الجمعة 18 رمضان 1440هـ الموافق لـ 24 مايو 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

عبد القادر الكتاني: اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم وطرق الاستفادة منه

darss hassani 4 300518 

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، يومه الأربعاء 14 رمضان 1439(30 ماي 2018) بالقصر الملكي بالدار البيضاء، الدرس الرابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وقد ألقى الدرس بين يدي صاحب الجلالة الأستاذ عبد القادر المكي الكتاني، مهندس، ومتخصص في الحديث الشريف، متناولا بالدرس والتحليل موضوع : "اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم وطرق الاستفادة منه"، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تخريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".

نص الدرس الحسني حول اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم وطرق الاستفادة منه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين، وأَفْضَلُ الصَلاةِ وأَتَمُّ التَسليمِ على الرسول المصطفى الأمين؛ المبعوث رحمة للعالمين سيّدِنا محمّد بن عبد الله وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

مولاي أمير المومنين

أتشرف بإلقاء هذا الدرس المبارك في مجلسكم المنيف، وعنوانه

اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم وطرق الاستفادة منه

 والكل يعلم حرص جلالتكم على إظهار الوجه الحضاري الحقيقي لهذا الدين القويم، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، كما يعرف الجميع اهتمامكم بضرورة توجيه العلماء ليعملوا على بيان ما ينفع الناس من روائع الشريعة الإسلامية الخالدة ومن آراء علمية سديدة تحقق مصالح الفرد والمجتمع، ليبقى الإسلام دين يسر وتقدم ورخاء وتكون أحكامه مطابقة لمقاصد الشريعة الغراء بعيدة عن القوقعة والتزمت، وليكون سبباً من أسباب تطور الأمة، وحِصنا حَصينا يحمي من الجهل والتشدد والتطرف، وذلك تأكيدا لكون الإسلام قد جاء ليحقق سعادة المجتمعات البشرية كافة، ولأن اختلاف العلماء في آرائهم وفتاويهم في بعض المسائل الفرعية عبر العصور يأتي من باب الرحمة بالعباد ومراعاة ظروفهم وأزمنتهم وأمكنتهم، بخلاف ما يعتقده بعض الجهلة من المنتحلين والمتزمتين والمتطرفين، إذ إن الاختلاف بين العلماء العاملين يعد تنوعا وتعددا وثراءً للشريعة الإسلامية بأدلتها القطعية الثبوت والتي أقرها كبار أئمة الفقه، وحري بعلماء اليوم أن يباهوا غيرهم من مفكري الأمم الأخرى بهذا التراث المتنوع الرائع في هذا الزمن الذي تعددت فيه المناهج والتوجهات والآراء.

