك ما لم تدع أن ذلك اللباس هو الشرعي بشكله، وأن ذلك الشكل وحده شرط مقصده، فكل لباس إنما هو شرعي بمقصده الذي هو العفاف والتقوى، والمقاصد من حرية المرأة ومسئوليتها؛
  • عاشرا: وجه المسئولية العمومية في هذا الموضوع: وتتمثل في إمكانية تدخل الإمام في اللباس للحماية من الفهم الشاذ للدين من جهة، ولحماية الناس من الفتنة والحيرة في هذا الباب ثانية، ولحماية ثقافة بلده وذوقه من جهة ثالثة، حتى لا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .

وقد اتفق علماء المذاهب أن من صلاحيات الإمام تقييد المباح، ونقله من الإباحة إلى الوجوب والإلزام أو إلى المنع والتحريم، وأقرب مثال لذلك عندما يسن الإمام قوانين تلزم فئات من الأمة مدنيين أو عسكريين بلباس معين، فيصير في حقهم واجبا بحكم الصفة والمهنة، ويسن قوانين تمنع الفئات الأخرى من انتحال صفتهم وارتداء لباسهم.

قال العلماء: وإذا قرر الإمام تقييد المباح وجبت طاعته في ذلك، لأنه لا يفعل إلا لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، وقرروا بأنه يوجه اايجتهاد الجماعي من خلال مؤسسات الدولة التي تستنير بتوجيهاته بما يحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

ولم يقل أحد من العلماء إن ما يسنه ولاة الأمر دين آخر يزاحم دين الله تعالى أو يسعى ليحل محله، ولكنه سياسة شرعية هدفها الخروج من الخلاف وجمع الكلمة وتوحيد الفتوى.

خاتمة

إن مسألة اللباس ذات أهمية في الهوية وفي الخصوصية في آن واحد، ولذلك ينبغي أن يقوم العلماء بتحريرها من كل الالتباسات، وذلك بإحالتها على المبادئ الكبرى في الدين، أي على مسئولية الأفراد وعلى المقاصد التي يلتقي فيها الشرع والعقل. فالخير الذي أراده الدين للناس متوقف أساسا على استنهاض الهمم للبقاء في أحسن تقويم، حيث يحمي الرجل وتحمي المرأة المروءة من الانحدار بالانغماس في شهوات الغرائز، يتوقف هذا التقويم على تزكية النفوس وتقوية الإرادات، إن ما اشتغلت به بلدان العالم ومؤسساته لاسيما في العقود الأخيرة من كف الأذى عن المرأة بسن قوانين رادعة للتحرش الجنسي مثلا، هذا الصنيع سبق إليه القرآن الكريم عندما أمر بغض البصر كناية عن أصغر وسائل العدوان، وما كان يمكن أن يسكت القرآن عن حالة من حالات الظلم التي كانت سائدة في حياة العرب قبل الإسلام، وقد قرن القرآن الكريم الغاية بالوسيلة المرتبطة بطريقة اللباس بالشكل المتأتي، وذلك كما فُهمت في ذلك الوقت وبعده، والمهم هو أن تتوفر للمرأة ظروف حياة العفاف والكرامة والحرية، وأن تختار كيف تتصور ذلك وتحققه في جانب اللباس في نضج عقلي وروحاني يحفظ لها جمالية الباطن والظاهر ويعفيها من تمارس الإغراء أو تتعرض له، فالأمر ما يزال كما كان عند نزول القرآن، أي الحاجة إلى حماية المرأة من إذاية الرجل بدل الميل إلى تحميلها معظم المسئولية، فحماية المرأة من إذاية الرجل المشار إليها في القرآن تتوفر مع رجل قادر على أن يحمي نفسه من نفسه.

مولاي أمير المؤمنين

إن مجلسكم هذا أحسن مثال يجسد ما تقدم في درسنا، ففيه جلساء وضيوف من الرجال والنساء، قد تحلى كل واحد وتزين بملابس بلده، وأنتم على رأس المجلس يا مولاي بلباس مغربي أصيل شامة في الناس كما قال جدكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في هيئة تجمع بين البعدين الشرعي والوطني.

ولقد حرصتم يا مولاي في المحافل الوطنية والدولية على أن تبرزوا هذا البعد الرائق من الثقافة المغربية التي تحرص على العرف دون التفريط في جانب الشرع.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فمن نفسي.

والسلام على مقامكم العالي بالله ورحمة الله وبركاته.

والختم من مولانا أمير المؤمنين

عبد الوهاب زايد : النخيل في القرآن والسنة

exp darss elhassani 6 1440 2019

نص الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، الذي ترأسه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الخميس 24 رمضان 1440 (30 ماي 2019) بالقصر الملكي بمدينة الرباط، والذي ألقاه بين يدي جلالة الملك، الأستاذ عبد الوهاب زايد سفير النوايا الحسنة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، متناولا بالدرس والتحليل موضوع: "النخيل في القرآن والسنة"، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة مريم "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا، فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا".

نص الدرس الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية للأستاذ عبد الوهاب زايد حول النخيل في القرآن والسنة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار.

مَوْلايَ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ؛

إِنَّهُ لَمِنْ دَوَاعِي الشرف أَنْ أُلْقِيَ بَيْنَ يَدَيْ جلالتكم هَذَا الدَّرْسَ في محفل من العلم تفردت به مملكتكم الشريفة.

وسيكون الحديث عن النخيل في القرآن والسنة لبيان ما يمكن أن يستنبط من الوحيين في هذا الموضوع من الأسرار. ومما تجب وتجمل الإشارة إليه قبل الدخول في الموضوع، ما ورد عند المؤرخين من أن جدكم المولى الحسن المعروف بالحسن الداخل، كان سبب مجيئه إلى المغرب في القرن السابع الهجري، أن أهل جهة سجلماسة، بالجنوب الشرقي للمغرب، طلبوا منه أن يأتي معهم وأن يرحل من بلده ينبع النخل بالحجاز، طلبا للتبرك به في صلاح ثمار نخيلهم، فحقق الله تعالى رجاءهم، وما يزال سبحانه وتعالى يحقق رجاء المغاربة في صلاح كل أمرهم على أيدي أسرتكم المجيدة.

وهاأنتم يامولاي تواصلون شامل عنايتكم بقطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور بالمملكة المغربية في عهد جلالتكم الميمون، حيث أعطيتم أمركم المطاع لغرس ثلاثة ملايين نخلة من أجود الأصناف وزراعتها بأهم الواحات، حيث أصبحت المملكة المغربية من الدول العشر الأوائل في العالم بمساحة تناهز 60.000 هكتار توجد بها 7 ملايين نخلة، أنتجت السنة الماضية أكثر من 120.000 طن من التمور.

وشروعا في موضوعنا نقول: إن شجرة النخيل ضُرِبت في القرآن مثلا للكلمة الطيبة، ذات الأصل الكريم المتجذر في القلوب المؤمنة، وضربت في السنة مثلا للمؤمن المُجَسِّد للنفع المتدفق الدائب، ومن خلال هذه الأمثلة ترتسم صورة جميلة لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من جمال الباطن الذي يفيض على ظاهره حسنا ونفعا وبهاءً؛ قال تعالى: ﴿وتلكَ الَامثالُ نضربُها للنَّاس وما يعقِلُها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: 43]، ويفهم منها أن اسم الإشارة " تلك" في الآية، جاء للتنويه بالأمثال المضروبة في القرآن؛ قال العلامة برهان الدين البقاعي في "نَظْمِ الدُّرَر في تَناسُبِ الآياتِ والسُّوَر" في قوله تعالى:

« (وتلك الأمثال)؛ أي العالية عَن أن تُنال بِنَوْعِ احْتِيال، ثم اسْتَأْنَف قَوْلَه: (نَضْرِبُها) بِمَا لَنَا مِنَ العَظَمَةِ بَيَاناً (للناس) تَصْويراً للمعاني المَعْقولاتِ بِصُورَ المَحْسُوسات، لعلها تَقْرُبُ مِن عُقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حالُ التَّشْبيهاتِ كُلِّها في طُرُقِ الإِفْهام إلى المعاني المُحْتَجِبَةِ في الأَسْتار، تُبْرِزُها وتَكْشِفُ عنها وتُصَوِّرُها (...)، و(ما يعقِلُها)؛ أي حق عقلها فينتفع بها، (إلا العالمون)؛ أي الذين هُيِّئُوا للعلم وجُعِلَ طَبْعاً بما بَثَّ في قُلوبهم مِن أَنْوارِه".

إن من يتدبر القرآن الكريم يجد أن النخيل قد ورد ذكره أكثر من أي شجر أو نبات آخر؛ وبعد أن نبين شواهد هذه المكانة نذكر بعض ما كشف عنه العلم الحديث من أسرار هذه الشجرة المباركة؛ بيانا لعظيم المطابقة الموجودة ما بين كتاب الله المفتوح الذي هو الكون، وما بين الكتاب المتلو الذي هو الوحي.

إن آيات القرآن التي تذكر النخيل يزيد عددها عن عشرين آية؛ فيها إشارة إلى الأهمية الغذائية لثماره تارة، واستشهاد بعطاء أشجاره وجمالها تارات أخرى. كما أكرمت السنة النبوية هذه الشجرة بورود ذكرها في عدد من الأحاديث الشريفة التي تظهر فيها أهمية مماثلة سواء بالنسبة للشجرة أو لثِمَارِها، حتى إن السنة أوصت الإنسان، والساعة قائمة، بأن يختم عمله في الدنيا بالخير وأوردت لذلك مثالا بزرع فسيلة النخل. وما ذلك إلا للقيمة المعنوية لهذه الشجرة وفوائدها الحسية.

لقد عَرَفَ الإنسان نخلة التمر منذ قديم العصور، وأدرك ما لها من صفات فريدة، عرف قدر قيمتها الاقتصادية وفائدتها الغذائية ورأى فيها منبعاً للخير والبركة، واعتبرها رمزاً للسلام والمحبة.

فقد تم العثور على آثار بابلية تشير إلى نخيل تمر يعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد، كما عُثر على آثار فرعونية في عصر الأسرة الأولى التي عاشت قبل الميلاد بما يقرب من 3200 سنة.

ولما نزل القرآن الكريم ذكر النخيل كشجر وذكر ثمرته واستخدمات بعض أجزاء الشجرة واستعمالات بعض أجزاء الثمرة وفوائدها وأوضح قيمتها الغذائية والاقتصادية والطبية. وقد جاءت نتائج البحوث العلمية الحديثة على النخيل وثمرته موافقة لما قصد إليه الكتاب العزيز، كما سيتجلى من وقْفَة سَرْدِيَّة للآيات الكريمة.

فقد وردت كلمة "النخيل" سبع مرات:

يقول الله تعالى:

  • في سورة البقرة: ﴿أيَوَدُّ أَحَدُكُمُ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الَانْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266]؛
  • وفي سورة النحل: ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالَاعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 11]؛
  • وفيها أيضا ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالاَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 67]؛
  • وفي سورة الرعد: ﴿وَفِي الَارْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٍ وَغَيْرٍ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الاُكْلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4]؛
  • وفي سورة الإسراء: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الَارْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الَانْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: 90-91]؛
  • وفي سورة المؤمنون: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الَارْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُون * فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [المؤمنون: 18-19]؛
    وفي سورة يس: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ﴾ [يس: 34].

أما كلمة (النخل) فقد ذكرها القرآن الكريم إحدى عشرة مرة:

  • في قوله تعالي في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنَ اَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُومِنُونَ﴾ [الانعام: 99]؛
  • وفي السورة نفسها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الانعام: 141]؛
  • وفي سورة الكهف قوله تبارك وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنَ اَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32]؛
  • وفي سورة طه: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنَ آذَنَ لَكُمُ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 71]؛
  • وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ *رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11]؛
  • وفي سورة الشعراء: ﴿أتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 146-148]؛
  • وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ* إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمُ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 18-20]؛
  • وفي سورة الرحمن: ﴿وَالَارْضَ وَضَعَهَا لِلَانَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الَاكْمَامِ﴾ [الرحمن: 10-11]؛
  • وفي السورة نفسها: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]؛
  • وقوله تبارك وعلا في سورة الحاقة: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7]؛
  • وفي سورة عبس: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ [عبس: 27-29].

بينما جاءت كلمة النخلة (مرتين) في سورة واحدة هي سورة مريم في قوله تعالى:

﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نِسْيًا مَّنسِيًّا *فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنُ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 23- 26].

كما أورد القرآن مرة واحدة كلمة (اللينة) مرادفة لأنواع من النخل، في قوله تعالى في سورة الحشر (5) : 
﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5]؛

وأورد كلمة (العرجون) مرة واحدة في قوله تعالى:

﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39].
و(العرجون القديم) هو العِذْق اليابس المنحني من النخلة.

وتناول القرآن الكريم أجزاء الثمرة فأورد النواة أي (البذرة) مرة في قوله تعالي: ﴿إنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُوفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95].

وأورد (الفتيل) ثلاث مرات: في قوله تعالي في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: 49]؛

وفي السورة نفسها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: 77]؛

وفي قوله تعالي في سورة الإسراء: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنُ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء: 71].

و(الفتيل) هو الخيط الذي في شق النواة، وكثيراً ما يُضْرَبُ به المثل في القلة.

أما كلمة (قِطْمِير) فقد أوردها القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تعالي في سورة فاطر: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13].

و(القطمير) هو الغلاف الرقيق الشفاف الذي يحيط بالنواة. ويكون بين التمر والنواة.

وأورد القرآن كلمة نقير مرتين في سورة النساء، في قوله تعالي: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُوتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]؛

وقوله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوُ انْثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].

و(النقير) شَكْلَةٌ في النواة كالدائرة، يضرب بها المثَل في القلّة.

أما من جهة القيمة الغذائية العالية لثمار النخيل فقد أكد عليها القرآن الكريم والسنة المُشَرَّفّةُ من خلال سياق تناولها، لا سيما في حالات الإنهاك الشديد عندما يكون الإنسان بحاجة ماسة إلى مصدر للطاقة كحالة الولادة أو الصيام.

وتأتي نتائج البحث في العلم الحديث بتطابقً مع هذه الحكمة القرآنية الخالدة.

