الأحد 20 رمضان 1440هـ الموافق لـ 26 مايو 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

محمد أرشد بن أحمد القاسمي: جهود مسلمي الهند في خدمة الحديث الشريف

darss hassani vendredi 250518

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، يوم الجمعة 09 رمضان 1439(25 ماي 2018) بالقصر الملكي بالدار البيضاء، الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.
وألقى الدرس بين يدي صاحب الجلالة الأستاذ محمد أرشد بن أحمد القاسمي، أستاذ الحديث الشريف بالجامعة القاسمية- غجرات بالهند، متناولا بالدرس والتحليل موضوع: "جهود مسلمي الهند في خدمة الحديث الشريف"، انطلاقا من قول الله تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".

نص الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية حول جهود مسلمي الهند في خدمة الحديث الشريف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد. مولايَ أميرَ المؤمنين، جلالةَ الملك محمدٍ السادس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أَمَدَّكُمُ اللهُ بِوافِر فَضْلِهِ وسابِغِ نِعَمِهِ، وَأَعَزكَّمُ بِنَصْرِه وقُوَّته.

أُعَبِّرُ لكم عن شكري وامتناني، حيث أتحتم لي هذه الفرصةَ النيرةَ لِأَتَحَدَّثَ في مقامكم المنيفِ عن خدمة علماء الهند لِما بَلَغَهم عن جَدِّكم المصطفي عليه الصلاةُ والسلامُ، من الحديث الشريف؛ شَكَرَ اللهُ لكم، يا مولايَ وبارَكَ في عِنايَتِكم بالعلم وأهله، لا سِيَّما من خلال هذه السنةِ الحميدةِ، سنةِ الدروسِ الحسنيةِ المتفردةِ، فأُهَنِّئُكم بإحياء هذه الشعيرةِ الربانيةِ التي يَظْهَرُ أَنَّ الأمةَ تناسَتْها في الزمن الأخير ، فطوبي لكم بما يَصدُقُ عليكم من قوله تعالى ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، فأدعو اللهَ من أعماق قلبي أن يَتَقَبَّل جهودَكم ويجعلَ كُلَّ أعمالِكم لإحياء الدين وعلومِهَ في مِيزانِ حسناتِكم. ومن سعادتي أن أَتَحَدَّثَ في هذا المنتدى العلميِّ المبارك عن جهود مسلمي شبه القارة الهندية في خدمة الحديث الشريف.

وأُسرتُكم العلْوِيَّةُ يا أميرَ المؤمنين أَوْلي من غيرها بحفظ أمانةِ الحديث لأنه المصدرُ الثاني للدين الذي قال فيه جدُّكم المصطفى عليه أفضلُ الصلاة وأزكى السلام: "تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تَضِلُّوا بعدي أبدا كتابَ الله وسنتي". وعلى بعض العنايةِ تأسستْ هذه الدروسُ الحسنيةُ التي كانت تُسَمَّي من قبل بالدروسِ الحديثيةِ. وقد عُرِفَ الملوكُ من أجدادكم بالعناية بالحديث وتدريسِهِ والتأليف فيه وقد أَسَّسَ والدكُم المرحومُ جلالةُ الملك الحسنِ الثاني دارَ الحديثِ الحسنية، وقمتم بتجديدها بناءً ومنهجاً، وقمتم بإحداثِ جائزةٍ تحمِلُ اسمَ جائزةِ محمدٍ السادسِ لأهل الحديث. وواصلتم سنةَ أجدادِكم في ختمِ صحيح البخاري في ليلة السابع والعشرين من رمضان وقام المجلس العلمي الأعلى الذي أسستُمُوه وتَتَرَأَّسُوْنه بتحقيقٍ مُوَفَّقٍ لأحد الكُتُبِ الُمعتمَدَةِ عند أهل السنة في الحديث الشريف.

وهو مُوَطَأُ الإمامِ مالكٍ رضي الله عنه وعلماء الهند يعرفون مكانةَ هذا الكتاب ولهم به عنايةٌ مشهودةٌ.