ومما لا شك فيه أن الباحث المنصف في أمور دِينِنَا الحَنِيفِ يجِدُ فيهِ مرونة وسَعَةً قد لا يجدها فِي غَيْرِهِ من التشريعات، والسَبَبَ فِي ذلكَ هُوَ حِكْمَةُ اللهِ البالغة ومُراده في أنْ يبقَى هذا الدينُ قابلاً للتطبيق إلى أبد الآبدين، لذلكَ أبقى البارئ عزَّ وجَلَّ بَعْضَ الأُمُورِ التشريعية لاجتِـهَادِ المُجْتَهِدِينِ ولقولِ العُلَماءِ العَامِلين في قادم الأيام لِتَكُونَ أَقْوَالُهُم مُتَوَافِقَةً معَ تَطَوُّرِ الأزَمَنِة وتنوع الأمكنة، وقَد أكَّدَ ذلِكَ الرسولُ الكَريمُ صلى الله عليه وسلم بقولِهِ: (إنَّ اللهَ قَد فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وحرَّمَ أشياءَ فَلا تَنْتـَهِكُوهَا، وسَكَتَ عَنْ أشياءَ رَحْمَةً بِكُم فَلا تَسْأَلُوا عنـهَا)، أي أنَّهُ تَرَكَهَا لاجتِـهَادَاتِكُم ومراعاةً لأحْوَالِكُم فِي كُلِّ زَمَانٍ ومَكَان، وعهد ببيان ذلك للعلماء المخلصين القادرين، كما يفهم من قولِهِ صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: (يَحمل هذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ وانْتِحَالَ المُبْطِـلِينَ وتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ) الذي أخرجه عدد من أئمة الحديث وهذا سِرٌّ عَظِيمٌ مِن أَسْرَارِ بَقَاءِ الإسلامِ غَضَّاً طَرِيَّاً، صالحاً لكلِّ العصور والأقطار، إذ أنَّ الثَّوابِتَ الإسلامِيَّةَ مَحْصُورَةٌ فِي أُمُورٍ قَلِيلَةٍ مُرْتَبِطَةٍ في العَقَائِدِ والعِبَادَاتِ والأَخْلاقِ، أمَّا مَعظم ما جاء في الشريعة الإسلامية من شؤون المُعَامَلاتٍ والعلاقات الاجتِمَاعِيَّةٍ والاقتصادية والمالية والسياسة المحلية والدولية، وعدد من تَفَاصِيلِ أُمُورِ الحياةِ البَشَرِيَّةِ وتَنْظِيمِهَا؛ فَهِيَ مِنَ الأَشْيَاءِ التي سَكَتَ البَارِي عَزَّ وجَلَّ عَنْهَا رَحْمَةً بنَا، لنتمكن من تَطْويرِهَا وتَحْدِيثـِهَا بما يتلاءم وظروفنا، ولَكِنَّ البَعْضَ صَارَ يَتَّخِذُ مِن هذا التَنَوُّعِ الفِكْرِيِّ والخِلافِ الفقهيِّ ذريعةً للطَعْنِ في الإسلامِ، خاصة وَقَد وجد المنتقدون من بعض الباحثين من يعينهم في الداخل من أدعياء الإسلام الجريئين على الفتوى ممن لا تتوفر فيهم أبسط شروطها من المُتَشَدِّدينَ والمُتَزَمِّتينَ الذين يسيؤون لصُورَةِ الإسلامِ... ومن صور تزمتهم وانغلاقهم ادعاؤهم أنهم هم الفِرْقَةَ النَاجِيَةَ، بَل صَارُوا يُنَصِّبُونَ أَنْفُسَهُم حماةً للإسلام ويكفرون كل من خالفهم، هُم بذلِكَ يَحْجُرُونَ على هذهِ الأُمَّةِ وعلى هذا الدِينِ، وكأنهم قَد نَسُوا أو تَنَاسَوْا أَنَّ الخِلافَ كانَ مَوْجُوداً في عَصْرِ الأَئِمَّةِ الأعلامِ مَالِكٍ وأبِي حَنيفةَ والشَافِعِيِّ وأحمد والثَوْرِي والأَوزَاعِي وغيرِهِم، ولَم يُحَاوِلْ أَحَدٌ مِنْهُم أَنْ يَحْمِلَ الآخِرِينَ على رَأْيِهِ أو يَتَّهِمَهُم فِي عِلْمِهِم أو دِينِـهِم لِمُخالَفَتِـهِم له، بَل لقد كانَ الخِلافُ مَوْجُوداً في عَصْرِ شُيوخِ الأَئِمَّةِ مِنَ التَابِعِينَ الكِبَارِ وحتى في عَصْرِ الصَحَابَةِ نَظَرًا لاختلافاتهم البشرية ولاختِلافِ إمكانياتهم الفكرية وتَفْسيرِهِم للنُصُوصِ.

لا بل إنَّ الخِلافَ نشأ أصلاً في عَهْدِ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فَأَقَرَّهُ ولَم يُنْكِرْهُ كَمَا فِي قَضِيَّةِ صَلاةِ العَصْرِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وقضيةِ الأسرى وفِي غَيْرِهَا مِنَ القَضَايَا الكثيرة.

ولذا فَان اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ والفتاوى رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، وَالْمُوَفَّقُ مِنهُمْ له أجران، وَالْمُجْتَـهِدُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ إِنْ أَخْطَأَهُ وَهُوَ يُحْسِنُ النِيَّةَ، له أجر واحد، عملاً بما جاء في الحديث المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَـهَدَ فأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ واحِدٌ) ، وما ينطبق على الحكم ينطبق قياسا على الفتوى والاجتهاد،

فإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَذْهَبًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الأحْكَامِ خَالَفَ فِيهَا رأي غيره كَانَ مُنْتَهَى الْقَوْلِ بِالْعَتْبِ عَلَيْهِ: أَخْطَأْتَ، أو جانبت الصواب، ولا يُقَالُ لَهُ: كَفَرْتَ، وَلا أَلْحَدْت؛ فقد روي عَن طَلْحَةَ أنه كان إِذَا ذُكِرَ عِنْدَه الاخْتِلافُ قَالَ: " لا تَقُولُوا الاخْتِلاف، وَلَكِنْ قُولُوا: السَّعَةُ ".