ومن هذا السياق في القرآنِ الكريم الإشارة إلى مريم عليها السلام أن تَتَنَاوَلَ الرُّطَبَ عند ولادتها، قال الله عز وجل: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نِسْيًا مَّنسِيًّا ﴿23﴾ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿24﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿25﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ﴿26﴾﴾ [مريم: 23-26].

ولمن يتدبر هذه الآيات أن يقف على إشارات وفوائد منها:

الإشارة الأولى

أن مريم عليها السلام قد تكون استنزفت الولادة منها طاقة كبيرة كما هي العادة، بالإضافة إلى تعرضها للعطش لكثرة ما تفقده المرأة عند الولادة من سوائل، بالإضافة إلى ما يفهم بصورة غير مباشرة من كونها بجانب كثرة ما فَقَدَتْ طاقة قبيل الولادة؛ قد تكون في مزيد من التعب لأَنَّها ابْتَعَدَتْ عن بلدة قومها حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿فحمتله فَانتَبَذتْ به مَكاناً قَصيا﴾، ويترتب عن ذلك أن تكون في حالة نفسية مواتية لوضعها، وهذا كله يؤكد أنها كانت في غاية الإنهاك وقِلَّةِ النشاط.

الإشارة الثانية

تسلسل الأفعال بعد الولادة كما يفهم من القرآن الكريم بقوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مَرْيَم: 27]، إذ يتوقع أن الرُّطَب قد أسهمت بشكل كبير في تزويدها بالطاقة،

الإشارة الثالثة

إن الله تبارك وتعالى، العارف بأسرار الإنسان والنبات، قد حث مريم عليها السلام على تناول هذا الغذاء دون غيره، ويفهم منه أنه الغذاء الأنسبب لحالها.

وفي ضوء العلم الحديث نعرف اليوم عددا من الحقائق المرتبطة بالمزايا الغذائية لثمار النخل:

ويُمْكن تقسيم هذه الحقائق إلى مجموعتين وفقاً لِخصائصها :

المجموعة الأولى: حقائق تتعلق بالطاقة والقيمة التغذوية التي تتميز بها ثمار النخل، ومنها 

  • أولا أن ثمار النخل غنية جداً بالسكريات التي هي مصدر رئيس من مصادر الطاقة التي يَعْتَمِدُ عليها الجسم البشري في استمرار أنشطته الحيوية المختلفة. فهي تمثل قُرَابَةَ (60 – 85 %) من وزن الرُّطَب للثمرة، ويكفي 100 غرام من التمر لإمداد الإنسان بـما يَقْرُب من 300 سعرة حرارية، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بالمواد الغذائية الأخرى.
  • ثانيا: أن معظم السكريات الموجودة في ثمار النخل سكرياتٌ أُحَادِيَة وهي (الجلوكوز والفركتوز) وتتميز بأنها سريعة الامتصاص، سهلة الهضم مقارنة بالسكريات المعقدة كالنشويات أو بالدهنيات أو البروتينات...
  • ثالثا: أن سكر الجلوكوز - السائد في الرُّطَب - هو ذات السكر الذي يُمْتَصُّ في الأمعاء ويُنْقَل عبر الدم إلى مختلف أنحاء الجسم ليقوم بتغذية الخلايا وإمدادها بالطاقة، وهذا يعني أن تناول الرُّطَب، وبما يحتويه من نسبة عالية من سكر الجلوكوز يؤدي الى رفع نسبة الجلوكوز في الدم...
  • رابعا: أن التمور غنية بالعناصر والأملاح المعدنية والفيتامينات الضرورية لجسم الإنسان.إذ يكادُ يُجْمِعُ الباحثون على أن التمر يُعْتَبَر مَنْجَماً للمعادن؛ يقول الدكتور فرج في كتابه" نخلة التمر بين البحث والتطبيق": (ثمرة نخلة التمر مَنْجَم حَيَوِّيٌ طبيعيٌ غَنِيٌ بالعناصر المعدنية والفيتامينات والأحماض والألياف، وربما يندر أن نَجِدَ في مَنْجَمٍ صَخْرِي في الطبيعة ذلك التجمع من المعادن في مكان واحد كالذي نَجِدُهُ في ثمرة التمر، فالثَمَرَةُ غَنِيَةٌ بالحديد الذي يدخل في تركيب كُرَاتِ الدم الحمراء، كما تحتوي على الكالسيوم وهو العنصر الأساسي لتكوين العظام والأسنان. كما يَتَوافَرُ في التمور البوتاسيوم بنسبة مرتفعة مع انخفاض نسبة الصوديوم، وهذا يفيد مَرْضَى ضغط الدم حيث يعادل البوتاسيوم زيادة الصوديوم في أغذية أخرى، كما يوجد فيها عنصر الزِّنْك الضروري لصحة البنكرياس وتمثيل الكربوهيدرات ولصحة كُرَاتِ الدم الحمراء، كما أنه مرافق إنزيمي لبعض الأنزيمات الهامة، بالإضافة لعناصر أخرى كثيرة مثل المَنْغَنِيز والنحاس والكبريت وحتى الفْلُورِين الذي يلعب دوراً هاما في مقاومة تَسَوُّسِ ونَخْرِ الأسْنانِ، بشرط ألا يزيد عن المطلوب). كما أن التمر يحتوي على كميات لا بأس بها من العناصر ذات الدور الحيوي والأساسي في العمليات الحيوية لجسم الإنسان، والتي يؤدي غِيابُها إلى تَعَرُّضِه لكثير من المشاكل الصحية؛ فثمار النخيل تعتبر غنية بعنصر الفُسْفُور الذي يلعب دوراً معروفاً في زِيَادَةِ حَيَوِيَةِ المراكز المسؤولة عن التفكير والخصوبة، وهو غني بعنصر المغنسيوم، وهذا العنصر معروف أيضاً بأن له دوراً واقياً من السرطان، فلا غرابة إذن لو سُمِّيَ التَّمْرُ مَنْجَمَ المَعَادِن. أما بالنسبة للفيتامينات فَتُعْتَبَرُ التمور من المواد الغنية بفيتامين (أ) الذي يُطْلِقُ عليه الأطباء (عَامِلَ النمو)، بجانب فائدته في تقوية الأعصاب البَصَرِيَّة وإزالته العَشَى (المعروف أيضاً بإسم العمى الليلي)، ولهذا السبب، على ما يبدو، نجد البَدْو - الذين تُشَكِّلُ التمور نِسْبَةً كبيرة من مُكَوِّناتِ غذائهم - يتمتعون بقوة الإِبْصَار والقدرة على الرؤيا لمسافات بعيدة، كما يعمل هذا الفيتامين أيضاً على تقوية الأعصاب السمعية. بالإضافة إلى ما تقدم، يحتوي التمر على فيتامينات (ب1، ب2، وب3) التي تؤدي دوراً مهما في تقوية الأعصاب وتزيد من مرونة الأوعية الدموية، الأمر الذي يساعد القلب في عمله ويَقِي الإنسان من مخاطر إرتفاع ضغط الدم.
  • خامسا: إن ثمار النخل غنية بالألياف والمواد البِكْتيِنِيَّة، فنسبة الألياف هي (10%)، وقد بات من المعروف والمؤكد أن الألياف النباتية لها دور مُهِمٌ جداً في الفعاليات التي يقوم بها الجهاز الهضمي للإنسان، فهي تمنع أو تقلل كثيراً من الأمراض مثل سوء الهضم والإمساك وأمراض القَوْلوُن، كما يمكن هضم الألياف الخام الموجودة في التمور مثل البْرُوتُوبِّكْتِين والبِّكْتِين واللِّجَنيِن والهِمِيسّيِليلوز والسِّيليلوز.
  • سادسا: أن ثمار النخل غنية بالأحماض الأَمِيِنَّيَة، لاسيما الأحماض الأساسية والتي تُعْتَبَرُ ضرورِيَّةً لقيام الجسم بمختلف فعالياته الحيوية، وبنفس الوقت لا يتمكن الجسم من تَخْلِيقها، كما تحتوي على الكثير من الأحماض الأَمِيِنَّيَةِ غير الأساسية مثل الجْلُوتَامِيك والجْلِيسِين والسِّيرين وغيرها، ومعروف أن البروتين يتكون من وحدات الأحماض الأَمِيِنَّيَة.

أما المجموعة الثانية من الحقائق العلمية فتتعلق بالقيمة الاستشفائية لثمار النخل:

لقد تَبَيَّنَ للإنسان بعد تَقَدُّمِهِ العلمي مجموعة من الحقائق العلمية ذات علاقة بمحتوى ثمار النخيل من المركبات الكيمياوية.

  • أولا: ثمارُ الرُّطَبِ وهُرْمُونَاتُ الولادة: إذ يوجد في مرحلة الرُّطَب ما يُسَهِّلُ من عملية الولادة، وهو هُرْمُونٌ يشبه في فعله هُرْمُونَ زَالاكِسيتُوسِينَس، فمع اقتراب موعد الوضع تزداد حساسية عضلات الرَّحِمِ لتأثير هذا الهُرْمون مما يسبب تقلص تلك العضلات وبالتالي يُسَهِّلُ من عملية الولادة، ففي الرُّطَب هُرْمُونً اسمه (الْيُوسِين) يعمل على تقوية عضلاتِ الرَّحِمِ وينظم انقباضاته العضلية، وله خاصيةً أخرى مفيدة وهي منع النزيف عقب الولادة ووقاية جسم المرأة من حمى النفاس.
    كما يحتوي الرُّطَب على فيتامين ب1وب2 وب 3 المركب مما يجعله مُهَدِّئاً مَأْمْوناً للأعصاب يَمْنَعُ التَّوَتُّر والاضطرابات النفسية.
  • ثانيا: ثمار النخل غنية بعُنْصر الحديد: وذلك مفيد للمرأة التي تَفْقِدَ أثناء ولادتها كمية من الدم، ومعها أعداد لا حصر لها من كُرات الدم الحمراء، وحيث إن عُنْصر الحديد يدخل في تركيب هِيمُوْجلوْبِين الدم وكُرات الدم الحمراء، تتضح الحكمة في الحث على أكل الرطب.
    ثالثا: ثمار النخل غنية بمضادات الأكسدة (Antioxidants) إذ يحتوي على كميات لا بأس بها من مضادات الأكسدة (Antioxidants) سواء في قشرة الثمرة أو في لحمها؛ فالمركبات التي تُشَكِلُ الصبغة الصفراء في الأصناف ذات الثمار صفراء اللون وهي الكاروتين (Carotene)أو الأنثوسيانين (Anthiocyanine) التي تشكل الصبغة الحمراء في الأصناف ذات الثمار حمراء اللون.
    وعندما نذكر احتواء الثمار على تلك المضادات نستحضر ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام من فضائل ثَمَرَ (العجوة) التي منها الشِفَاءُ من السُّمِ، إذ يرى بعض العلماء أن التمر يَغْسِلُ الكِلَى ويُدِرُّ البول، وبذلك يساعد الجسم على التخلص من المواد السامة عبر تكسير المركبات الضارة وغسلها وإلقائها خارج الكلى.

مولاي أمير المؤمنين

بعدما ذكرناه عن ذكر النخيل في القرآن والسنة وذكر الخصائص العلمية والطبية للتمر، نخلص إلى استعمال الوحيين لشجرة النخيل في مَثَلَين،ِ مَثَلِ القرآن الذي ضُرب لشجرة النخيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُوتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الَامْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 24-25].

ورد في جامع الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشجرة الطيبة في هذه الآية هي النخلة. ويقترب العقل من حقيقتها بما يدرك لها من صفات أربع وهي:

  • أولا: طِيبُ المنظر والشكل، وطيبُ الرائحة، وطيبُ الثمرة، وطيبُ المنفعة؛
  • ثانيا: رسوخها يحيث يُؤْمَنُ انْقِلاعُها وانْقِطاعُها؛
  • ثالثا: امتداد فرعها في السماء، وهو وَصْفُ كمال بارتفاع أغصان ناشئ عن ثبات أصل ورسوخ عروق.
  • رابعا: دوام الثمرة باطراد الإثمار مقارنة بغيرها من الأشجار.

ذلك مثل لكلمة التوحيد وما يأتي منها من معرفة الله ومحبته في قلب المؤمن تشبه شجرة النخيل في صفاتها الأربع:

  • أولا: طيبها بإِشْراقِ الرُّوحِ بمعرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج بصفات جماله وجلاله؛
  • ثانيا: كونها (ثابتة الأصل)، لأن عروق شجرة معرفة الله تعالى راسخة في جوهر النفس التي يُمِدُّها اللهُ بمدد تجلياته؛
  • ثالثا: كونها (ممتدة الفرع في السماء)؛ لأن شجرة التوحيد والمعرفةِ لها أغصان صاعدة في هَواء العالم الإلهي بحسب تعبير الإمام الرازي، يجمعها التعظيم لأمر الله الذي يدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في العوالم المختلفة؛
    كما أن لها أغصانا صاعدة من جهة أخرى في هواء العالم الجِسْمانِي، جُماعها الشفقة على خلق الله الذي تدخل فيه الرحمة والخير وسائر صفات الرأفة بالمخلوقات.
  • رابعا: كونها (دائمة الثمرة)؛ لأن شجرة المعرفة موجبة لدوام تلك الأحوال.

وأما مثل النخلة في السنة؛ فما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: فقال: هي النخلة. قال فذكرت ذلك لعمر، قال لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا).

قال العلماء: وقد شبه النبي صلى الله عليه وآله سلم النخلة في بركتها وكثرة خيرها بالمسلم، تشبيه بركة تتجلى في: الانتفاع بدوام ظلها، وطيب ثمرها المستمر من حين طلوعه وحتى بعد يُبْسِه، ومن خشبها وورقها وأغصانها التي تستعمل جذوعا وحطبا وعصيا وحُصُرًا وحِبالا، بل يُنتفع حتى بنُواها عَلَفًا للإبل، هذا مع ما في نباتها وحسن هيئة ثمرها من صور الجمال الأخاذ، فهي تشبه في ذلك، المؤمن الذي يُكمِّله الإيمان وتُجمِّله المداومة على الطاعات.