جلالةَ الملك لن يكونَ كلامي عن عنايةِ علماءِ الهند بالحديث الشريف مجردَ إعلامٍ وإخبارٍ، لأن للتمسك بتدريس الحديث في حياة الإسلام بالهند دورا خاصا في سياق خاص، ولأن تجْرِبة علماء الهند في هذا المجال تبرهن على قدرة هذا الدين على الصُّمود من جهة وعلى التكيف المقبول مع المحيط من جهة أخرى. وقد بنينا الدرس على قوله تعالى في سورة التوبة ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ونشرح كلامَنا إن شاء الله في ثلاثةِ محاوِرَ هي:

  • أولا: السياقُ التاريخيُّ الذي نَمَتْ فيه عنايةُ مسلمي الهند بالحديث الشريف.
  • ثانيا: نظامُ التعليم الذي جعلَ الحديثَ في عُمْقِ منهجِهِ بالهند،
  • ثالثا: جهودُ مسلمي الهند في خدمة الحديث.

السياق: يبلُغُ عددُ المسلمين في الهند اليوم 160 مليون نسمة. وهو جزءٌ من بلدٍ معروفٍ بخصوصياته وتنوعه.

فالهند هي مَهْدُ حضاراتِ ومَنشأ عديدِ من الإمبراطوريات، وقامت في تُرْبَتِهِ أربعةُ أديانٍ رئيسيةٍ هي الهندوسيةُ والبُوذِيةُ والجينية والسِّيخِيَّةُ بينما وفدَتْ إليه في الألف الميلادية الأولى أربعُ دياناتٍ أخرى هي الزَّرادشتية واليهودية والمسيحية والإسلام. واسْتَقَلَّتِ الهندُ في سنة ألف وثلاث مئة وسبع وستين من الهجرة) وأن دُستورَها دستورٌ ينص على العَلمانية وهي جمهوريةٌ تَتَكَوَّنُ من 29 ولاية.

فقد انتشر الإسلام في الهند نتيجةَ أربعةِ أمورٍ وهي الفتوحُ والدعوةُ والاحتلالُ والهِجرةُ، وعَرَف هذا الانتشار مدا وجزرا، وكان من الطبيعي أن يعرف بلدٌ فيه الطوائف الاجتماعية المغلقة إقبالا على الإسلام الذي جاء بمبادئَ لم تعرفها الهندُ من قبل، من ذلك أن الإسلام بشَّر بأن كلَّ من دخل هذا الدين يتمتع بنفس الحقوق التي لغيره من الناس بمن فيهم الذين جاؤوا بالدين الجديد. أي أن الإسلام ليس فيه تراتُبٌ طَبَقِيٌ أو طائِفِيٌّ مُغْلَقٌ، وعَرفَ الأمرُ تطوراً في عهد الملوك الغزنويين ثم الغورين. فقد فتح المسلمون المدنَ للمحرومين ممن يُسَمَّوْن بالمنبُوذين الذين كانوا لا يتمتعون بالامتيازات داخل هذه المدن، وهذا أدى إلى دخول العدد الكبير من المنتمين للطبقات الدنيا إلى الإسلام. وكان لتعامل بعض الطرق الصوفية كالشيشتيه تأثيرٌ، لأنها كانت تعمَلُ على تأليف قبول الهِندُوسِ وإشراكِهم في حياة المسلمين حتى قبْل أن يعتنقوا الإسلام فقد اعتنق الإسلام على يد الشيخ معين الدين شيشتي وفريد الدين غنج شكر عددٌ كبيرٌ أفراداً وقبائلاً واستمر ذلك قروناً متواليةً كما أدى اضطرابُ الأحوالِ في فارِس وأفغانستان إلى هجرةِ كثيرٍ من المسلمين إلى الهند.

أما من حيث تعلمُ الدين فقد مارس المسلمون في الهند إسلامَهم بين القرن السادس والثامن الهجريين استناداً إلى تآليفَ ومراجعَ أساسيةٍ وفدَتْ من خارجه.