و سنتطرق الآن إلى أهم أنواع الاختِلافُ الحَقِيقِيُّ: (وهو مَا يَتَرَتَّبُ عليهِ آثَارٌ شَرْعِيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وأَحْكَامٌ مُتَبَايِنَةٌ،

وهو نوعان الأول ما كان نَاشِئًا عَن هَوىً شخصي، والثاني عَنِ اجْتِهَادٍ شرعي مقبول.

فَأَمَّا مَا كَانَ نَاشِئًا عَن هَوًى ورغبة فَهُوَ مَوْضِعُ الذَّمِّ،عملا بقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ إِذْ أَنَّ الْفَقِيهَ الصالح يتبعُ ما تَدُل عَلَيْهِ الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بعيداً عن ميوله الشخصية وآرائه الفردية.

أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الأهم فهو الاِخْتِلاَفُ النَّاشِئُ عَن الاِجْتِهَادِ الفقهي المشروع ولَهُ أَسْبَابٌ عدة منـها:

أولاً - ما يتعلق بالقرآن الكريم وطرق تفسيره والاستنباط والاستدلال به

فالقرآن الكريم كلام الله الموحى به للرسول صلى الله عليه وسلم وقد اتفقت الأمة على صحته وتواتره، ولذا لا يوجد في الأمة أي خلاف على تواتره وعلى ضرورة العمل به والوقوف عند أحكامه، وإنما وجد الخلاف في بعض ما استنبط من أحكام منه، نتيجة للخلاف في فهمه أو عدم وضوح دلالته أو لعدم اتفاقهم على شرح بعض كلماته،

وكذلك عدم اتفاقهم في تحديد الناسخ والمنسوخ من الآيات القرآنية، وهَل دِلالَةُ الآيَةِ عَامَّةٌ بَاقِيَةٌ أم هِيَ مَخْصُوصَةٌ...؟ وهَل هِيَ مُطْلَقَةٌ أم مُقَيَّدَةٌ...؟ وهَلِ المُرَادُ بِهَا الحَقيقَةُ أو المَجَازُ...؟

ثانياً- ما يتعلق بالسنة النبوية الشريفة وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • أ -اختلاف الأئمة في التثبت من صحتها وقبولها أو ردها
  • ب –اختلافهم في فهمها وشرحها وما يستنبط منها من أحكام
  • ج –اختلافهم بسبب تفاوت إمكاناتهم العلمية والفكرية والبيئية.

والآن نأتي إلى ما يتعلق بالقسم الأول وهو:

أ - اختلاف الأئمة في التثبت من صحة السنة وقبولها، وهو أنواع عديدة أهمها:

  • 1- عَدَمُ بُلوغِ الحَديثِ إلى بَعْضِ الأئمة وبُلوغُهُ للآخَرينَ، فإنَّ مَجْمُوعَ سُنَّةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم مِن أقوالٍ وأفْعَالٍ وإقْرَاراتٍ لم تجتمع عِنْدَ رَجُلٍ واحِدٍ، وعلى الرغم من أن السُنَّةَ قَد دُوِّنَتْ وجُمِعَتْ وضُبِطَتْ وصَارَ مَا تَفَرَّقَ مِنْهَا مَجْمُوعَاً، إلا أن هذهِ الدَواوينَ المَشْهُورةَ فِي السُنَنِ والصحاح إنَّمَا جُمِعَتْ ودُقِّقَت بعد مدة غير قصيرة من عَصْرِ أئمة المذاهب الكبرى؛
  • 2- اخْتَلِافهمَ فِي صِحَّة الحديث لأُمُورٍ أهمهَا: الاختِلافُ فِي تقييم بَعْضِ الرُوَاةِ، أو الاختِلافُ في شُرُوطِ الصِحَّةِ، وهَل يُعْتَبَرُ الحديث المُرْسَلُ حُجَّةً أم لا،
  • 3_اختلافهم فِي قبول خَبَرِ الراوي الواحد واشتراطُ بعضِهِم شُرُوطاً لا يَشْتَرِطُهَا غَيْرُهُ، كاشتِرَاطِ الإمام مالك ألا يخالف حديث الآحادُ عَمَلَ أهل المدينة، وهو شرطٌ علمي يقترب مِن الحديث المتواتر إذ إن عمل غالبية المجتمع أقوى من خبر الواحد، واشترطِ بَعْضِهِم أَنْ يكونَ الراوي فَقِيهاً إذا خَالَفَ الخبرُ القِياسَ، واشترَطَ آخرون اشتهار الحَديثِ وظُهُورَهُ.
  • 4 معارضة خبر الواحد للأصول العامة ولمقاصد الشريعة