ومما يزيد الأمر بيانا ما أورده الحافظ ابن حجر في الفتح من روايات أخرى عند شرحه للحديث المذكور.؛ حيث قال: « وَوَجْهُ الشَّبَه بَيْن النَّخْلَة وَالمُسْلِم مِن جِهَة عَدَم سُقُوط الوَرَق ما رَواهُ الحَارِثُ بن أَبِي أُسامَة في هذا الحَدِيث مِن وَجْهٍ آخَر عَن ابن عُمَر وَلَفْظُه "قال: كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْمٍ فَقَالَ: إِنَّ مِثْل الْمُؤْمِن كَمِثْلِ شَجَرَة لَا تَسْقُط لَهَا أُنْمُلَة، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هِيَ النَّخْلَة، لَا تَسْقُط لَهَا أُنْمُلَة، وَلَا تَسْقُط لِمُؤْمِنٍ دَعْوَة".

وَهكذا فبَرَكَة النَّخْلَة مَوْجُودَة فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا، مُسْتَمِرَّة فِي جَمِيع أَحْوَالهَا، فَمِنْ حِين تَطْلُع إِلَى أَنْ تَيْبَس تُؤْكَل أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يُنْتَفَع بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي عَلْف الدَّوَابّ، وَاللِّيف فِي الْحِبَال، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفي، وَكَذَلِكَ بَرَكَة المُسْلِم عَامَّة فِي جَمِيع الأَحْوَال، وَنَفْعه مُسْتَمِرّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْد مَوْته.

إن النخلة يا مولاي شبيهة في بركاتها وكثرة خيراتها وحسن بهائها بما ينبغي أن يبلغه المؤمن المُماثِل لها مِن صورة جميلة تتأكد تسهم مناهج التربية الروحية في صياغتها؛ فالمومن سِلْمٌ وسَلامٌ، وأَمْنٌ وأمانٌ، ونَفْعٌ وإِحْسانٌ، وسَمَاحَةٌ وتَسَامُحٌ، وبَهْجَةٌ وسُرورٌ؛ فقد روى ابن أبى الدنيا في كتابه "قضاء الحوائج" بإسناد حسن قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُم لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا).

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم والختم من مولانا أمير المؤمنين.

محمد لعروسي : أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية

dars hassani 270519

نص الدرس الخامس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية للعام 2019/1440 والذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله، الأستاذ محمد لعروسي، رئيس قسم جراحة القلب بمستشفى ابن سينا بالرباط، متناولا بالدرس والتحليل موضوع : "أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية"، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة الحج " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".

أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية 

الحمد لله الواحد الغفار والصلاة والسلام على سيدنا محمد نور الأنوار صلاة دائمة بدوام ملك الواحد القهار

مولاي أمير المؤمنين

أمد الله في عمركم وخلد في الصالحات ذكركم.

إنه لشرف عظيم أن أشارك في مجلسكم المبارك لأتكلم في موضوع يهم علماء الطب وعلماء الدين ألا وهو:

أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية

انطلاقا من الآية الكريمة:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أوْ آذَان يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَاتَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وسأتناوله إن شاء الله من خلال أربعة محاور ألا وهي:

  • 1 . تعريف القلب من خلال الاكتشافات العلمية
  • 2 . القلب في القرآن الكريم والسنة النبوية بين الحقيقة والتأويل
  • 3 . المتغيرات العلمية الحديثة في علم القلب
  • 4 .  معجزات القرآن في علم القلب

وقبل أن أشرع في الموضوع أود أن أؤكد أنني لا أقول بإخضاع الدين للعلم الذي تتغير نتائجه باستمرار ولا بحصر فهم الدين على نتائج علمية مؤقتة، فالدين جاء بالهداية واستعمل لها اللغة المناسبة لتبليغها، وإن ما أردت أن أقوله هو أن العلم الطبي في السنوات الأخيرة قد اكتشف عجائب تتعلق بالقلب ووظائفه، فلا بأس أن يطلع عليها الناس وهم يستحضرون ما ورد عن القلب في القرآن من إشارات.

مولاي أعزكم الله

سنعرض في درسنا هذا بعض ما أُنجز من دراسات حول قضية علمية مَا فَتِئَتْ تَطْرَحُ مجموعة من التساؤلات وَتَفْتَحُ أبوابا للتأمل والتفكر ويتعلق الأمر بخفايا علم القلب بين الاكتشافات العلمية الجارية وبين الإشارات الدينية التي طرحها القرآن الكريم بهذا الخصوص.

بصيغة أخرى: "القلب بين العلم والدين"

لم تكن الدراسات والأبحاث العلمية السابقة حول القلب تتطرق لأهميته في التفكير والإدراك والإحساس والعاطفة وغير ذلك، بل اُعتبر القلب مجرد عضو فيزيولوجي أو عضلة مضخة للدم في جسم الإنسان له تركيب معقد، إلا أن التطور العلمي الحالي والنقلة النوعية التي عرفتها جراحة القلب عبر العالم وبالخصوص زراعة القلب جعلت هذه الحقيقة تتأرجح بين الثابت والمتغير.

القلب تلك الذَرة الربانية التي تخشع وتعقل، مصدر الإيمان مركز الروحانيات أَبْعَدَ من أن تكون مجرد آلة معقدة تقوم بميكانيزم خاص بضخ الدم في الجسم، من هنا وعليه توصل العلماء في هذا المجال مع بداية القرن الواحد والعشرين، بل لاحظوا وسجلوا حقائق جديدة مثيرة للتفكير والتساؤل خصوصا بعد إجراء عمليات زرع القلب، وما رافقها من تغييرات وتقلبات نفسية جذرية بل جد عميقة تخللت في اغلب الحالات جانب الثوابت الروحانية والمعتقدات عند المريض، حيث يقول الله تعالى:

﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

هذه الحقيقة الجديدة وما رافقها من بحث علمي واستخلاص لِنَتَائِجَ مذهلة جديدة بل وغريبة، فتح الباب أمام البحث العلمي لطرح السؤال من جديد وتغيير الفكرة المتعارف عليها، عند تعريف القلب علميا وطبيا.

  • 1 . هل القلب مجرد آلة تتحكم فيها ميكانيزمات كِمِيَّة؟ أَمْ أَنَّ القلب يتعدى هذه الحقيقة ليدخل في مجال أعمق عَرَّفَه القرآن الكريم عبر آياته الكريمة حيث ذُكِرَ مائة واثنتين وثلاثين مرة.
  • 2 . هل حَرَكَةُ القلب ونبضاته تتعدى مُجَرَّدَ كَوْنِهَا دقات عادية؟ أم هي مسلك يُغَذِّي العقل ويَمُدُّهُ بالمعلومات وَيُوّجِّهُهَ نحو الفهم والإدراك؟

حيث يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وبهذا سوف نتطرق للمحور الأول الذي سنتكلم فيه عن:

المحور الأول: تعريف القلب من خلال الاكتشافات العلمية

مولاي أعزكم الله

القلب ذلك العضو العضلي، الكتلة أو المضغة الساكنة في الجهة اليسرى لصدر الإنسان والذي لا يتجاوز وزنه ثلث كيلوغرام أو قبضة اليد ويحمل من عجائب التصميم ما لا يدركه عقل الإنسان ويخطر على التفكير.

يتكون في الجنين قبل تكون الدماغ ويبدأ في ضخ الدم في مختلف جسم الإنسان بعد ثلاثة أسابيع من الحمل، ينبض في المتوسط سبعين مرة في الدقيقة.

وتبلغ كمية الدم التي يضخها القلب في الحالة الطبيعية حوالي خمسة لترات في الدقيقة، أي بمعدل سبعة آلاف وخمسمائة لتر في اليوم بين حركة انقباض وانبساط، فهو يدق في اليوم أكثر من مائة ألف مرة، وعندما يصبح عمر الإنسان فوق السبعين يكون قلبه قد نبض مليارين ونصف مليار مرة وضخ مئتين وخمسين مليون لتر خلال هذه الفترة الحياتية.

ويضخ القلب الدم عبر شبكة الأوعية والشرايين التي يبلغ طولها مائة ألف كيلومتر عبر الجسم، وهذا الرقم يوازي محيط الكرة الأرضية مرتين ونصف، مما يؤكد الحقيقة العلمية السائدة التي بنى عليها العلماء تعريفهم للقلب، هذا الأخير الذي يتمثل دوره في توصيل الأوكسجين والمواد الغذائية والمواد الواقية للجسم إلى جميع الخلايا لتقوم بوظيفتها، مما يؤكد أن القلب هو المصدر الأساسي للحركة في الجسم، بل هو المسيطر على عملها بالكامل.

كما أوضحت نتائج الأبحاث العلمية التي أُجْرِيَتْ على المجال الكهربائي للقلب أن القلب يبث مجالا كهربائيا هو الأقوى بين أعضاء الجسم كله، فالمجال الكهربائي للقلب يفوق المجال الكهربائي للدماغ بستين مرة كما أن المجال الكهرومغناطيسي للقلب يفوق المجال الكهرومغناطيسي للدماغ بـخمسة آلاف مرة.

وقد اكتشف العلماء أيضا، في معهد رياضيات القلب بالولايات المتحدة الأمريكية أن دقات القلب تؤثر على الموجات التي يبثها الدماغ، وأنه كلما زاد عدد ضرباته زادت الترددات التي يبثها الدماغ مما يدل على أن نشاطهما يتزامنان طبيعيا مع بعضهما البعض.

كما أنها توجد أبحاث حديثة تعتقد أن القلب هو الذي يوجه الدماغ في عمله. بل هو ثابت في الاتصال معه من خلال شبكة معقدة من الأعصاب مما يتيح تكوين الرسائل المشتركة بينهما عبر إشارات كهربائية وكهرومغناطيسية، الشيء الذي يحيلنا على ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بأن القلب هو وسيلة نعقل ونفقه بها استنادا لقوله تعالى:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.

بناءا على ما سبق وفي إطار الأبحاث العلمية المحضة عن القلب والدراسات المتعمقة فيه، فإن تركيب القلب من الداخل فيه من عجائب التصميم مَا لاَ يَخْطُرُ على تفكير أذكى المُصَمِّمِينَ للمضخات الميكانيكية، وانقباضه وانبساطه فيه من الأسرار ما يدعو إلى الدهشة وهذا يَجُرُّنَا إلى وجود قُدْرَةٍ هائلة تقف وراء تركيب هذا العضو من الجسم وَصَانِعٍ يَشْهَدُ على قدرة خارقة في الدقة والتركيب

حيث قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.

الشيء الذي يُحِيلُنَا انطلاقا من هذا المحور إِلى الغوص في محور آخر وهو الثاني في درسنا هذا ويتمركز حول فكرة:

المحور الثاني: القلب في القرآن الكريم والسنة النبوية بين الحقيقة والتأويل

مولاي أعزكم الله

إن للقرآن الكريم نظرة شاملة إلى القلب وَمُتَرَادِفَاتِهِ، وهنا يُطْرَحُ سؤال وهو هل أن المقصود من القلب في هذه النصوص هو القلب الموجود في الصدر أم الغرض منه هو الدماغ، واستعمال لفظ القلب هو استعمال مَجَازِي. ففي البداية ومع تقدم العلوم الطبية، وبسبب تأكيد الاطباء على أن العقل محله الدماغ، وأن وظيفة القلب تنحصر بضخ الدم إلى جميع أعضاء الجسد، بدأ بعض المفسرين تحت تأثير هذا التوجه الطبي يُؤَوِلُونَ لفظ القلب الذي ورد في القرآن والسنة بأنه العقل حتى ذهب أحدهم في تفسيره لقوله تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَاتَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وبهذا يكون المقصود بالقلوب في هذه الآية الكريمة هي هذه الأعضاء الصنوبرية التي توضع في الصدور، وليس الدماغ الذي يوجد في منطقة الرأس وأن استعمال القلب في القرآن الكريم ليس مَجَازًا، بل هو حقيقةً وأُسْتُعْمِلَ اللفظ في معناه الأصلي، حيث يقول سبحانه وتعالى:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. والألباب هنا تعني الأدمغة ويمكن أن نفهم منها أن القرآن لا يتكلم عن الدماغ في الآيات ما قبل.

وعند التَّأَمُل في آيات الله تعالى، والتَّدَبُّرِ فيها يُلاَحَظُ أن القلب قد وَرَدَ باللفظ الصريح وأيضا بالمعنى مثل الفؤاد، حيث قال سبحانه وتعالى:  

﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَوَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.

وقد جاءت الإشارة إلى القلب في القرآن الكريم بالإفراد والجمع، ومع عدد من الضمائر المختلفة في حوالي ستين سورة، أي أكثر من نصف عدد سور القرآن الكريم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الأهمية البالغة لهذا العضو، مع العلم أن القرآن الكريم قد نزلَ من قبل ألفٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ سنة وأكد على أن للقلب وَظَائِفَ أخرى منها أنه هو الذي يكسب الأعمال خَيْرَهَا وَشَرِّهَا، وهو مكان الاطمئنان والأمن، ومحل المحبة والرحمة، ومحل غير ذلك من الصفات التي تُشَكِّلُ شخصية الإنسان.

كما أن في القرآن الكريم صِفَاتٍ كثيرةً ذُكِرَتْ للقلب، من أفعالٍ يقوم بها، وَخَصَائِصَ تجعل منه عَالَماً قَائِمًا بذاته، وَاتَّسَعَتْ معانيه وتعددت جوانبه، حتى لم يعد بإمكاننا حَصْرُهُ في المعاني العاطفية وحدها، أو في المعاني العقلية، بل إنه يتجاوز هذا، فمن بين هذه الصفات نجد الهداية والعقل والتدبر والاطمئنان والسكينة والخشوع...

لقوله تعالى في كتابه العزيز:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾.

كما أن لفظ القلب ذُكِرَ عِدة مرات في السنة النبوية، ولقد سبق النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام العلم في عصرنا إلى الحديث عن دور القلب وأهميته في صلاح النفس، بل إنه جعل للقلب دورا مركزيا، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف: "ألا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسد كله، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسد كله، ألا وهي القلب".