وقد شهد القرنان التاسعُ والعاشر الهجرِيَّان في الهند ظهورَ عددٍ من الفِرَقِ والفلسفات والمواقفِ المبنيةِ علي البحث عما يمكن أن يُعْتَبَر مشتركا بين الإسلام والهندوسية غيرَ أن من العيوب غيرِ المقبولة في هذه النظرة ميلَها إلى القول بأن الدين روحٌ ولا أَهَمِّيةَ فيه للمظاهر ، حتى إن أحدَهم وهو الشيخ محمد غوث أدخل اليوكا في التصوف. فلما جاء السلطان أكبر الذي حكم ستين عاما في القرن السادس عشر الميلادي بالغ في هذا الاتجاه حيث أراد أن يوحد الأديان في الهند فكان لذلك ردودُ فعلٍ قوية عند عامة الناس الذين تخوفوا من ذَوَبان الخصوصية الإسلامية في المزيج الذي اقترحه أكبر.

ومن هنا جاء توجهُ العلماء ومنهم عبد الحق محدث الدهلوي للتأليف في الحديث خاصة وجاءت في سياق هذه القومة حركةُ الشيخ النقش بندي أحمد السر هندي الذي لقبه الناس بمجدد الألف الثانية وهو انتقد مذهب السلطان أكبر في توحيد الأديان وفي القرن الحادي عشر الهجري فقد ظهرت مدرستان إحداهما تَقْبَل وحدة الوجود والأخرى تعارضها وعلى هذا الخلاف دار الصراعُ بين ورثة الإمبراطور شاه جهان وقد اجتهد علماء الهند مرة أخري في إيجاد التوازن المطلوب ومنهم شاه ولي الله الدهلوي الذي حاول الإقناع بأنه ليس هناك بَوْن شاسع بين الفكرتين فقد رأى كلاهما الشيء ذاتَه ولا فرق بينهما إلا في التعبير بالمجاز.

وإن الشيخ الدهلوي قد انتصر للعقل وأثر بذلك تأثيرا عميقا على توجُّهات الإسلام في الهند وممن تأثر بأفكار الشيخ الدهلوي وهم علماء ديو بند أي المدرسة الفكرية المعروفة بديو بند. ومن فكرة الدهلوي أنه كان يرى أن الاجتهاداتِ الشرعيةَ ينبغي أن تراعي الزمنَ والمكانَ والبيئةَ الاجتماعية وتطبيقا لهذا التوجه كان يقول: أنا أنظر ما اتفقت عليه المذاهب السنية فآخذ به وإذا اختلفت أرجح بالحديث الشريف. ونشر هو وولداه على نطاق واسع دراسة الحديث وهيأ عددا من شروحه وجدد في الهند تعليما إسلاميا كان له صدًى وتأثيرٌ في العالم الإسلامي كله. أما نهايةَ حكمِ المغل وفرضِ الحكم البريطاني الغربي فهناك من أَقَرَّ تفوقَ الغرب ورأَى الأخذ بلغته وعلومه وهناك من اعتبر أن دراسة لغة الغرب بمثابة قَبول حكمه، تمُثِّل التوجه الأول مدرسةُ السيد أحمد خان وتُمثِّل التوجهَ الثاني مدرسةُ مولانا محمد قاسم مؤسسِ دار العلوم ديو بند.

وأما حركةُ الإصلاح في القرن الحادي عشر فقد أَسْهَمَتْ فيها الطريقة النقشبندية التي دخلت إلى الهند على يد خواجا باقي بالله في أواخر عهد الملك أكبر وبلغت أَوْجَها في عهد تلميذه أحمد سر هندي ثم تلاميذِه الذين امتد نشاطُهم إلى جميع مدن الهند؛ فقد توجه عملُ هذه الطريقة إلى إصلاح الحياة الدينية بدَل التوجه إلى نشر الدين.