والآن ننتقل للنوع الثاني من إشكالات فهم القرآن والسنة، ونعني به:

اختلاف الأئمة في فهم النصوص وشرحها وما تدل عليه من أحكام وهو على أصناف كثيرة نذكر الأهم منها:

  • 1-الاختِلافُ فِي القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ وبعضِ مَصَادِرِ الاستِنْبَاطِ،كَقَاعِدَةِ دَوَرَانِ الدِلَيلِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، نَحْوُ قولِهِ تَعَالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ..﴾، وهَل المقصود به أهل الكتاب أم عموم البشر؟.
  • 2- ثمَّ إنْ بَلَغَ الحديثُ الجميعَ واتَّفَقُوا على صِحَّتِهِ، فَقَد يَخْتَلِفُونَ فِي فَهْمِهِ أو ضَبْطِهِ مِن حَيثُ اللغَةِ. فَكَمْ مِنَ الأحْكَامِ يَخْتَلِفُ بِنَاءً على رَفْعِ كَلِمَةٍ أو خَفْضِهَا، وهَل ذلِكَ الحَديثُ أو تِلْكَ الآيَةُ ناسخة أم مَنْسُوخَةٌ...؟ مثل كلمة العَيْن، فهل يُرَادُ بِهَا: عَيْنُ الماءِ، أو عَيْنُ الإنسانِ، أو الجَاسُوسُ.

والآن نأتي للسبب الثالث من أسباب الاختلاف الحقيقي ونعني به:

ج ــ اختلاف الأئمة بسبب تفاوت إمكاناتهم العلمية والفكرية والبيئية وهو قسمان:

  • 1- الاختلافُ فِي الإمكانات الفِطْرِيَّةِ والفكرية عند النَاسِ جَمِيعاً، فالنَاسُ ومنهم العلماء مختلفون في قُدُرَاتُهُم الفكرية متباينون في طَبَائِعُهُم وعَادَاتِهم وآرائهم وأَعْرَافهم وأَعْمَالهم وأَنْظَارهم، فمن الطبيعي أن يختلفوا فِي فَهْمِهِم واجتِهَادَاتِهِم؛ لاختِلافِ المَدَارِكِ والعُقُولِ.
  • 2-اختِلافُ البِيئَاتِ والعُصُورِ مِمَّا دَفَعَ بعض الأئِمَّةَ إلى التحول فِي استخراج بَعْضِ الأَحْكَامِ الفَرْعِيَّةِ، فَكَانَ أَحدُهُم يُغَيِّرُ اجتِهَادَهُ فِي المَسألَةِ الوَاحِدَةِ إذا تَغَيَّرَت بيئته كالإمامِ الشَافِعِيِّ الذي غَيَّرَ كَثيراً مِن اجتِهَادَاتِهِ لَمَّا غَادَرَ بغدادَ إلى مِصْرَ؛ وكَمَا حَصَلَ معَ صَاحِبَي الإمامِ أبِي حنيفَةَ بعدَ وَفَاته، ولذلِكَ اتفق أغلب الفقهاء على القَاعِدَةَ الفِقْهِيَّةَ الشهيرة (تتغير الأحكام الشرعية بتغير الأزمنة والأمكنة) وذلك لِتَأْكِيدِ صَلاحِيَّةِ الشَريعَةِ الإسلامِيَّةِ لِكِلِّ عصر ومصر.

وهنالك الكثرة الكاثرة من أسباب الخلاف والاختلاف التفصيلية في كل بند من البنود المذكورة لا مجال للتوسع فيـها هنا.