ومن خلال كل التأويلات والصُّوَرِ المَجَازِيَّة التي ارتبطت بمفهوم القلب في القرآن الكريم والسنة النبوية ستتضح لنا الحقيقة الجديدة التي انكشفت خلال العقدين الأخيرين والتي حيرت العلماء والأطباء بخصوص مُهِمَّة القلب انطلاقا من عمليات زراعة القلب الشيء الذي سنتطرق إليه في المحور الثالث ألا وهو:

المحور الثالث: المتغيِّرَات العلمية الحديثة في علم القلب

مولاي أعزكم الله

شكل البحث العلمي في القرن الواحد والعشرين بالنسبة للعلماء والمهتمين في مجال القلب نَقْلَةً نوعية بارزة تلخصت خطوطها العريضة في عمل القلب والدماغ بتناسق وتناغم عجيب، وحدوث تنافر واضطراب على الفور في حال وجود خلل في هذه العلاقة، مما وجه العلماء إلى تسطير ملاحظات غريبة خصوصا بعد عمليات زرع القلب ووضع القلب الجديد في صدر المريض، حيث يبدأ هذا الأخير بالنبض على الفور دون أن ينتظر إشارة من الدماغ وعليه خَلُصَ بِهِمُ الأمر إلى القول باستقلال عمل القلب عن هذا الأخير، وتوجيهه والتحكم في عمله، واعترفوا أخيرا أنهم لم يدرسوا القلب من الناحية النفسية، وكانوا مقصرين في دراسة هذا الجزء الهام وعليه طُرِحَتَ العديد من الأسئلة من قَبِيلْ:

  • هل القلب يفكر؟
  • هل ما نتخذه من قرارات في الحياة ينبع من العقل أو من القلب؟
  • ما مدى تأثير العقل والقلب في تأثير مساراتنا في الحياة؟

لهذا أدرك العلماء الآن أن العلاقة بين القلب والدماغ هي علاقة ديناميكية ثُنَائِيَةَ الاتِّجَاه وأَنَّ كِليهُمَا يُؤَثِّرُ في الآخر، وذكر الباحثون أربع وسائل يُؤَثِّرُ القلبُ بها على الدماغ:

  • عصبيا من خلال النبضات العصبية.
  • بيوكيميائيا بواسطة الهرمونات والناقلات العصبية.
  • بيوفيزيائيا بموجات الضغط.
  • كهرومغناطيسيا بواسطة الطاقة التي في القلب.

كما يُؤكد الدكتورJ. Andrew Armour (أستاذ وباحث في جامعة موريال بكندا) سنة 1991 أن هناك دماغا شديد التعقيد موجود داخل كل خلية من خلايا القلب، ففي القلب أكثر من أربعين ألف خلية عصبية تعمل بدقة فائقة على تنظيم معدل ضربات القلب وإفراز الهرمونات وتخزين المعلومات، ثم ترسلها إلى الدماغ عبر ممرات خاصة، كما أنها تقوم بتوجيه خلاياه لتتمكن من الاستيعاب والفهم والإدراك، فهذه الخلايا العصبية التي توجد في القلب هي خلايا معقدة جدا لم يَتحقق العلماء حتى الآن من طريقة عملها، وأطلق عليها العلماء المعاصرون العقل الموجود في مركز القلب.

ولذلك فإن بعض العلماء اليوم يقومون بدراسة العلاقة بين القلب والدماغ وعلاقة القلب بالعمليات النفسية والإدراكية.الشيء الذي أثبته وأكده الباحثان:

Rollin Mc Craty & MIKE Atkinson (مدير وأستاذ باحث في طب النفس البيولوجي في جامعة فلوريدا أطلنتيك) سنة 1999، وذلك من خلال قياس النشاط الكهرومغناطيسي للقلب والدماغ أثناء عملية الفهم.

مما أدى بالأوساط العلمية بالالتفات إلى ما يُدْعَى بـالذَّاكِرَةِ آلخَلَوِيَّة التي تم اكتشافها من طرف الدكتورة: بيرت كانديس (Pert Candace) (عالمة مختصة في علم الصيدلة وعلم الأعصاب بنيويورك) والتي خَلُصَتْ إلى القول أن الخلايا في أجسامنا تحتوي على معلومات عن شخصياتنا، أذواقنا، أنماط حياتنا، بل وحتى تاريخنا. والدليل على هذه الظاهرة وبكل بساطة هي تغير شخصيات من خضعوا لعمليات زراعة القلب. بالرغم من أن هذه الفكرة قد تبدو غريبة وبعيدة عن أذهان البعض.

كما تقول المعالجة النفسية Linda Marks (أستاذة باحثة بجنوب فلوريدا)بعد عملها لمدة عشرين عاما في مركز القلب أنها أَحَسَّتْ بالتغيير الذي يَحْصُلُ في نفسية وعاطفة المريض قَبْلَ وبَعْدَ عملية زراعة القلب، كما تمكنت باحثة أخرى ألا وهي ليندا راسك Linda Russek (أستاذة في طب النفس بأريزونا) من تسجيل علاقة تأثير المجال الكهرومغناطيسيي للقلب على المجال الكهرومغناطيسي لدماغ الشخص المقابل.

وقد قام كذلك الدكتور Gary Schwartz ببحْثٍ ضَمَّ أكثرَ من ثَلاَثِمِائَة حالة زراعة القلب، ووجد بأنَّ جَمِيعَهَا قد حدَثَ لها تغيرات نَفسية جِذرية بعد عملية الزراعة، وحتى هذه اللحظة لم يَسْتَطِعِ العلماء تفسير هذه الظاهرة، ولماذا حدث هذا التحول النفسي الكبير وما علاقة القلب بنفس الإنسان ومشاعره وتفكيره.

وهناك قصص واقعية من الحياة تدل على هذه الظاهرة والتي نُشِرَتْ في جريدة دِيْلِي مِيْلْ البريطانية وفي جريدة واشنطن بوسط سنة 2007 وفي كتاب شفرة القلب للدكتور بول بيرسال (عالم في المناعة النفسعصبية بجامعة أريزونا)، نسرد منها:

القصة الأولى

حيث تقول الدكتورة ليندا: من الحالات المثيرة أيضا أنه تم زرع قلب لفتاة كانت تعاني من اعتلال في عضلة القلب، ولكنها أصبحت كل يوم تحس وكأن شيئا يصطدم بصدرها فتشكو لطبيبها هذه الحالة فيقول لها هذا بسبب تأثير العملية الجراحية، ولكن تبين فيما بعد أن صاحبة القلب الأصلي صدمتها سيارة في صدرها وأن آخر كلمات نطقت بها أنها تُحِسُّ بألمِ الصدمةِ في صدرها.

أما القصة الثانية

فقد تبين أمرا مثيرا للاهتمام ألا وهو أن أولئك المرضى الذين استبدلت قلوبهم بقلوب اصطناعية فقدوا الإحساس والعاطفة والقدرة عن الحب، حيث أُجْرِيَتْ عملية زرع القلب الاصطناعي لمريض فَقَدَ مَشَاعِرَهُ بالكامل بعد زراعة القلب لدرجة أنه أصبح غير مُبَالٍ بأي شيء ولا يهتم بالحياة، بل إنه يفكر أحيانا بِوضع حَدٍّ لحياته والتخلص من هذا القلب الاصطناعي!.

ففي عام 2002 نشر الدكتور بول بيرسال نتائج بحثه الذي استغرق عشر سنوات، والذي شَمَلَ ثَلاَثَا وَعِشْرِينَ زِرَاعَةَ قَلْب، وانتهى من بحثه إلى نتيجة مَفَادُهَا أن التغيرات التي طَرَأَتْ في المزروع لهم، تتطابق مع شخصيات المتبرعين.

زيادة على هذا فإن هناك مئات الحالات التي حدثت لها تَغَيُرَاتٍ جِذرية في الشخصية بعد عملية زراعة القلب، ولقد رفض الأطباء في أمريكا التعاملَ مع مِثْلِ هذه الحالات على الرغم من إلحاحِ المرضى مَعْرِفَةَ مَنْ تَبَرَعَ لَهُمْ بالقلب وما هي صفاته، ولكن القوانينَ تَمْنَعُ ذلك عندهم، ولذلك هذه الحالات تبقى غير مدروسة مائة في المائة، كما أنها تُشَكِّلُ تحديا للطب الحديث الذي عَجَزَ عن تفسيرها بحقائقه الحالية!.

هذا ما يدفعنا إلى الانتقال والخوض في المحور الرابع والأخير.

المحور الرابع: معجزات القرآن الكريم في علم القلب

مولاي أعزكم الله

إن الحقائق العلمية التي تَطَلَبَتْ سنواتٍ من البحث وأُنْفِقَ عليها مليارات من الدولارات وشَغَلَتْ أفكارَ علماءٍ أَفْنَوْا مراحلَ من عُمْرِهِمْ في البحث لِيُثْبِتُوهَا في عصرنا الحالي سَبَقَ القرآن الكريم إلى إِثْبَاتَهَا والحديث عنها بأسلوب عِلمي دقيق قبل أربعةَ عَشَرَ قَرْنًا. وذلك في كل المجالات مثل البحار والجبال والطب والنفس، وَكُلُّهَا تَشْهَدُ على صِدْقِ قول الحقِّ تبارك وتعالى مُسْتَنْبَطًا من الآية الكريمة:

﴿سَنُرِيهِمُ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّن لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْف بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

مما يؤكد مرة أخرى إعجازَ هذا الكتاب العظيم ويدحض مزاعم المتشككين.

وَتَكْرَارُ ذِكْرِ القلب في نصوص عديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، جعلت الشريعة الإسلامية صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة صلاحاً مرهوناً بصلاحِ قلبه.

إن ما توصل إليه العلماء من تطبيقات عِلمية مُذْهِلَة تجعلهم في بحث دائم عن سر أسرار هذا الكون في كل جوانبه. كما لا تزال أمامهم تحديات كبرى للوصول لفك أسرار القوانين والبحث عن أصلها وسرها ومآلها، وبالتالي بَقِيَ هناك الكثير جدا أمام الإنسان لِيَكْتَشِفَهُ ويجد إجابةً له.

وعليه بَدَا لِزَاماً على العلماء في العصر الحالي بِنَاءَ نِظَامِهِم العِلمي والبحثي على طرق جديدة توازن بين الروحي والمادي وعندئذ سَيَتَمَكَّنُونَ من تدقيق كل النتائج التي توصلوا إليها. 

مولاي أمير المؤمنين

لقد أَفْضَتْ جُلُّ الدراسات المتعلقة بعلم القلب أن هذا العضو له مدلول وفهم آخر غيرَ ذلك الذي اتَّفَقَ عليه العُلماءُ قبل، فهو أكبرُ من أن يكونَ مجرَّدَ كُتْلَةٍ لحمية رابضة في القفص الصدري مُهِمَّتُهَا ضَخُّ الدَّمِ لأعضاء الجسم، بل هو يُغَذِّي الجسم أيضا بالمعلومات مع كل دقة من دقاته.

إن ما حمله القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا حول القلب لا يمكن أن يكون مجرد معلومات شَرَحَتْ ظواهر علمية حديثة، بل إنها عبرةٌ لكل مؤمنٍ ليزداد إيمانُه بالله ويَعْرِفَ أهمية هذا العضو في الحياة الدنيا والآخرة.

لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِاللَّهِ ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.

﴿رَبَّنَا لَاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.

وفي الأخير نجعل مسك الختام التوجه لله سبحانه وتعالى سائلين العلي العظيم من فضله ومن فيضه أن يجعل عنايته الإلهية ترافق مولانا أمير المؤمنين محمدا السادس في الحركات والسكنات.

اللهم انصره نصرا عزيزا تعز به الدين، وتجمع به كلمة المسلمين، وأصلح به وعلى يديه، واحفظه بما حفظت به الذكر الحكيم.

والسلام على المقام العالي بالله

والختم لمولانا أمير المومنين أعزه الله

سعد بن ثقل العجمي : مسألة الاحتجاج بفهم السلف

exp darss elhassani 4

نص الدرس الحسني الرابع من سلسلة الدروس الحسنية للعام 2019/1440 حول موضوع مسألة الاحتجاج بفهم السلف، حيث ألقى الدرس بين يدي جلالة الملك، السيد سعد بن ثقل العجمي، أستاذ في الهيئة العامة للتعليم بالكويت، تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع : "مسألة الاحتجاج بفهم السلف"، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة النساء : "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا"، وذلك يوم الخميس 17 رمضان 1440هـ الموافق لـ 23 ماي 2019 بالقصر الملكي بمدينة الدار البيضاء.

  نص الدرس الحسني حول مسألة الاحتجاج بفهم السلف للأستاذ سعد بن ثقل العجمي 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحجة البالغة الباهرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بالبراهين الدامغة القاهرة، وعلى آل بيته الأطهار، وصحابته الأخيار، وسلّم تسليماً كثيراً.

مولاي صاحبَ الجلالة أميرَ المؤمنين محمد السادسَ أيدكم الله ونصركم وسدد في صالح الأعمال خطاكم.

أتشرف بإلقاء هذا الدرس أمامكم وأنا واثقٌ أنه يدخل في باب ما تحرصون عليه أشدَ الحرص من توضيح سبلِ الأخذ بالدين المتين من لدن كافة المسلمين، ولا سيما من أمتكم المغربية التي تتقلدون أمامها أمانة حماية الملة والدين.

ثم إن الموضوع له علاقةٌ بقضيةٍ تشغل المسلمين في هذا العصر خاصة، وتتعلق بسلطة المرجعية التي تظهر فيها بعض الفئات وكأنها تُريد أن تُقيم مصدراً للاستدلال والاستشهاد إلى جانب ما اتفق عليه المسلمون وهما الأصلان الأصيلان كتابُ الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

إن هذه القضية تتعلق بالاحتجاج القولي أو الفعلي، ولا تتعلق بالعمل السديد الذي قام به السلف في الاجتهاد في التفسير والتأويل والتصنيف والاستنتاج. بعد هذه الإشارة التمهيدية الضرورية نقول:

لقد ظلت الأمة قروناً طويلة، تحتكم في مرجعيتها الفكرية إلى أصولٍ علمية ثابتة، استقرأها من محكمات الوحيين أحدُ كبار المتخرجين من مدرسة الإمام مالك ألا وهو تلميذه النجيب الإمامُ محمدُ بن إدريس الشافعي، فكانت هذه الأصول بمثابة الدستور الشرعي الأول في فهم الكتاب والسنة، حيث بنيت هذه الأصولُ على الاستقراء التام لآيات الكتاب المحكم ونصوص السنة الشريفة، وقواعدِ اللغة العربية، ومناهجِ الاستدلال والنظر عند أئمة السلف الأعلام، ولم يخالف هذه الأصولَ الكبرى التي عليها المعول في فهم الكتاب والسنة أحدٌ من أهل السنة والجماعة، بل كانت هي نقطة الافتراق مع الفرق والطوائف الأخرى، والتي اتخذت أصولاً أخرى مباينةً لهذه الأصول، كان الدافعُ الأول في نشأتها هو انحرافها في أصولها العقائدية، والذي ألقى هذا الانحراف العقدي بظلاله على أصولهم المنهجية في الاستنباط والاستدلال.