أما القرن الموالي الثاني عشر الهجري فقد كان عهدَ إحياءٍ وتجديدٍ وقد برز في هذا التوجه عالمان وهما شاه ولي الله الدهلوي وشاه كليم الله وتميَّزا بالتركيز على العناية بالعلوم الأصلية في الإسلام، فقد وضع الأولُ أساسَ مدرسةٍ جديدةٍ في الكلام أي العلومِ العقلية مقرِّبا بين العلماء والصوفية وقد عمِل على حفظ التوازن بين الفقه والتصوف لضَمان جمع محاسن الاتجاهين، وكاد أن يحصُلُ التنافرُ بينهما في الماضي وبفضل عمله وعمل أبنائه من بعده ظهرت جُلُّ المؤسسات العلمية الدينية في الهند ابتداء من القرن الثاني عشر الهجري.

أما جهود الشيخ كليم الله فقد ذهبت في اتجاه آخر، وذلك بأَنْ جدَّدَ تعاليم الطريقة الشيشتية على أصلها وحرَص على تهذيب السلوكيات الباطنية عند الأتباع.

أما القرن التاسع عشر الميلادي فقد شهد إعادةَ توجيه الفكر الديني في ضوء المستجدات الناجمة عن اللقاء بالثقافة الغربية وتَمثُّلَ رد الفعل في ثلاثة توجهات. هي:

  • 1 توجه علماء ديو بند الذين قالوا إن النجاح بالرجوع إلى حياة السلف كأنه في نوع من تحدي الغرب في نمط حياته.
  • 2 توجه علي جراه التي قادها السيد أحمد خان الذي قال بوجوب تقبل التعليم الغربي وإعطاء توجهٍ جديدٍ في ميدان التعليم.
  • 3 توجه ندوة العلماء التي قامت إلى إيجاد توازنٍ بين علي جري ذاتِ التوجه المبالَغ فيه في الأخذ بمستجدات العصر وبين حركة ديو بند القائلة بالتمسك بالتقليد الأصلي ضد الغرب. والواقع أن توجُّهَ مؤسِّسِ ندوة العلماء كان دفعا لحركة علي جري فقد فكر مولانا شبلي في كتابة سلسلةٍ سماها أبطالَ الإسلام وجعل من بينهم الخليفة المأمون وأبا حنيفة والإمام الغزالي، وأحمد خان .

ولما دخلت الهند في حكم بريطانيا المباشِرِ في منتصف القرن التاسع عشر واجه المسلمون أوضاعا صعبة وحالةَ تخوفٍ علي مستقبل الإسلام في تلك الديار ، وهاجر كثيرٌ من العلماء ورجال الدين إلى الحجاز وانبَثَّ المبشرون في القرى والمدُن يدعون إلى المسيحية عَلناً، ويُعلِنون أنَّ دولةَ الإسلام قد زالت ودخلت الهندُ في الحكم المسِيحِيِّ؛ فكان رد الفعلي الإيجابيُّ هو حركة واسعة من تأسيس المدارس لنشر العلم الشرعي وأخلاق الدين والتمسك بتدريس الحديث علي وجه الخصوص. فألقى الله في رَوْعِ العلماء الواعين أنَّ أسلَمَ وأجدَى الطُرُقِ في هذا الوضع المُؤْسِف إلى ذلك هو نشرُ الكتاتيب والمدارس الإسلامية الأهلية في أرجاء البلاد.

أبرز الجامعات والمراكز الإسلامية بالهند التي نشرت هذه العلوم:

الجامعة الإسلامية دار العلوم ديو بند:

هي أقدمُ وأعرف جامعة إسلاميةٍ أهليةٍ في شِبْهِ القارَّةِ الهِنْدِيَّة، تقع في مدينة دیو بند. أُسِّسَت سنة ألف ومِائتين وثلاث وثمانين من الهجرة وأَسْهَمَ في إنشائها نخبةٌ من علماء الهند، وعلى رأسهم الإمام محمد قاسم النانوتوي.

مدرسة مظاهر العلوم بسهارنفور

أسسها الشيخ سعادت علي السهارنفوري سنة 1867 في مدينة سهارنفور، وهي تلي دار العلوم في كثرة الطلبة والاعتناء بالعلوم الدينية وقد خرجت عددا كبيرا من العلماء الصالحين. ولخريجيها آثار جليلة في شرح كتب الحديث .