وهنا نأتي إلى السؤال الأهم وهو :

هل كان اِخْتِلاَفُ الْفُقَهاء رَحْمَةً بالأمة أم نقمةً عليها...؟

إذ مما لا شك به أَنَّ اخْتِلاَفَ مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ الثقات فِي الْفُرُوعِ والجزئيات كان رَحْمَةً وَاسِعَةً بهَا، وَالَّذِينَ صَرَّحُوا بِذَلِكَ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ غير ما واحد من الصحابة عن روايات وظروف اختلافهم وحتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده كقصة فداء الأسرى وصلاة العصر ببني قريظة والكثير من الروايات والاجتهادات المختلفة، وكذلك في عصر الصحابة والتابعين واسْتَشهدوا لِذَلِكَ بما جرى بين الصحابة أنفسهم من خلافات شديدة، وكذلك بِمَا رُوِيَ عَن بَعْضِ التَّابِعِينَ مِن مِثْل قَوْل الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لاَ يَعْمَل الْعَامِل بِعَمَلِ واحد مِنهُمْ إِلاَّ رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ،

وَعَن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضيَ اللهُ عَنْهُ قال: مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلاً وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ وحرج،

وَعَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَال: اخْتِلاَفُ أَهْل الْعِلْمِ تَوْسِعَةٌ، وَمَا بَرِحَ الْمُفْتُونَ يَخْتَلِفُونَ فَيُحَلِّل هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا فَلاَ يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا، وَلاَ ذَا عَلَى ذَا.

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ الفقيه الحنفي: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ مِن آثَارِ الرَّحْمَةِ.

وخلاصَةُ القَوْلِ

إنْ وَظَّفَ عُلماءُ الأُمَّةِ ومُجتهدوهَا الاختِلافَ للاستِفَادَةِ مِن كُنُوزِ الآراءِ الفِقْهِيَّةِ وتَنَوُّعِهَا بِما يُحَقِّقُ مَقَاصِدَ الشَريعَةِ الغراء ومصالح العباد والبلاد، ولِمَا فيهِ وَحْدَة الأمة وتَضَامُنُهَا؛ كانَ ذلكَ نِعْمَةً ورَحْمَةً للأمَّةِ، أمَّا إِنْ وُظِّفَ هذا الاخِتلافُ للتقوقع والتَشَدُّدِ والتَنَاحُرِ والتَضْلِيلِ والتَكْفِيرِ فَهُوَ نِقْمَةٌ ورِدَّةٌ عَنِ التوجيه الإلِهِيِّ والهَدْيِ النَبَوِيِّ.

على ضوء ما تقدم نجد أنَّ الاختِلافَ فِي الأُمُورِ الفَرْعِيَّةِ والتَفْصِيليَّةِ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، لا بل هو ميزة من ميزات الإسلام، ولا يُوجَدُ تَشْريعٌ سَمَاوِيٌّ ولا أرضي يَخْلُو مِنهُ، بَل لا يُوجَدُ عِلْمٌ مِنَ العُلُومِ يَخْلُو مِنْ ذلك، فَعُلَمَاءُ القَانُونِ يخْتَلِفُونَ فِي شَرْحِهِ وتَفْسِيرهِ، والمَحَاكِمُ مُخْتَلِفَةٌ فِي تَطْبِيقِهِ، وعُلَمَاءُ التَاريخِ مُخْتَلِفُونَ فِي رِوَايَاتِهِ وأَحْدَاثِهِ، والمُهَنْدِسُون والأَطِبَّاءُ والخُبَراءُ والفَنِّيونَ يَخْتَلِفُونَ فِي المَوْضُوعِ الوَاحِدِ والنَظَرِ إليهِ وتَحْلِيلِه.

كَمَا أنَّ الاختلافَ بينَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ كانَ السببَ فِي تَزْوِيدِ المَكْتَبَةِ الإسلامِيَّةِ بالمَوْسُوعَاتِ الفِقْهِيَّةِ الضَخْمَةِ، فَفِي كُلِّ تَشْرِيعٍ مِنْهَا أَثَرٌ، وفِي كُلِّ مَكْتَبَةٍ مِن مَكْتَبَاتِ العَالَمِ مِنْهَا خَبَرٌ، مما جَعَلَ المُسْلِمِينَ يَمْلِكُونَ ثَرْوَةً تَشْرِيعِيَّةً هائلة ومتنوعة لا تَمْلِكُهَا أُمَّةٌ مِن الأُمَمِ، ممَا مَكَّن الإسلام لأن يصبح تَشْرِيعاً عالمياً مَرِناً مُتَجَدِّداً ومُسْتَمِرّاً وَمقبولاً في كُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ، صَالِحاً لأَرْقَى الحَضَارَات، مُلَبِّياً لجَمِيعِ حَاجَاتِ البشر المنطقية والتَقَدُّمِ والتَطَوُّرِ والعُمْرَانِ، موفقاً بينَ مُتَطَلَّبَاتِ الفَرْدِ والجَمَاعَةِ، نَاظِماً لأُمُورِ الدُنْيَا والدِينِ، ذلِكَ لأنَّ الخِلافَ فِي الفُرُوعِ سَعَةٌ وغِنىً فِي التَشْرِيعِ،