هذه الأصول الشرعية التي عليها مدار الاتفاق، وإليها مسار الاحتكام عند الاختلاف والشقاق هي الأصول الأربعة المتفق عليها أصولياً: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

يقول الإمام الشافعي مجلياً هذه الحقيقة: ليس لأحد أبداً أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس.

فما الذي حصل بعد ذلك.. لقد نشأت في الأمة ناشئةٌ، ذهبت إلى فترة زمنية مباركة تُجلها الأمة وتحترمها ألا وهي فترة السلفِ الصالح، فأحاطتها بهالةٍ من القداسة حتى جعلت من فهوم أهل تلك الفترةِ الصالحةِ لزمانها، والمحكومةِ بحدود وإمكانياتِ مكانها، جعلت من تلك الفهومِ أغلالاً وآصاراً تقيد بهما فهمَ كتابِ الله وسنةِ رسول الله الصالحين لكل زمانٍ ومكان.

فهل كل فهمٍ واجتهادٍ نُسب إلى تلك الفترة الزمنية الفاضلة، يُعد حجةً في دين الله؟ بمعنى هل يكون العالمُ المجتهد الذي استكمل بناء أدواته الاجتهادية وعرف عصرَه ومصره وما يصلح لهما وما لا يصلح، هل يكون مُلزماً بذلك الفهم السلفي الذي أتى استجابةً لواقع مختلف وفق مُعطياتٍ مختلفة، أم يجب على هذا العالمِ أن يُعمِل هذه الأدوات الاجتهادية ليستنبط بها من الوحيين المعصومين أحكاماً صحيحة من خلال معرفته لواقعه واطلاعه على مستجداته، إذ الاجتهادُ - كما لا يخفى على شريف علمكم - ينبني على ثلاثة أركان: الركن الأول: معرفةُ النص الشرعي والركنُ الثاني: معرفةُ الواقع والركنُ الثالث: تنزيلُ هذا النص الشرعي على هذا الواقع.

فأين الركن الثاني والثالث عند من يقيد فهم النصوص بفهم السلف؟

أما النصُ الشرعي.. فلا زال القرآن الكريم غضاً طرياً كما نزل، حظُ أواخر هذه الأمة منه كحظ أوائلها والأمةُ كما يقول سيدُها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كالغيث لا يُعرف أوله خيرٌ أم آخره، والسنةُ النبوية الشريفة محفوظةٌ بنقل الثقات الأثبات من سلف الأمة العدول وعلى رأسهم ساداتنا الصحابة الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخاطبهم (نضَّرَ الله عبداً سَمِع مقالتي فوعاها، فبَلَّغها مَن لَم يَسْمعها، فرُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فِقْه لا فِقْهَ له) فلنتأمل يا مولاي قوله عليه السلام: (فرُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه) فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه سيأتي علماءٌ يكون اشتغالهم في فهم هذه النصوص أكثرَ تخصصاً وتفرغاً من اشتغال من كان قبلهم! وهكذا كان.. فالصحابةُ رضوان الله عليهم انشغلوا بأمور عظمى لا يُمكن لأحدٍ بعدهم أن يقوم بمثلها، كأمور الفتوحات ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم هذا فيما يخص أكثرَهم، أما المشتغلون بالعلم وهم الأقل فأكثرُ شغلهم كان في حفظ السنة النبوية ونقلها، لذلك كان أكثرُ ما امتلأت به دواوين السنة هو ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أما ما فهموه واستنبطوه فهو موجود لكنه ليس بالكثرة ولا بالهيئة ولا بالتأصيل والضبط الذي حظيت به مذاهبُ الأئمة المجتهدين الذين جاؤوا من بعدهم خصوصاً المذاهبَ الفقهيةَ الأربعة، والتي ينتسب إليها وإلى فقه أئمتها جمهورُ المسلمين قديماً وحديثاً.

هذه المذاهبُ الأربعة المعتبرة هي في الحقيقة امتدادٌ طبيعي لما كان عليه سلف الأمة من حقٍ وصواب، فهل مذهبُ السادة الحنفية إلا امتدادٌ لفقه ابن مسعود في العراق، وهل مذهبُ إمام دار الهجرة الإمامِ مالكٍ إلا امتدادٌ لفقه أهل المدينة رضي الله عنهم، لكن هل وقفتْ هذه المذاهبُ الفقهية عند تلك المرحلة المباركة حتى أضحت أسيرةً لها؟، أم أنها استفادت منها ومن منهجيتها في النظر والاستدلال، ثم طورتها وجعلتها متوافقةً مع روح عصرها، بل ولم تقف عند حرفيتها بل تجاوزتها إلى النظر في أصولها الأولى ألا وهي الكتاب والسنة حتى قال الإمام مالك رضي الله عنه قولته الشهيرة: كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحبُ هذا القبر صلى الله عليه وسلم.

إن المتأمل لما يُسمى اليوم بـ(فهم السلف) والذي يُدعى الناس إلى الالتزام به بعد تجاوز تراثِ الأمة العظيم المتمثل بمدارسها العقدية والفقهية والسلوكية والتي فيها خلاصة ما كان عليه سلف الأمة من حقٍ وصواب، يجد أنه أمام شعارٍ اختلطتْ فيه الفكرة الدينية بالغاية السياسية، فبدل أن يكون الانتساب إلى السلف إطاراً جامعاً للأمة بمختلف مدارسها ومذاهبها، أضحى علامةً فارقة تشير إلى طائفةٍ تمثل جزءً صغيراً من الأمة تُريد أن تُؤطر جمهورَ الأمة وفق فهمها المحدود لما كان عليه أهل تلك الفترة الزمنية، حتى أضحى شعار (فهم السلف) اليوم سلاحاً للتبديع والتفسيق والتفريق يشهرهُ أصحابه في وجه مذاهب الأمة ومدارسها وطرائقها مما بناه الأئمة المجتهدون والأولياءُ الصالحون، وتوارثته الأمة كابراً عن كابر، بل ولم تسْلَم كثيرٌ من اجتهادات علماء الأمة المقبولة من سياط التحريم ومشانق التجريم، فالاجتماع لذكر الله وقراءة القرآن بطريقة جماعية جعلوه منكراً وبدعةً!، والاحتفال والاحتفاء بالمولد النبوي الشريف جعلوه أيضاً منكراً وبدعةً!، لماذا؟ لأن ذلك بزعمهم مخالفٌ لفهم السلف!، أو لأن سلف الأمة لم يفعلوا ذلك.

علماً أنه ثبت عن كثيرٍ من علماء أهل السنة والجماعة المتقدمين والمتأخرين أنهم يقولون بجواز مثل ذلك، كما في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي مثلاً، فهل كلهم مبتدعةٌ ضُلال! فعلى رأس القائلين بجوازه الإمامُ ابن حجر العسقلاني والإمامُ السيوطي والسخاوي وابنُ الجوزي الحنبلي وابن كثير وابن الجزري وابن عابدين..

ومنهم الإمامُ ابن عاشر المالكي. صاحب البيت الفخم الذي يُعبر فيه عن أهم الثوابت التي قامت عليها المملكة المغربية في ظل إمارتكم للمؤمنين أدام الله ظلالها الوارفة ألا وهو قوله:

في عقد الأشعري وفقه مالكِ *** وفي طريقة الجنيد السالكِ

هذه الثوابتُ العظمى.. العقيدةُ الأشعرية والفقهُ المالكي وطريقة الإمام الجنيد، التي حمت وتحمي مملكتكم المباركة من الأفكار المتطرفة، والآراء المنحرفة التي تشوه وجهَ الشريعة السمحاء، وتقف حجر عثرةٍ أمام اجتهادات السادة العلماء، هذه الاجتهاداتُ التي فيها السعة والتيسير على الناس، فلا إشهارَ لسلاح التشدد والتبديع والتكفير في وجوه عباد الله المؤمنين، وتالله ما ولد التطرف والإرهاب إلا من رحم التشدد!.

يقول الإمام سفيان الثوري رضي الله عنه (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، وأما التشدد فيُحسنه كل أحد) وإن من هؤلاء الذين يُحسنون لغة التشدد اليوم، طائفةٌ لها ذرائعُ عديدةٌ لتشددها من أهمها اتهام الناس بدعوى مخالفة فهم السلف!

فما حقيقة فهم السلف؟ وهل هو حجةٌ في دين الله؟ وما موقف جماهير علماء المسلمين منه؟ ثم ما هي أهم أدلة القائلين بحُجية فهم السلف؟ وما الجواب عنها؟ وأخيراً ما الأدلة على أن فهم السلف ليس حجةً شرعية؟

إن من نافلة القول.. أن نكرر التأكيد على المكانة السامية التي يحتلها سلف هذه الأمة رضي الله عنهم، والفضائلِ العظيمة التي حازوها كما في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وكما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..)

لكن هل هذه الأفضلية تقتضي الحجية؟ بمعنى: هل ورود النصوص الدالة على فضل ساداتنا سلف الأمة يدل على أن فهومهم واجتهاداتهم وإن تعددت وتنوعت حتى تصل إلى حدّ الاختلاف كما هو ثابتٌ عنهم، هل هذه الفهوم تكون حاكمةً مقيدةً لفهم الكتاب والسنة؟

ميدان بحث المسألة:

إن ميدانَ ومضمار بحثِ هذه المسألةِ العظيمةِ هو علمُ أصول الفقه الإسلامي الذي يختص ببحث أصول الاستدلال والنظر وما يصلح أن يكون منها حجةً في دين الله وما لا يصلح. هذا العلمُ الشريفُ الذي حماه الله وحباه بأئمة المسلمين الأكابر، فحولِ الشريعة وحراسِ حصونها المنيعة من جهابذةِ النُّظار، وعباقرةِ العلماء أهل الفخار، ولا زال ولله المنةُ والحمدُ لواؤهم في كل عصرٍ معقوداً موجوداً، ورايتهم في كل ساحة فكرية منشورةٌ منصورة، سخرهم الله وسخر لهم جنودَ العقل وحشودَ الفكر، وفي أمثالهم يصدق ما قاله يا أميرَ المؤمنين جدُكم مولانا الإمامُ عليُ كرّم الله وجهه حيث يقول: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لئلا تبطلَ حججُ الله وبيناتُه، أولئك هم الأقلون عدداً، الأعظمونَ عند الله قدراً، بهم يدفعُ الله عن حججه، حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم..)

وسيكون الكلام حول الاحتجاج بفهم السلف في أربعة محاور بإذن الله:

المحور الأول: حقيقة فهم السلف:

عرّف بعض القائلين بحجية فهم السلف، وهذا ما تدل عليه نصوصُ كبار علمائهم القائلين بالحجية أنه ما علمه وفقهه واستنبطه الصحابةُ والتابعون وأتباعهم من مجموع النصوص الشرعية أو آحادها مراداً لله تعالى ولرسوله مما يتعلق بمسائل الدين العلمية والعملية، مما أُثر عنهم من قول أو فعل أو تقرير. وأضيف (أو ترك). لأن أكثر استعمالهم لمصطلح فهم السلف إنما يأتون به في سياق ذكر تروك السلف أي ما لم يفعله السلف، كما تقدم معنا في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي وأنهم يستدلون بحِرمته، بعدم فعل السلف له، ومسألة التروك أي عدم الفعل اختلف فيها الأصوليون بخصوص تروك النبي صلى الله عليه وسلم هل هي حجةٌ أم ليست بحجة، بمعنى إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً هل يعتبر تركه دليلاً على حرمة هذا الفعل. فضلاً عن الاعتداد بترك الصحابة وسلف الأمة، وقد تكلم عن هذه المسألة العلامة المغربي عبد الله بن الصدّيق الغماري في رسالته (حُسن التفهم والدرك لمسألة الترك) حيث يقول: الترك وحده إن لم يصحبه نصٌ على أن المتروك محظورٌ لا يكون حجةً في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروعٌ، وأما أن ذلك الفعل المتروك يكون محظوراً فهذا لا يستفاد من الترك وحده، وإنما يستفاد من دليلٍ يدل عليه.

ولذلك تجد أكثر علماء الحديث والأصول إنما عرفوا السنة النبوية بأنها: كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ولم يذكروا الترك من ضمنها.

إن المتأمل لكتابات كبار رموز القائلين بحجية فهم السلف اليوم ومنظريهم يجد أنهم يتعاملون مع (فهم السلف) أحياناً باعتباره أصلاً ثالثاً من أصول الاستدلال، والأكثر يعتبره الأصل الحاكم على الكتاب والسنة، فلا اعتبار لأي دليل ولا لأي اجتهاد عالم إلا بموافقته لهذا الأصل وكأنه لا توجد أدلة شرعية أخرى غيره.

وإليكم نموذجاً لأحد كبار علمائهم المشتغلين بعلم الحديث، فقد ذهب إلى أبعد ما يمكن أن يصل إليه صاحب مذهب، إذ يرى أن القول بحجية فهم السلف والانتسابَ إليهم من قبيل الانتسابِ للعصمة!

بل يصرح هذا الشيخُ بأن مرتبة الصحابة هي المرتبةُ الثالثة بعد قول الله وقول رسوله! صلى الله عليه وسلم بل يقول في نصٍ في غاية الخطورة له، بعد أن ذكر عبارة (الإسلام إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم) قال: (هذا حقٌ لا ريب فيه ولكنه ناقص!) هذا النقصُ عنده إنما هو في عدم إضافة الصحابة لهما! لأن دعوتهم كما يقول: (تقوم على ثلاثة أركان على الكتاب والسنة واتباع السلف الصالح)

إذاً فالكتاب والسنة ناقصان عند شيخ ومحدث هذه المدرسة التي تزعم تعظيم السلف ما لم يُضف إليهما الصحابة ومثل هذا الكلام الخطير لا يقوله ولا يرتضيه سادتنا الصحابة ولا أئمة السلف وعلماء الأمة الأكابر، حاشاهم وهم يحفظون ويفقهون قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}

فهل كَمل دين الله ببعثة خاتم الأنبياء عليه السلام، أم بمن جاء بعده!