الجامعة الأشرفية في غجرات

تأسست عام 1286ه في مدينة سورت بالقرب من بومباي، وتقوم بالتدريس واشتهرت على الخصوص بإنشاء الكتاتيب في الأرياف النائية لتعليم أبناء المسلمين.

جامعة عليجراه الإسلامية

تأسست عام /1875م) وتقع في مدينة علي جراه شمالي الهند. تعد هذه الجامعة التي قامت أصلا على نموذج جامعة كمبريدج في بريطانيا من معاهد التعليم العالي التي تم إنشاؤها في عهد الاستعمار البريطاني، تخرج منها العديد من القادة المسلمين البارزين ومن أساتذة الجامعات الحكومية.

الجامعة الملية الإسلامية

وهي تابعة للحكومة المركزية وتقع في مدينة نيودلهي.

دار العلوم ندوة العلماء

تأسست عام 1894 أدخلت بعض التعديلات والإصلاحات على المنهج الدراسي القديم وأضافت مواد أخرى من العلوم العصرية.

الجامعة النظامية بحيدر أباد

تأسست عام 1875 ويقوم منهجها على أصول الدرس النظامي على ست عشرة، والدروس في الفصول العليا باللغة العربية.

الجامعة السلفية

تقع في مدينة بنارس، تأسست عام 1962مـ، وتدرس الكتاب والسنة واللغة والعربية وآدابها وعلوما نافعة أخرى.

جامعة إشاعة العلوم أكل كوا

أنشأها الشيخ محمد غلام وستانوي عام 1982)، وهي أكبر الجامعات في الهند عددا، ويدرس في رحابها 15 ألف طالب، تدرس العلوم العصرية من طب وهندسة وحِرفٍ أخرى، وبلغ عدد الطلاب بالجامعة والمدارس الدينية والكتاتيب القرآنية والكليات العصرية التي أنشأها فضيلته مائتي ألف طالب.(موقع الجامعة)

ولهذه المدارس فروع في أوروبا وأمريكا وجنوب إفريقيا.

وتتميز هذه المدارس بمقرراتها الدراسية للحديث الشريف وعلومه

وهي مقررات لا يوجد لها نظير في خارج شبه القارة الهندية. فهي تبدأ بتدريس "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي" مع "المقدمة في أصول الحديث " لعبد الحق الدهلوي، مع ترجمة الأحاديث إلى الأردية، تُملى شروحُها على الطلبة، ثم يدرس الطالب الكتب الستة و"الموطأ" برواية يحيي بن يحيي الأندلُسي المصمودي المغربي، وروايةِ الشيباني و«شرح معاني الآثار» للطحاوي، و«الشمائل» للترمذي، و«نزهة النظر » لابن حجر، و"المقدِّمة" لابن صلاح وغيرَها من كتب الحديث.

يتخرج الطالب بعد تحصيل هذه الكتب رواية ودراية، مع بيان مذاهب الأئمة الأربعة وذكرِ أدلتهم وترجيحِ بعضها على بعض.

ولقد وضع شيوخ هذه المدارس مصنفات في الحديث الشريف وعلومه

من خلال أماليهم المشهورة مثل "فيض الباري" و"النور الساري"، و"لامع الدراري". أما في اللغة الأردية. ومن أهمها "إنعام الباري و «تحفة القاري» ، و«نبراس الساري»، و«كشف الباري».

وأما صحيح مسلم فمن الأمالي عليه أمالي الشيخ أنور شاه الكشميري، وأمالي الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي.

وأما الجامع للترمذي فعليه لهم عدة أمال باللغة العربية، و من أهمها "الكوكب الدري" و"العرف الشذي" ، وعليـها عدة أمال باللغة الأردية أيضا.

وأما "السنن " لأبي داود فمن الأمالي عليه: "أنوار المحمود "وأما الأمالي على "سنن النسائي" فمنها الفيض السمائي".