أمَّا إذا تقوقعنا وتَشدَّدنَا بآرائِنَا الفقهية وتَحَزَّبْنَا لَهَا فإنَّ مِنَ الأُمُورِ البَدَهِيَّةِ أَنْ نَجِدَ أنفُسَنَا عَاجِزِينَ عَنِ التَعَامُلِ معَ مَا حَوْلَنَا مِن حَضَارَاتٍ وِفْقَ مَا تَوارَثْنَاهُ مِن آراءِ الفُقَهَاءِ التي مَضَى عليهَا قُروناً عَديدَةً، وتَشدَّدَ بِهَا بعضُ تَلامِيذِهِم وأَتْبَاعِهِم، وكأنَّهَا نُصُوصٌ مُقَدَّسَةٌ، حتى تَوَهَّمَ البَعْضُ وللأسَفِ الشَديدِ أَنَّ الإسلامَ دِينُ التَزَمُّتِ والتَشَدُّدِ، ولا يُمْكِنُ أَنْ تُقَامَ عليهِ حَضَارَةٌ مُعَاصِرَةٌ.

وهذا الأمر هو الذي دَفَعَ الكثيرَ مِن مُثَقفِي المسلمينَ ومُفَكِّرِيهم إلى الابتعادِ عَنِ الفِكْرِ الدِينيِّ والاتِجَاهِ لِتَيَّاراتٍ مُخالفةٍ للدين تُلائِمُ تَطلُّعَاتِ الشباب وتَوجُّهَاتِهمُ الفكرية والسياسيَّةِ ورَغَبْتَهُم فِي التَقدمِ والرُقِيِّ، أو الالتجاءِ إلى بعضِ الفِرَقِ والمَذَاهِبِ المُتَشدِّدَةِ والمُتَطرِّفَةِ،

ولا يَظُنُّ أحدُنَا بأنَّ هذهِ المشكِلَةَ يَسيرَةٌ وبالإمكانِ تَجاوُزُهَا بسهولَةٍ وسُرْعَةٍ بِمجموعَةٍ مِنَ القَرارَاتِ، لا فَالموضوعُ أَعْقَدُ مِن ذلِكَ بكثيرٍ... ومُرتَبِطٌ بأمْرَيْنِ اثنَينِ:

  • أوَّلُهما: العملُ على تَجديدِ الفِكْرِ وتطوير الخِطابِ الإسلامِيِّ بالاجتهادات المختلفة وتَنْميةِ ودَعْمِ التيَّار الإسلاميّ الوَسطيّ المعتَدل.
  • وثانيهما: تشجيعُ الفِكْرِ الحِوَاريِّ وقَبولُ الآراءِ الفقهيةِ الأُخرى بِما يُحَقِّقُ الاستفادَةَ مِنَ الكنوز الفقهيةِ كُلِّهَا.

وما لم نساهم في تطوير وتنمية هذين الأمرين وغرسهما في عقول وقلوب الناشئة وطلبة العلوم الشرعية والعلماء؛ فسنبقى على هامش التاريخ والحضارة الإنسانية.

وسنبدأ بالأول منهما وهو:

تجديدُ الفِكْرِ الإسلامِيِّ وتَشجيعُ التوجه العلمي الوَسطيّ المعتَدِل والمُتَنَوِّر؛ 

إذْ لابُدَّ مِن تَشجيعِ التوجه الإسلامِيِّ التَنويريِّ الوَسَطِيِّ الذي أرَسَى دَعائِمَهُ الرسولُ الكريمُ صلواتُ اللهِ عليهِ؛ تيَّارِ إعْمَالِ العَقْلِ و الفِكْرِ في كُلِّ أُمُورِ الدنيا عَمَلاً بقولِهِ تَعالى: ﴿كذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لعلَّكُم تَتَفَكَّرُون﴾،إذ أنَّ التفكر بآيات الله والاستنباط العلمي لمسائل الدنيا عمل جليل وعبادة كبرى، والتَجديد أَمْرٌ مُهِمٌّ جِدَّاً لاستِمْرَارِ حياةِ أيِّ كائِنٍ حَيٍّ ولِتجديدِ خَلاياهُ وإلاَّ لتَوَقَّفَ عَنِ الحياةِ وانتَهَى، وذلِكَ هُو حالُ الأفكارِ والمبادئِ والأديانِ فبالإمْكَانِ بَقَاؤُهَا حيَّةً طالمَا بَقِيَ التَجديدُ والتَنويرُ في فِكْرِ مُفَكِّرِيهَا وأئمَّتِهَا وعُلَمائِهَا ممكناً، وذلِكَ مَا بَشَّرَ بهِ النبيُّ الكريم صَلواتُ ربي وسلاماته عليه حينَمَا قالَ في الحديث الصحيح: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا(.