ثم ماذا عند الصحابة وسلف الأمة رضوان الله عليهم من شيء زائدٍ لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيكونان وحاشاهما ناقصين ما لم يُضف إليهما الصحابة!

(سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم)، كيف وقد كان سيدنا عبد الله بن عباس تُرجمان القرآن يُخاطب الصحابة قائلاً: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر(

المحور الثاني:بحث حجية فهم السلف من خلال مسألة حجية اتفاق الخلفاء الراشدين.

لقد اكتشفنا في كتابات القائلين بحجية فهم السلف أن مدار احتجاجهم على هذا الأصل لا يكاد يخرجُ عن الاستدلال بحديث العرباض بن سارية (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ..) وهو أحد أهم أدلة القول بحجية اتفاق الخلفاء الراشدين التي تناولها علماء أصول الفقه، فماذا كان موقفهم من هذا الحديث على فرْض صحته؟ وما هي آراءُ العلماءِ في هذه المسألة الأصولية؟

بمعنى: هل إذا اتفق فهم كبار أئمة السلف وعلى رأسهم سادتنا الخلفاء الراشدون على

مسألة من المسائل وقالوا فيها بقول واحد، هل هذا الفهم حجةٌ في دين الله لا يسع المجتهدين مخالفته، أم أنه يجوز لهم مخالفته؟

إن من أهم الحقائق التي وقفنا عليها في هذه المسألة هي أن القول بعدم حجية اتفاق الخلفاء الراشدين والتي هي من أعلى صور فهم السلف هو قولُ جماهير العلماء ومذهبُ أكثر علماء المذاهب الأربعة.

وقد تنوعت عبارات الأصوليين الذين نسبوا هذا الرأي لجماهير أهل العلم:

فمنهم من ذكر أنه مذهب الجمهور كالإمام الزركشي، ومنهم من نص على أنه رأي الأكثرين كالآمدي. ومنهم من جعله مذهب الجماعة كالرجراجي المالكي. ومنهم من حكاه عن الأئمة كالمرداوي الحنبلي.

فمن القائلين بعدم حجية اتفاق الخلفاء الراشدين من الحنفية شيخُ الحنفية ببغداد أبو سعيد البردعي والكمالُ بن الهمام و البابرتيُ.

أما السادة المالكية: فقد نص على القول بعدم حجية اتفاق الخلفاء الراشدين ابنُ الحاجب، كما اختار هذا القولَ الإمامُ القرافي فإنه حين ذكر حديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) تأوّل هذا الحديث ورأى (أنه محمول على اتباعهم للسنن والكتاب العزيز، وقال: ونحن نفعل ذلك. أي نتّبع الكتاب والسنة

إذاً فالمقصود باتباع سننِ الخلفاء الراشدين في هذا الحديث اتباعهم فيما اتبعوا فيه الكتابَ والسنة، فالحجة في اتباع الكتاب والسنة لا في اتباع فهومهم رضي الله عنهم.

أما الشافعية: فلا تكاد تختلف كلمتهم على القول بعدم حجية اتفاق الخلفاء الراشدين فهذا حجة الإسلام الغـزالي حينما ذكر قولَ من قال (أن الحجة في اتفاق الخلفاء الأربعة) علق على ذلك قائلاً: "وهو تحكم لا دليل عليه".

وفي موضع آخر بعد أن عدّد أقاويل العلماء في حجية قول الصحابي وقول الخلفاء الراشدين قال بعد ذلك: (والكل باطل عندنا فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة؟ وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة.) انتهى كلامه

أما مذهب أصحابنا الحنابلة: فقد ذهب كثير منهم إلى القول بعدم حجية اتفاق الخلفاء الراشدين، يقول علاءُ الدين المرداوي: (قَول الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة لَيْسَ بِإِجْمَاع، وَلَا حجَّة مَعَ مُخَالفَة مُجْتَهد، وَهُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَمد عَلَيْهِ عِنْد الْأَئِمَّة؛ لأَنهم لَيْسُوا كل الْأمة الَّذين جُعلت الْحجَّة فِي قَوْلهم)

المحور الثالث:بحث حجية فهم السلف من خلال مسألة حجية قول الصحابي

وهي من المسائل المرتبطة ارتباطاً وثيقا بمسألة حجية فهم السلف حيث عمد القائلون بحجية فهم السلف إلى أدلة هذه المسألة فاستدلوا بها على قولهم بحجية فهم السلف.

وهنا نقول: إن مذهب جمهور الأصوليين هو القول بعدم حجية قول الصحابي أي أن فهمَ الصحابي ومذهبَه إذا ورد في مسألة معينة لا يجب على المجتهد الأخذ به.. يقول الشيخ الأصولي الخضري: (ليس مذهبُ الصحابي حجةً على صحابي مثله بلا نزاع، أما بالنسبة لغيره فقال الجمهورُ: ليس بحجةٍ مطلقاً.. لأنه لا دليل على كونه حجةً فوجب تركه).

وهنا نصٌ مُحكمٌ لأحد أصحابنا الحنابلة وهو العلامةُ الأصولي ابنُ بدران الحنبلي عن مذهب الصحابي، وبمثل قوله نُجيب على القائلين بحجية فهم السلف، قال رحمه الله: (وَالَّذِي يظْهر أَنه الْحقُ أنه لَيْسَ بِحجَّةٍ (أي مذهبُ الصحابي وفهمه) فَإِنّ الله لم يبْعَث إِلَى هَذِه الْأمة إِلَّا نبيَها صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ لنا إِلَّا رَسُولٌ وَاحِدٌ وَكتابٌ وَاحِدٌ وَجَمِيُع الْأمة مأمورةٌ بِاتِّبَاع كِتَابه وَسنة نبيه وَلَا فرق بَين الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فِي ذَلِك فَمن قَالَ إِنَّهَا تقوم الْحجَّةُ فِي دين الله بِغَيْر كتاب الله وَسنة نبيه وَمَا يرجع إِلَيْهِمَا فقد قَالَ بِمَا لَا يثبت وَأثبت فِي هَذِه الشَّرِيعَة الإسلامية مَا لم يَأْمر الله بِهِ وَهَذَا أَمرٌ عَظِيم وَتقوّل بَالغ فَإِن الحكمَ لفردٍ أَو أَفْرَادٍ من عباد الله بِأَن قَوْله أَو أَقْوَالهم حجَّةٌ على الْمُسلمين يجب عَلَيْهِم الْعَمَل بها وتصيرُ شرعاً ثابتاً متقرراً تعمُّ به البلوى، مما لا يدانُ الله عز وجل به وَلَا يحل لمُسلمٍ الركون إِلَيْهِ فَإِن هَذَا الْمقَام لم يكن إِلَّا لرسل الله لَا لغَيرهم وَلَو بلغ فِي الْعلم وَالدّين وَعِظم الْمنزلَة أَي مبلغٍ وَلَا شكّ أَن مَقَام الصُّحْبَة مقَام عَظِيم وَلَكِن ذَلِك فِي الْفَضِيلَة وارتفاع الدرجَة وعظمة الشَّأْن وَهَذَا مُسلّم لَا شكّ فِيهِ وَلَا تلازم بَين هَذَا وَبَين جعل كل وَاحِد مِنْهُم بِمَنْزِلَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حُجية قَوْله وإلزام النَّاس باتباعه فَإِن ذَلِك مِمَّا لم يَأْذَن الله بِهِ وَلَا ثَبت عَنهُ فِيهِ حرفٍ وَاحِد) انتهى كلامه.

المحورُ الرابعُ والأخير: الأدلة على أن فهم السلف ليس حجةً شرعية:

الدليل الأول: وهو منطلق هذا الدرس الحسني المبارك أمام حضرة مولاي أمير المؤمنين ألا وهو قول الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً﴾ ووجه الاستدلال: حيث أمرنا الله بالرجوع إلى الكتاب والسنة ولم يذكر الرجوعَ إلى فهم السلف ولو كان فهم السلف حجةً لأمر بالرجوع إليه.

قال الإمام السمعاني: في هذه الآية: فالمراد به رد الحكم إلى الكتاب والسنة وهو رد إلى الله وإلى رسوله.

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ . وجه الاستدلال: أن الله أوجب الاعتبارَ وهو الاجتهادُ والقياس كما فسرها بذلك جمهورُ العلماء القائلين بحجية القياس، قال الإمام السرخسي: الاعتبارُ هو العمل بالقياس والرأي فيما لا نص فيه.

ولم يأمرنا سبحانه بالأخذ بفهم السلف سواء كان مذهباً للصحابي أو من دونه من التابعين أو أتباعهم.

الدليل الثالث: حَدِيث سيدنا معَاذ حِين أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقَالَ لَهُ: (بِمَ تقضي؟ قَالَ: بِكِتَاب الله. قَالَ: فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله؟ قَالَ: بِسنة رَسُول الله. قَالَ: فَإِن لم تَجِد فِي سنة رَسُول الله؟ قَالَ: اجْتهد رَأْيِي. فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضى بِهِ رَسُوله). ففي هذا الحديث الدليل على وجوب العمل بالكتاب والسنة والقياس ولم يذكر فيه فهم السلف ولا قول الصحابي. قال الإمام السرخسي: فَهَذَا دَلِيل على أَنه لَيْسَ بعد الْكتاب وَالسّنة شَيْء يعْمل بِهِ سوى الرَّأْي.

الدليل الرابع: الإجماع.. فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تجويز مخالفة بعضهم لبعض ولو كان فهم السلف حجةً لما كان كذلك وكان يجب على كل واحد منهم اتباع الآخر وهو محال.

الدليل الخامس: انتفاء الدليل على العصمة، قال الإمام الإسنوي: الصَّحَابِيّ لم تثبت عصمته والسهو والغلط جائزان عَلَيْهِ فَكيف يكون قَوْله حجَّة فِي دين الله تَعَالَى.

الدليل السادس: سلف الأمة من الصحابة ومن دونهم، وكل عالمٍ من العلماء يشتركان في آلة الاجتهاد، فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر. وقد نقل الإمام ابن الحاجب المالكي الاتفاقَ على أنه (لا يجوز للمجتهد بعد اجتهاده تقليدُ غيره.)

الدليل السابع: أن سادتنا سلف هذه الأمة رضي الله عنهم لم يدعوا الناس إلى وجوب الأخذ بفهمهم: فهذا سيدنا عمر بن الخطاب كان وقّافاً عند كتاب الله، وكان يشاور الصحابة؛ فتارة يرجع إليهم وتارة يرجعون إليه، وربما قال القول: فترد عليه امرأةٌ من المسلمين قوله وتبينُ له الحقَ فيرجعَ إليها ويدعَ قوله، كما في قصة (تحديد صداق النساء)

فعن الإمام الشعبي قال: (خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناسَ فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو سيق إليه إلا جعلت فضلَ ذلك في بيت المال. ثم نزل فعرضت له امرأةٌ من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتابُ الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك قال: بل كتابُ الله تعالى فما ذاك؟ فقالت: نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ فقال عمر رضي الله عنه: كل أحدٍ أفقه من عمر مرتين أو ثلاثاً، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل فى ماله ما بدا له).

وفي قول سيدنا عمر رضي الله عنه حينما سألته المرأة (أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك) فقال: (بل كتاب الله تعالى.) في هذا دليلٌ على اختيارنا بعدم حجية فهم السلف إذ لو كان حجةً لقال سيدنا عمر اتباع الكتاب حق، واتباع فهمنا لكتاب الله حق وحجة، وهذا ما لم يقله لا سيدنا عمر ولا سادتنا الصحابة وسلف الأمة، وما ذلك إلا لإقرارهم أن أقوالهم واجتهاداتهم ليست حجةً في دين الله!

الدليل الثامن: (دليل التناقض) وهو أنه لو كان حجةً للزم من ذلك تناقض الحجج، فالاختلاف بين الصحابة مشهور معلوم.

قال الإمامُ ابن حزم الأندلسي: (فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع كل قائلٍ من الصحابة رضي الله عنهم وفيهم من يحلل الشيء وغيره منهم يحرمه). وقد سرد ابن حزم بالأسانيد الصحيحة نحواً من خمسٍ وثلاثين مسألةً وفتوى اختلفت فيها أقوال سادتنا الصحابة رضي الله عنهم، فأي هذه الفهوم المتخالفة حجةٌ في دين الله؟

إن ساداتنا سلف هذه الأمة رضي الله عنهم لم يُعطوا أنفسهم هذه الهالة، ولم يُلبسوا فهمهم للشريعة بهذه القداسة، بل كانوا يُقرون أنهم إنما يقولون بآرائهم واجتهاداتهم، ولا ينسبون هذه الآراء والاجتهادات إلى الله ورسوله بل يتبرأون من ذلك.

فهذا سيدنا ابن مسعود كان يقول في بعض فتاواه (أقول فيها برأيي فإن كان حقاً فمن الله وإن كان باطلاً فمني والله ورسوله بريئان.)

وفي الختام:

بعد هذه الإجابات والأدلةِ التي تقودنا إلى اختيار الرأي الصحيح في مسألة الاحتجاج بفهم السلف، فقد ظهر لنا أن الاتجاه الراجح هو أن فهم السلف رضي الله عنهم ليس حجةً في دين الله، وهو ما عليه جمهور علماء الأصول. وما دام ذلك كذلك فلا يحق لأحدٍ أن يُميز نفسه عن جمهور الأمة وعلمائها بمنهجيةٍ أو شعارٍ أو أفكارٍ أو لباسٍ تحت ذرائعَ وبدعاوى لا تقوم على دليل.

ولا يجوز لأحدٍ كائناً من كان.. أن يخرج على سواد الأمة الأعظم فيُخطئَ مجتهديها، ويُبدّع صالحيها، مستدلاً عليهم بما لا يصلح للاستدلال، ولا تُسنده الحجةُ والبرهان. والله الهادي إلى سواء الصراط.

نسأل الله العلي العظيم أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ونسأله جلت قدرته أن يَحفظ يا أميرَ المؤمنين دولتكم العلوية العلية في عزٍ ومجدٍ وتمكين..