ولعلماء مدارس الهند مؤلفاتٌ كثيرةٌ وشروحٌ وتعاليقُ وتحقيقاتٌ بالعربية والأردية. ولبعضهم غزارةٌ في التأليف في السنة المطهرة، مثل مولانا نواب صديق حسن خان الذي ألف ما يقرب من ثلاثمائة كتاب بين العربية والأوردية، والشيخ عبد الحي اللكنوي، وله من المؤلفات مائة وعشرون كتابا بالعربية وغيرها، والمحدث مولانا محمد زكريا الكاندهلوي، ومؤلفاته أكثر من خمس مائة، وجلُّها بالعربية حول السنة، وحكيم الأمة محمد أشرف علي تانوي، وعدد مؤلفاته أكثر من ألف عنوانٍ.

ومن اعتراف علماء العرب بدور علماء الهند في خدمة الحديث قولُ رشيد رضا المصري في مقدِّمة "مفتاح كنوز السنة":

«لولا عنايةُ إخواننا علماءِ الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقُضِيَ عليها بالزوال من أمصار الشرق؛ فقد ضعُفت في مصر والشام والعراق والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل هذا القرن الرابع عشر».

وقول الأستاذ عبد العزيز الخولي: لا يوجد في الشعوب الإسلامية على كثرتها واختلاف أجناسها من وَفَّى الحديثَ قسطَه من العناية في هذا العصر مثل إخواننا مسلمي الهند».

ومن المزايا التعليمية لهذه المدارس الإسلامية في الهند:

أن التعليم فيها لا يقتصر على التلقين بل يهتم بالتربية العقلية والعلمية. كما أنه لم يكن لتحصيل المكاسب بقدر ما كان للعلم ولخدمة الأمة. ومن حيث نظامُه فقد كان تعليما بالمجان،  

وبالإضافة إلى ذلك فإنالمدارس تتولى توفير التسهيلات اللازمة لطلابها من سكن وغذاء وكسوة ومقررات دراسية، عِلاوةً على أن المدارس تتكفل بنفقات العلاج والمنح الدراسية. وذلك مما وفر فرصة الدراسة والتعليم لأبناء الأسر الفقيرة أو المحدودة الدخل والتي لا تستطيع دفع رسوم التعليم.

ومن مزايا هذه المدارس، بالإضافة إلى ما ذكر، أنها مفتوحة لكل من يرغب في التعليم دون تمييز بحسب اللون أو العرق أو الانتماء الاجتماعي، وكان من خريجيها مشاهير ينتمون في أصولهم إلى الطبقات التي يعدها البعض متدنية.

جامعة ديو بند لا تتلقى المساعدة الحكومية وإنما تعتمد على التبرعات.

إن مشكلة تعليم الدين للمسلمين في الهند لا ترجع إلى مسألة تحمُّلِ نفقاته بل ترجع إلى ما يتمناه المسلمون من تطبيقِ ما ينص عليه الدستور من العلمانية بالنسبة للجميع، وهي أنسب نظامٍ لقُطْرٍ تسكنه شعوبٌ كثيرةٌ ذاتُ دياناتٍ متعددة، لكن المناهج الدراسية والكتب المقررة تتبنى ديانة الأكثرية في المدارس العمومية مع أن هذه المدارس يدخل إليها الأولاد بمن فيهم أولاد المسلمين.

فعقيدة أجيال المسلمين في البلاد أنهم يعتبرون الهند وطنا لهم. لذلك فإن المتخرجين المفكرين من مثل المدارس السابقة ذكرُها ما زالوا يطلبون بالطرق التي يسمح بها الدُستور أن تُصْلَحَ برامجُ التعليم الرسمي وتحافِظَ على علمانية المعارف كما يقررها الدستور.

إن سر نجاحِ هذه المدارس في أداء رسالتها ونشر الدين والعلم أنها كانت قائمةً على أساس الزهد والتضحية فأثار ذلك فيها روح المثابرة وقوة العمل والنشاط؛ فتجد أكثر المتخرجين منقطعين للشعب الأمر الذي مكنهم من القيام بأعمالٍ إصلاحيةٍ عظمى.