علماً بأن التجديدَ أَمْرٌ جَلَلٌ لا يَنبغَي أَنْ يَنْبَرِي لَهُ إلاَّ المُجْتَهِدُ الملتَزِمُ بِثَوابِتِ الإسلامِ وأساسياته، البَصيرُ بأُصُولِ الشَريعَةِ واللغَةِ العربية، المتَمَكِّنُ مِن كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ الصحيحة، والمُدْرِكُ لِروح ومَقاصِدِ الشَريعَةِ الغَرَّاءِ وهي حفْظِ الدِينِ والنَفْسِ والعَقْلِ والمالِ والعِرْضِ والنَسْلِ والعَدْلِ، واسمحوا لي يا مولاي أن أضيف إليها حفظ الأمن لأنه بدون حفظ الأمن لا يمكننا أن نحفظ أيا من المقاصد الأخرى، ولذلِكَ فإنَّ أيَّ أَمْرٍ تَجديديٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَلتَزِمَ بِثَوابِت الإسلام، وعلى آراءِ الأئمةِ الأَعْلامِ المَبْنِيَّةِ عليهما حُكْماً،

والآن نأتي للبند الثاني وهو:

تشجيع الفكر الحواري وقبول الآراء الفقهية الأخرى بما يحقق التقارب وقبول الآخر،ويتأتى ذلك إذا التزمنا البنود التالية: 

  • 1ـ التأدب بأخلاق الإسلام وسيرة النبي المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم وتواضعه للفقراء والمساكين وقصة استقباله لوفد نصارى نجران وحواره الراقي معهم والحكمة في طرح المشكلات والأمور الخلافية؛
  • 2ـ الاحترام المتبادل عملا بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛
  • 3ـ الإنصاف ونبذ التعصب والكراهية عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

لذلك فإننا أرى أن إمكانية الاستفادة من الاختلافات الفقهية وتجديد الفكر والخطاب الإسلامي جيدة ومقبولة إذا التزمنا المنهج السابق اعتمادا على مصادر التشريع الأساسية وهي:

  • 1- القرآن الكريم نصاً مع مراعاة إعادة دراسة تفاسيره واختيار التفسير الإسلامي العلمي الذي يتناسب مع المسلمات الإسلامية ومقاصد الشريعة، ويبتعد عن الإسرائيليات والتفاسير غير العلمية أو المبنية على آراء المفسرين الشخصية؛
  • 2- الأحاديث النبوية التي اتفق على صحتها عدد من كبار أئمة الحديث الصحيح، وهي الأحاديث الواردة بكتاب صفوة الأحاديث النبوية الشريفة وهو الكتاب الذي وفقني الله لإعداده وإنجازه (وهي الأحاديث التي اتفق على صحتها عدد من أئمة الصحيح)، وإعادة دراستها واستنباط الأحكام الفقهية منها...

ولأجل ذلك لا بد من:

  • 1- إعادة دراسة المذاهب الفقهية والاستفادة من اختلافاتها وكنوزها، وبما يتناسب وحل المشكلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفكرية والإعلامية المعاصرة اعْتِمادا على القرآن الكريم والأحاديث المتفق على صحتها وعلى آراء الأئمة المعتمدة عليهما فقط؛
  • 2- وما لم نجده في هذه البنود السابقة يعود أمره للآية القرآنية ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ من منظور المصلحة العامة وروح ومقاصد الشريعة وثوابتها ومراعاة مستجدات العصر وأحداثه.