(ووجهكَ: وضّاحٌ وثغركَ: باسمٌ) *** وروضــكَ: معطارٌ وكفــــكَ: مدرارُ

يلومونني فـــي حــب آل محمدٍ *** ونحــــن لهم من أول الدهر أنصارُ

والختم عند مولاي أمير المؤمنين

التسجيل الكامل للدرس الحسني الذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين لسيد سعد بن ثقل العجمي، أستاذ في الهيئة العامة للتعليم بالكويت، تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع : "مسألة الاحتجاج بفهم السلف"

محمد بنكيران : صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين

exp darss elhassani 3 400 216

نص الدرس الحسني الثالث للعام 2019/1440 الذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله يوم الإثنين 14 رمضان 1440 (20 ماي 2019) الأستاذ محمد بنكيران عضو المجلس العلمي المحلي للعرائش، متناولا بالدرس والتحليل موضوع : "صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين" انطلاقا من الحديث الشريف : "نضر الله امرءا سمع منا حديثا فأداه عنا كما سمعه فإنه رب حامل فقه غير فقيه".

نص الدرس الحسني الثالث حول صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيئين، سيدنا محمد الرسول الأمين، وعلى آله وصحابته والتابعين.

مولاي أمير المؤمنين

شهدت أمتكم المغربية هذا العام، وشهد الناس حيثما بلغهم الإعلام، أنكم أمرتم العلماء بإحياء برنامج أطلقَتْ عليه جلالتُكم اسم "الدروس الحديثية لإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم"، برنامج دشنتموه بعنايتكم، وأعطيتم التوجيه بما يجب أن يكون عليه، حتى يؤدي مهمته في توعية الناس بعظمة الحديث وحرمته، وواجب الأمة في حمايته من الجهل والكذب والاستعمال الفاسد والمتطرف.

ومَن غيرُكم يا مولاي، أولى بحماية هذا الحمى، وقد صارت جهات كثيرة تحاول العبث به واقتحامَ صرحه المتين.

وسنتكلم في هذا الدرس بعد إذنكم الشريف عن بعض موجبات الغيرة الدينية التي صدرت عنها مبادرتُكم، سواء فيما يتعلق بمكانة الحديث في دين الأمة، أو في ما يتعلق بالمآلات التاريخية التي أفضى إليها التعامل معه، أو بما يضطلع به البرنامج الذي ابتكرتموه من أجل تدارك التقويم بما ينبغي في هذا الموضوع من الرد إلى الجادة بإسداء النفع العميم.

مولاي أمير المؤمنين  

إن سنة جدكم المصطفى صلى الله عليه وسلم لها في الدين قدر كبير، ولها عند المسلمين ما يوازي هذا القدر من الإجلال والتعظيم، وذلك اعتبارا لما لها من الخصائص المميزة والوظائف الجليلة.

فهي معبر الوحي الواصل لأهل الأرض بالسماء، ومفتاح الاطلاع على مكنوناته وأسراره الغراء، قال حسان بن عطية: "كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن".

وهي مصدر المعرفة الحقيقية والشاملة، بما تكشف عنه من الغيوب والحقائق والعلوم، وبما تفتح من الآفاق الواسعة للمعارف والفهوم.

وهي الطريق الدالة على الله، والموصلة إليه، والهادية إلى ما أراده ودعا إليه، من المقاصد المستقيمة الكريمة، والمعاني السوية الحكيمة، كما يدل على ذلك قوله عز من قائل: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله".

وهي المبينة والمفسرة للقرآن الكريم، على نحو جعل آياته ومجموع بصائره واقعا حيا يراه الناس ويعيشونه، من خلال الأقوال والأفعال والأحوال النبوية، فكانت بذلك المصدر الذي لا غناء للناس عنه.

وهي الممدة بالأحكام والتشريعات المطابقة لمراد الله، مصداقا لقوله تعالى: "وأنُ احكم بينهم بما أراك الله"، وقوله سبحانه: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي".

وهي مجمع الفضائل المزكية للنفوس، والمرقية للأرواح، في معارج الطهر والصفاء، بما هي مجلى الصفات الإلهية والأسماء.

وهي المعيار والمرجع للأخلاق والآداب المرضية، مصداقا لقوله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم".

وهي باب الدخول إلى الحضرة الربانية، إذ لا يصح دخول إلا منها، كما قال القائل:

وأنت باب الله، أي امرئ     وافاه من غيرك لا يدخلُ

وباتباعها يتحقق القرب والحظوة من رب العالمين، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما يُدخِل إلى ربه من حيث أدخله الله إليه، وهو بعض معاني قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم.

قال الإمام الجنيد رحمه الله: "الطرق كلها مسدودة إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتبعين سنته وطريقته، فإن طرق الخير كلَّها مفتوحة عليه، كما قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة".

بهذا المقدار، نَظَر إلى السنة عامةُ علماء الأمة وأعلامها، الذين ما منهم أحد إلا وهو آخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، متبع لهديه وبيانه، كل في مجاله وميدانه، وقد أشار إلى هذا ابن البنا السرقسطي 6 فقال:

تبعه العالم في الأقـوال           والعابد الناسك في الأفعال

وفيهما الصوفي في السُّباق        لكنه قد زاد بالأخلاق

في ضوء كل هذا إذن نفهم لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على نشر سنته، ويحض على رواية أحاديثه وآثاره، فيقول: "بلغوا عني ولو آية"، ويقول: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".

ثم بيَّن عليه الصلاة والسلام كيفية هذا التبليغ وصورته وشروطه، فدعا إلى الاحتياط التام فيه، والالتزام الدقيق بالألفاظ المسموعة منه، من غير تصرف ولا اجتهاد، فقال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من رواية زيد بن ثابت رضي الله عنه: «نضَّر الله امرءا سمع منا حديثا فأداه عنا كما سمعه، فإنه رب حامل فقه غير فقيه، الحديث» أخرجه أبو داود والترمذي في سننيهما، وابن حبان في الصحيح، وأحمد بن حنبل في المسند، وهو بهذا اللفظ عند الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

وهو حديث صحيح مشهور، له مخارج كثيرة متعددة عن جماعة من الصحابة، منهم عمر وعثمان وعليٌ ومعاذ بن جبل وابن عمر وابن مسعود وأنسٌ وابن عباس وأبو هريرة، وكثير غيرهم، حتى عد لأجل ذلك من المتواتر.

وقوله "نضر الله امرءا" هو دعاء منه صلى الله عليه وسلم بحسن الوجه والحال في الدنيا، والمجازاةِ بنعيم الجنة ونضارة أهلها في الآخرة، وهو دال على مقدار العناية بالسنة وعظم أجر المشتغل بروايتها.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث".

وقوله: "سمع منا حديثا فأداه عنا كما سمعه" هو القيد الذي عُلِّق به الدعاء، وهو الغاية في الضبط والتحري، "كما سمعه" من غير تبديل ولا تحريف، ولا حتى أدنى تصرف يمكن أن يغير المعنى أو يوجهه توجيها ما، بناء على فهم معين من الناقل الذي قد يكون فاقدا للأهلية الفقهية، أو محصلا لمستوى أقل من المبلَّغ، فيحول بينه وبين المعنى الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبغض النظر عما ذهب إليه بعض العلماء اعتمادا على هذا الحديث من منعهم الرواية بالمعنى، واختلاف آرائهم في ذلك، مع اتفاقهم وإجماعهم على عدم جوازها للجاهل بمعنى الكلام، وموقع الخطاب، ودلالات الألفاظ، فإن هذا الحديث هو في حقيقته تنبيهٌ صريح منه عليه الصلاة والسلام على ضرورة ابتناء الرواية على العلم والتبصر، وعلى وجوب التفقه فيها، وتوجيهٌ إلى التعامل مع الحديث على أساس النظر في دلالاته، واستنباط معانيه، وتدبر مقاصده ومراميه.

فلأجل ذلك أقام المسلمون أمر روايتها على مبدأي الضبط والتفقه، وشددوا في ذلك بما لا مزيد عليه.

وإنما كان هذا منهم استجابةً بالدرجة الأولى لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع الرواية، ثم تفاعلا مع وضعها الذي اعترته ظروف وملابسات جعلتها عرضة للكذب والافتراء في زمن مبكر نسبيا، وهو معطى لا يخلو من إيجابيات وفوائد، لأنه كان سببا في انتباه العلماء للأمر في تلك المرحلة التي كان جيل الصحابة فيها لا يزال على قيد الحياة، وهم الحلقة الرابطة بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة.

وقد تولَّدت عن هذا الانتباه هبَّة عظيمة بدافع حماية بيضة السنة النبوية من عبث العابثين، وانتحال المبطلين، أسفرت عن جملة من الإجراءات التي تميزت بأمور وسمات منهجية دقيقة، منها: السرعة في الفعل، والاستباق المانع من استفحال الآثار المخلة، واختيار الإجراءات المساوقة لخطورة الظاهرة والملائمة لمستواها، واستجماع كل العناصر الضرورية والضامنة لتحقيق المقاصد والغايات المرجوة.

فكان أول ما بدأوا به هو شد الرحلة إلى كل مصر أو بلد به رواة الحديث وحفاظه من الصحابة وغيرهم، وذلك لتحصيل ما في الصدور والسطور من السنن النبوية الشريفة.

وتم وضع الديوان الشامل للسنة النبوية على يد ابن شهاب الزهري أحد شيوخ الإمام مالك 6، في ظل الاستعانة بكل الحفاظ والعلماء في سائر الأمصار الإسلامية.

وبدأت المطالبة بالإسناد على نحو إلزامي لضمان الاتصال بالرواة المؤهلين للتحديث، ممن يقع الاطمئنان لروايتهم ويغلب على الظن صدقهم وإتقانهم.

وبناء على هذا الإسناد وقع تتبعُ الناقلين للحديث، وتحديدُ شروط قبولهم من حيث العدالةُ والضبط، وبيانُ أوصافهم ومراتبِهم في الرواية، وإجراءُ أحكام الجرح والتعديل عليهم، بشكل هو غاية في الدقة والصرامة.

حتى آل الأمر في النهاية إلى نشوء علم متكامل الأركان هو علم النقد الحديثي، المشتملُ على مستويات عميقة جدا في البحث، لم يسبق لها نظير في مجاله، حسبما شهد بذلك المتخصصون والدارسون.

وظل التفقه معلما رئيسا من معالم الانتساب للمجال، كما كان في الصدر الأول، على اعتبار أن السنة مكون من مكونات الصناعة الفقهية، ومرتكز من مرتكزاتها، وذلك حذرا من أن يقع الاستقلال بالحديث دون الفقه.

ونذكر هنا بأن أشهر من عرف بالتشدد في هذا الأمر في الأزمنة الأولى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يمنع من الإكثار من الرواية والتحديث اتقاء لمحاذير تتعلق بالتفقه بالدرجة الأولى، بحيث كان يخشى أن تصل للناس أحاديث يصعب عليهم فهمها فيحملونها على غير وجهها، أو يأخذون بظاهر لفظها في غياب ما يسدد فهمها من أحاديث أخرى.

هذا، وقد وانخرطت المرأة في هذا الشرف، وكان لها حضور كبير، وإسهام غني ووفير، فكانت راوية حافظة، ومتفقهة وناقدة، وكان حضورها على مستوى كل الطبقات بدءا من جيل الصحابيات، ومرورا بالأجيال المتعاقبة، ووصولا إلى رواية المصنفات المشهورة والأصول المعتمدة.

وقد بلغ عدد الصحابيات التي وردت لهن أحاديث في مسند بقي بن مخلد على سبيل المثال مائتين وست عشرة صحابية.

وعدد الروايات عن التابعيات بجميع طبقاتهن في الكتب الستة هو في حدود مائة وثلاث روايات.

ومجموع روايات النساء في الكتب الستة بشكل عام هو ألفان وسبعمائة وأربع وستون رواية.

والجدير بالذكر أن المدونات الحديثية سجلت لنا سنناً وأحاديث لا تعرف إلا من رواية النساء، فكانت بذلك مرجعاً في موضوعها ومادتها.

وللمرأة خاصية استثنائية في هذا المجال لم توجد في الرجال، وهي أن هؤلاء وجد فيهم المتهم والضعيف والمردود، وليس في الراويات إلا الصادقات المقبولات كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: "وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها".

وتمثل المحدثون في اشتغالهم بالسنة أعلى درجات التحقق بالأخلاق المؤهلة للانتساب لهذا المجال الشريف، وكان الواحد منهم كما قال سفيان الثوري يتعبد عشرين سنة، ثم يكتب الحديث.

وكانت علاقتهم بهذا المصدر العظيم تقوم على أساس الإجلال الكبير الذي يكنونه لصاحبها عليه الصلاة والسلام، وهذا مالك رحمه الله كان إذا ذَكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه.

وكان إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل، خرج إليهم، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله واغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا، ولبس ساجه، وتعمم، ووضع على رأسه رداءه، وتُلقى له منصة، فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع، ولا يزال يتبخر بالعود حتى يَفْرُغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما قيل له في ذلك قال: إني أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا.

وكان رحمه الله يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل، ويقول: أحب أن أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد نال المحدثون بذلك قدرا كبيرا من الاحترام والتقدير من لدن العلماء، وكانت لهم على سائر التخصصات سبق وحظوة، بينها الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه "شرف أصحاب الحديث"، وفيه يذكر عن الشافعي أنه كان يقول: "إذا رأيتُ رجلا من أصحاب الحديث، فكأني رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم حيا"، وعن سفيان الثوري قولَه: الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض".

وذلك لما تجشموا من عناء تحمل أمانة الصيانة لحديث جدكم المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم.

مولاي أمير المؤمنين

إن هذه الصورة الرائعة للوضع الذي كانت عليه السنة الشريفة قد أعقبتها متغيرات كثيرة، اقتضت كثيرا من التطوير في إجراءات خدمتها مما تقدم ذكره، بحيث صار الاشتغال بالحديث عند أهل السنة والجماعة يسفر في كل مرحلة عن مستويات أعمق وأوسع وأنضج في البحث والتنقيد، مع الالتزام التام بالموضوعية وقواعد المنهج.

فكان أن انتقل العلماء من التدوين الشمولي إلى التصنيف بحسب الموضوع، الذي كان الإمام مالك 6 أحد رواده الكبار بكتابه الموطأ، الجامعِ بين صرامة النقد الإسنادي ودقيق النظر الفقهي الاستنباطي، المؤسس على قواعد فقه أهل المدينة المنورة.

وهو الكتاب الذي يصفه الإمام الشافعي 6 بقوله: "ما كتابٌ أكثرُ صوابا بعد كتاب الله من كتاب مالك".