إن هذه المدارس كما بينا تركز على الحديث وتعلم العلوم الشرعية واللغوية ولاسيما العربية، وتقوم في نفس الوقت بالتوعية بقِيَمِ الدين حماية لها في وسَطٍ حافلٍ بالأفكار والعقائد المتنوعة من مختلف الديانات المتساكنة، وبالإضافة إلى التعليم داخلها فإنها تتجه إلى عوام الناس غير المتعلمين لحماية عوائدهم مما ليس مقبولا بحكم الكتاب والسنة، الأمر الذي ضمن للدين استمراره سواء في عهد الاستعمار أو بعد الاستقلال.

وبالرغم من التغيرات والمستجدات التي أثرت سلْبا في أداء الجامعات والمدارس الدينية فإنها واعية بحاجتها الدائمة إلى التجديد والتفكير وتنزيل مسارها على متطلبات الناس في هذا العصر، علما بأن نتائج مساعيها تختلف حسب اتساع نطاقها ومدى تقبل المسلمين لها وانتفاعهم بها.

وإن تجرِبة علماء الهند في هذا المجال ثروة وخِبرةٌ كبيرةٌ تعد ملكا لجميع المسلمين ولاسيما في البلدان التي يعيش فيها المسلمون أوضاعَ الأقلية ويتطلب منهم الأمرُ الحفاظَ على قيمهم وهويتهم.

وهنا أختم الحديث يا أمير المؤمنين بالقول إن علماء الهند الذين لهم اطلاع على بلدكم يعرفون النعم التي أنعم بها الله تعالى عليكم في مجال حماية الدين بعمل إمارة المؤمنين ويعرفون أن هذا البلد قد قامت فيه وما تزال تقوم مدارس تعلم العلوم الشرعية وتُخَرِّج نخبا من العلماء وتقوم الجماعات بالإنفاق عليها وأنكم أسبغتم عليها عنايتكم بإصلاح البرامج والدعم المالي والمجانية مثل مدارس الهند وحافظتم فيها على ما اشتهرت به بلادُكُم من حفظ القرآن الكريم، كما يعلم المطلعون أن جدَكم الملكَ المجاهدَ محمد الخامس رحمه الله قد قاوم الاستعمار بالحفاظ على هذه المدارس وتأسيس مدارسَ جديدةٍ، ويعلم العارفون من أهل الهند أن المغرِب عندما كان يهدده التنصير من أوروبا في بداية العصر الحديث قد تَشَبَّثَ بالصلاة على النبي والاحتفال بالمولد ثم هَدى الله المَغارِبةَ إلى الحصن الأعظم للدين وهو المتمثل في مبايعة أجدادكم من الملوك الأشراف، ولا يخفى الشَبَهُ بين الاحتماء بهذه المؤسسات التي لها تأثيرٌ في تعبئة الشعب وبين ما لجأ إليه أهل الهند من التمسك بالتعليم الشرعي وبدراسة الحديث النبوي بصفة خاصة، وهذا بُعْدٌ آخر مما خفي علينا من قول جدكم المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضِلُّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"، وفي حالتنا فإن التمسك بالحديث تدريسا لم يحفظ دينَنا من حيث حسنُ الإتباع وكفى، بل أسهم في حفظ وجودنا وهويتنا الإسلامية في الهند الذي نعتبره وطننا.

والسلام عليكم ورحمة الله

والختم من مولانا أمير المؤمنين

للاطلاع أيضا

صفية عبد الرحيم الطيب: ثوابت الهوية الإسلامية في إفريقيا وتحديات المحافظة عليها

رَوْحَانْ امْبَيْ: الثوابت الدينية المشتركة عامل وحدة بين المغرب والدول الإفريقية

عبد القادر الكتاني: اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم وطرق الاستفادة منه

أحمد التوفيق: حقوق النفس في الإسلام وأبعادها الاقتصادية

حسن عزوزي: التعاون بين المملكة المغربية والبلدان الإفريقية في مجال الحماية من فكر التطرف والإرهاب

يوسف كَاسْوِيت: تدبُّرُ آيات الله بين الخلق والحقّ

أحمد آيت إعزة: تعليم الدين في مدارس المملكة المغربية ومقاصده الكونية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بـ"مسجد الإسراء والمعراج" بالدار البيضاء
facebook twitter youtube