إننا وعلى ضوء هذه الأبحاث والدراسات سنجد أنفسنا أمام عدد من الحقائق المهمة التالية:

  • أ-أن الدعوة للإسلام هي دعوة فكرية حضارية حوارية مبنية على الإقناع والحوار دون إلزام أو إكراه، وعلى المجادلة والنقاش بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
  • ب- أن الإسلام من أوائل التشريعات التي دعت لاحترام حقوق الإنسان كافة، والأدلة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، وقوله: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم... وإن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حقا... استوصوا بالنساء خيرا واتقوا الله في النساء... إن أكرمكم عند الله أتقاكم... لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)...وقول عمر بن الخطاب: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)؛
  • ج- وأن الجهاد في الإسلام هو لرد الظلم ومحاربة المستعمرين المعتدين والغاصبين لأرضنا وحقوقنا عملاً بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.. ﴾، لا لتصدير الدين أو فرضه على الآخرين امتثالاً لقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾.

لا شكَّ أنَّ المهمَّةَ ليست سهلة ولكنَّنا لا نَرَاهَا مُستحيلةً فَرِحْلَةُ الألفِ ميلٍ تبدأُ بِخُطوَةٍ واحدَةٍ، وشعارُنَا (نَتَعاوَنُ فيمَا اتَّفَقْنَا عليه، ويَعْذُرُ بَعضُنَا بَعضاً فيما اختَلَفْنَا فيه) عِلْماً بأنَّ ذلِكَ لا يَعْنِي إطلاقَاً تَوحِيدَ المذاهِبِ الفقهية بَمَذْهَبٍ واحِدٍ، وحتى لو تَبَنَّى بعضنا مذهباً محدداً دون تشدد أو قوقعة مع الاستِفَادَةِ مِن كنوز التَنَوُّعِ الفقهي في المذاهب الأخرى لما فيهِ خَيْرُ البلادِ والعِبادِ.

واسمحوا لي يا مولاي أن أقول في ختام حديثي هذا، إن المسلمين عندما كانوا في عصور قوتهم وحضارتهم السياسية والاقتصادية والعلمية كانوا منفتحين على العالم وعلى تعدد الآراء والاجتهادات قادرين على الاختلاف لأنهم يشعرون بالتفوق والقوة والأمن، أما عندما أصبحوا مستضعفين خائفين على أنفسهم ودينهم (لاسيما منذ غزو التتار للعالم الإسلامي) وانعكس هذا الخوف على فهمهم للدين كردة فعل، ويبدو أن هذه الظروف قد عادت واشتدت في عصرنا هذا لأسباب عديدة منها الظروف الداخلية والدولية، فصارت ردود الفعل عند بعض المسلمين تصل إلى ما نشاهده من تطرف بغيض ومن تزمت مشين، وفي ضوء ما أشرنا إليه فإن ما يثلج الصدر ما تنعم به المملكة المغربية الشريفة من الأمن والأمان والاستقرار في ظل قيادتكم الرشيدة المتمثلة برعاية الدين الحق، مما شجع العلماء على الاجتهاد والحوار مما جعلهم قادرين على تحويل الاختلاف في الرأي في الفروع إلى معين غزير، لاسيما في استصدار مجموعة من القوانين التي تحمي حقوق الإنسان بالمغرب الحبيب وفي حل بعض المشكلات المعاصرة كما وقع عند وضع مدونة الأسرة،)

وَفَّقَنا اللهُ جميعاً لِما فيهِ خَيْرُ الإسلامِ والمسلمينَ، إنَّهُ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَصِيْرِ، والحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

والختم من مولانا أمير المؤمنين

التسجيل المرئي للدرس الرابع من الدروس الحسنية الرمضانية

للاطلاع أيضا

صفية عبد الرحيم الطيب: ثوابت الهوية الإسلامية في إفريقيا وتحديات المحافظة عليها

رَوْحَانْ امْبَيْ: الثوابت الدينية المشتركة عامل وحدة بين المغرب والدول الإفريقية

أحمد التوفيق: حقوق النفس في الإسلام وأبعادها الاقتصادية

حسن عزوزي: التعاون بين المملكة المغربية والبلدان الإفريقية في مجال الحماية من فكر التطرف والإرهاب

يوسف كَاسْوِيت: تدبُّرُ آيات الله بين الخلق والحقّ

محمد أرشد بن أحمد القاسمي: جهود مسلمي الهند في خدمة الحديث الشريف

أحمد آيت إعزة: تعليم الدين في مدارس المملكة المغربية ومقاصده الكونية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بـ"مسجد الإسراء والمعراج" بالدار البيضاء
facebook twitter youtube