وتكاثرت المصنفات بعد ذلك في شتى الربوع آنذاك، على أساس ما وقع من تأصيل وبلورة للإسناد، ومزيد ترسيخ وتقعيد لقضاياه وفروعه، ليسفر الأمر في النهاية عن مؤلفات هي أشبه بالموسوعات الضخمة، الموضوعة بأبعاد استراتيجية، تروم كفاية الأمة في قضايا السنة لآماد طويلة، وذلك بناء على وعي واضح ورؤية لاحبة لدى مؤلفيها. والدليل على ذلك ما صرح به الإمام مسلم رحمه الله في حق كتابه الصحيح حيث قال: "لو أن أهل الإسلام يكتبون الحديث مائتي عام لكان مدارهم على هذا المسند".

ولكن الأمر لم يبق محصورا في صحيحه فقط، ولا في المدة التي ذكرها وهي مائتا عام، وإنما شمل عموم المصادر والأمهات التي استمرت لها نفس المكانة والقيمة إلى يوم الناس هذا، فكتاب الموطأ والصحيحان للبخاري ومسلم والسنن الأربعة المكملة للكتب الستة كلها كتب كانت وستبقى عمدة الإسلام، ومحور المعرفة عند المسلمين، وعليها المدار في كل شأن من شؤونهم.

أجل، إن هذه الكتب الثلاثة الموطأَ وصحيحي البخاري ومسلم تمثل قمة الإبداع الذي تفتقت عنه عبقرية المحدثين، وهي تصنف في المراتب الأولى من مجموع كتب الحديث، اعتبارا لرسوخ أصحابها وعلو كعبهم في هذا الميدان، ثم بسبب اتفاق كلمة النقاد على تصحيح ما تضمنته من الحديث.

وهي تحظى من وقتها وإلى الآن بالقبول والإجلال والتعظيم.  

إن تاريخ السنة المشرفة -يا مولاي- ليدل على مدى اليقظة التي تحلى بها العلماء في دفاعهم عن هذا المصدر العظيم بالشكل المناسب والصارم، حيث كانوا يقفون بالمرصاد أمام أي تحد يقف في وجهها وأي شكل من أشكال العبث بها، أو المس بقدسيتها.

ويمكن حصر هذه التحديات من ذلك الوقت وإلى الآن في ثلاث ظواهر رئيسة، هي:

الأولى: ظاهرة الكذب والوضع والتزوير.

وهي ظاهرة كانت تقف وراءها تيارات مختلفة، منها: الزنادقة وأعداء الدين، ومنها أهل الأهواء والنحل الخارجون عن مذهب أهل السنة والجماعة، ومنها تيار المذاهب العقدية، وتيار المذاهب الفقهية، وتيار التعصب للجنس أو القبيلة أو اللون، ثم سائر أصحاب الأغراض والمصالح الدنيوية والوعاظُ والقصاص.

ويعد الروافض وهم فرقة كانت ترفض خلافة أبي بكر وعمر أكثر هذه التيارات كذبا في الحديث كما قال الشافعي: "لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة"، ولعل أهم الأسباب لذلك انخراطُ كثير من أعداء الدين في صفوفهم.

وقد كان لكل تيار من هذه التيارات دوافع يتراوح مجملها بين الديني والمذهبي والسياسي والاجتماعي والتجاري.

لكن الآثار والنتائج كانت خطيرة جدا، حيث وجدت أحاديث موضوعة في مختلف الموضوعات، احتاجت ولا تزال إلى نقد علمي صحيح وعميق.

الظاهرة الثانية: ظاهرة التشكيك في السنة والتشويش على مرتبتها في الدين، وذلك من خلال الهجومِ على رموز الحديث النبوي ورواته عند أهل السنة والجماعة من الصحابة خاصة كأبي هريرة وعائشة 5، والانتقاصِ من مصادر السنة الصحيحة المشهورة ولاسيما الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، والطعنِ في تاريخها ومناهج تدوينها، وادعاءِ وجود الخلل في طرائق توثيقها.

وهي ظاهرة لم تعرف التوقف على مر التاريخ وإلى يومنا هذا، تبنتها في القديم تيارات مختلفة أشهرها المعتزلة، وتبنتها في عصرنا الحالي تيارات أخرى بعضها ينحدر من الروافض، ثم بعض التيارات التي ترفع شعار القرآنيين.

ولهذه الظاهرة من الآثار السيئة على السنة ما لا يقل عن السابقة، فهي تزعزع ثقة المسلمين في الحديث الشريف، وتفتح الباب على مصراعيه للمتجرئين على حرمتها، والخروج عن الجماعة فيما تعتقده من قدسيتها.

الظاهرة الثالثة: ظاهرة التضخيم والتحنيط، واعتماد الإسناد وحده، وإهمال النقد المتعلق بالمضمون، بحيث إذا صح السند وجب العمل به مطلقا، من غير مقابلة بالقرآن الكريم ولا ببقية الأحاديث أو بالقواعد الشرعية المقررة، أو بالحس أو بالتاريخ أو بغير ذلك من الأمور التي نبه عليها العلماء.

وقد ظهر هذا على يد بعض التيارات التي حرَصت على أن يكون أمر التصحيح والتضعيف في يد شخص واحد، بحيث يكون ما حكَم به هو المعتمد، حتى ولو كان مخالفا لما قاله كبار الأئمة، مع أن الحكم على الأحاديث كان في جميع المراحل جماعيا، وكانت العادة أن يعرض المؤلف كتابه على عدد من شيوخ العلم وأئمته فلا يخرجه إلا بعد أن يجيزوه.

ولقد كان لهذه الظاهرة نتائج وخيمة على وضعية الدين، وأفكار المسلمين، نذكر منها:

  • أولا: التبخيس للقواعد والأصول التي سار عليها الأئمة في التعامل مع السنة، وتضييع إرث كبير ومجهود عظيم في هذا المجال، وإعطاء الشرعية لتيار اللامذهبية الذي يريد إقصاء المذاهب الفقهية.
  • ثانيا: الاحتجاج بأحاديث ليس عليها العمل، ومنع العمل بأحاديث سبق للأئمة العمل بها بدعوى أنها ضعيفة، وإلغاء أحكام شرعية كثيرة مما توارد عليه العلماء.
  • ثالثا: إيقاع الناس في اللبس والاضطراب جراء التعامل مع الحديث بغير فقه، وترك المجال واسعا للإشكالات المحيرة، والمعاني غير المفهومة.
  • رابعا: انتزاع المرجعية النقدية وما يتصل بها من المرجعية العقدية والفقهية من أصحابها الحقيقيين، واستباحة المجال ليقتحمه من ليس له بأهل.
  • خامسا: وجود نزوعات تحزبية تفرق الأمة وتزعزع الجماعة عن طريق الانتساب للحديث.

هذا، ومما زاد من استفحال السلبيات المتعلقة بهذه النتائج وجودها في زمن الإنترنيت، حيث وقع استغلال العديد من المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي لبث الأفكار المنحرفة وزعزعة ثوابت الأمة بخصوص السنة النبوية ومصادرها ورموزها وتاريخها، ونشر الأحاديث الموضوعة لأهداف غامضة غير مفهومة.

أمام هذا الوضع المختل المشين، ودرءا للفتنة والتشويش في الدين، وحماية وترسيخا للثوابت والوحدة الدينية للمسلمين، قمتم -يا مولاي- بما رأيتموه واجب الوقت في هذا الموضوع، فوضعتم هذا المشروع العلمي والعملي الرائد برنامج "الدروس الحديثية لإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم"، وأوكلتم تأطيره إلى ثلة من العلماء والمتخصصين، وأمرتم بأن يبث في قناة محمد السادس للقرآن الكريم (السادسة) وعلى أمواج إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وعلى شبكة الأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، وأبيتم إلا أن تعطوا انطلاقته بأيديكم يوم الجمعة 23 صفر 1440 الموافق 2 نوفمبر 2018.

وهو سبق في هذا المجال وفي هذا الزمن، يواجه التحديات الراهنة بالأساليب اللائقة والأدوات المطلوبة.

وجعلتموه محكم التصور والبناء، متكاملا من حيث الرؤية والإجراء، غايته رفع اللبس والإشكال، والوقوف بشكل عملي ضد محاولات التحريف لحديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته المطهرة، على أساس رد الأمر إلى نصابه، وإعمال النظر العلمي الهادئ في النصوص الحديثية بناء على ما قعده العلماء، وعلى ما يقتضيه الفقه الصحيح.

ولتحقيق هذه الغايات على أحسن وجه، جعلتموه على شكلين اثنين، الأول: شكل الدروس التوجيهية البيانية، وفيه يختار العالم نماذج من الحديث مختلفة الدرجة في الصحة والقبول، فيتناولها بالتوضيح والشرح.

والشكل الثاني هو الدروس التفاعلية وتكون من تقديم أحد العلماء بمعية منشط يتلقى من خلالها أسئلة المشاهدين والمستمعين ويجيب عنها.

وقد أمرتم بتوفير كل ما يتطلبه نجاح البرنامج من توظيف الوسائل الممَكِّنة من استقبال الأسئلة على مستوى البرامج التفاعلية.

وجعلتم بين يدي ذلك دروسا تمهيدية عامة تطرقت للمنهج الصحيح في أخذ الحديث النبوي، المأخوذ من الصحابة والأئمة من بعدهم، وخاصة الإمام مالك وطريقة تعامله مع الحديث الصحيح.

واهتمت كذلك ببيان منهج العلماء في جمع الحديث وتدوينه وتصنيفه، وبالأدوار السيئة لأهل الفرق والأهواء، وعبثهم بالحديث، وبعناية ملوك المغرب بالحديث الشريف، وكذا باهتمام علماء المغرب بالحديث الشريف، وبالحديث الشريف في وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن.

مولاي أمير المؤمنين

إن لهذا البرنامج آفاقا مهمة جدا على مختلف الأصعدة، ومنها:

  • أولا: أداء واجب الأمانة الملقاة على عاتقكم بوصفكم أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين.
  • ثانيا: وضع الإشكال على صعيد الإعلام وذلك للتمكن على أحسن الوجوه من تنبيه ذوي النيات الحسنة لما يحيط بالسنة من المخاطر، وإقامة الحجة على المغرضين والمتلاعبين.
  • ثالثا: العمل على جعل هذا الموضوع أمانة كبرى تقع على عاتق الأمة جمعاء، وتحفيز الجميع للانخراط في تحمل مسؤولياتها.

وهكذا تكونون يا مولاي قد أحللتم السنة محلها المعهود عندكم من الإجلال والاحترام والتعظيم، وبنيتم معالم صحوة جديدة في موضوع السنة، تجعل قضية الاهتمام بها دراسة ونقدا وتفقها تنبثق وتحيا من جديد، على أساسٍ مكين ومنهج متين.

ومن شأن ذلك أن يرسم للعلماء في مملكتكم الشريفة خارطة طريق للتعامل مع السنة النبوية، يتبيَّنون من خلالها طرائق الاشتغال، ومناهج الفهم، وأساليب النظر والاستدلال.

وأنتم مشمولون في ذات الوقت بفضل الله عز وجل بدعاء جدكم المصطفى صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجه والحال في الدارين، بهذا السعي المبارك منكم، لتحقيق مقصود الحديث بهذه الكيفية الرفيعة.

وليس هذا يا مولاي إلا جزءا من نسق فكري متكامل يطبع مساركم الشريف في حماية الدين وصون ثوابته ومرتكزاته، على نحو أصبح به تدبيركم للشأن الديني يحظى بالاهتمام والإعجاب على المستويين القاري والدولي، تعكسه عنايتكم المولوية السامية بكل شأن من شؤونه التي من بعض معالمها عنايتكم بالمجالس العلمية التي تشرُف برئاستكم الفعلية، واهتمامكم الكبير بالكراسي العلمية وأساسها الحديث وعلومه، وإنشاؤكم لمعهد محمد السادس للأئمة والمرشدين والمرشدات، وتشريفكم للمشتغلين بالحديث بالجوائز القيمة والمشجعة للنهج الذي يخدم هذا المصدر العظيم من مصادر الدين.

ولا تزال مآثركم وأفضالكم في هذا الشأن تتلألأ، ولا يزال إبداعكم في ازدياد وتألق.

على أن هذا النهج هو النهج الذي كان عليه أسلافكم الأماجد من ملوك الدولة العلوية الشريفة الذين اشتهروا بالعناية بالحديث النبوي، وتعظيم مصنفاته ومصادره، ولاسيما صحيح الإمام البخاري رحمه الله، الذي رسَّموا قراءته وسرده في المحافل العلمية ليختم في ليلة السابع والعشرين من رمضان كل سنة على النحو الذي تقومون به في مجلسكم الموقر.

وهذا النهج أيضا هو نهج والدكم المنعم جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه الذي أنشأ هذه الدروس الحسنية الرمضانية المنيفة وسنها لمدارسة الأحاديث الشريفة من لدن علماء من شتى الأقطار والبلدان وترسيخ ثقافة الارتباط بالسنة النبوية الغراء المطهرة.

ثم قام بتأسيس معهد خاص لخدمة السنة النبوية هو دار الحديث الحسنية التي هي بركة من بركات الدروس الحسنية، أشرفت منذ تأسيسها إلى الآن على تخريج علماء متخصصين ينفون عن الحديث كما قال جدكم المصطفى صلى الله عليه وسلم تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

هو امتداد شريف إذن يا مولاي عملتم على ترسيخه وتطويره وجعله مواكبا للعصر، متفاعلا مع هموم الأمة وقضاياها.

حفظكم الله يا مولاي أمير المؤمنين بما حفظ به الذكر الحكيم، وأدام عزكم ونصركم، وجعلكم حماة لهذا الدين، ولسنة جدكم المصطفى الأمين، وسدد خطاكم على هذا الدرب بمزيد من التوفيق والعزم واليقين.

وأقر عينكم بولي عهدكم الأمير مولاي الحسن، وبصنوكم الأمير مولاي رشيد، وبسائر أفراد الأسرة العلوية المجيدة.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله إلى يوم الدين.

والختم من مولاي أمير المؤمنين.  

التسجيل المرئي للدرس الحسني الثالث الذي ألقاه بحضرة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله الأستاذ محمد بنكيران متناولا بالدرس والتحليل موضوع صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube