الجمعة 19 صفر 1441هـ الموافق لـ 18 أكتوبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش المجيد

بمناسبة الذكرى الثانية لجلوس صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه المنعمين التي حلت يوم الثلاثاء 30 يوليو 2002، وجه جلالته خطاب العرش إلى الأمة من طنجة فيما يلي نصه :

الحمد الله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

شعبي العزيز،

إذا كان خطاب العرش يكتسي كل سنة أهمية بالغة لكونه يرصد أحوال الأمة ويرسم معالم العمل المستقبلي فإن خطاب العرش لهذا العام يتميز بكونه يحل قبل أسابيع معدودة، من انتخاب مجلس جديد للنواب.

كما أنه يعتبر مطلعا لسنة حافلة بالاستحقاقات الانتخابية فلن يحل مثل هذا اليوم الأغر من السنة المقبلة، بحول الله، إلا وقد تم تجديد انتخاب سائر المؤسسات التمثيلية. فهل سيتم التعامل مع هذه السنة الانتخابية بمنطق سياسوي ضيق، يجعل من الانتخاب غاية في حد ذاته..

كلا، لقد آلينا على نفسنا توخيا للمصالح العليا للأمة اعتماد منظور استراتيجي يجعل منها سنة التعبئة الشاملة، وفرصة لمصالحة المواطنين مع مجالس منتخبة ذات مصداقية لتشكل سندا قويا للأجهزة التنفيذية ورافعة فعالة للتنمية الشاملة. وقبل هذا وذاك حرصنا على أن نشاطرك شعبي العزيز استخلاص ما تحفل به هذه الاستحقاقات من دروس وعبر، وما تحمله من وعود، وتفتحه من آفاق.

لقد أبدى سائر الفاعلين المعنيين، في أول ولاية تشريعية، عاشها المغرب في ظل التناوب، من الحكمة والتبصر وحسن الإرادة، ما كان كفيلا ببلوغ الأهداف التي توخاها رائد التوجه الديمقراطي والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله والتي أخذنا على عاتقنا رعايتها، حتى تتوفر أسباب النجاح كاملة لهذه المحطة الحاسمة، من مسار بلادنا السياسي.

وهذا ما جعل من التناوب خطوة هامة، على درب ترسيخ الديمقراطية، اكتسبت فيها المعارضة السابقة ثقافة الحكم، فيما مارست الأغلبية السالفة دور المعارضة البناءة.

وإن المملكة المغربية المتحصنة بإطارها المؤسساتي والدستوري المتماسك،والمعززة بأصالتها العريقة، وتقاليدها الراسخة، والمدعمة بقيمها الروحية والاجتماعية والثقافية المتوازنة، قد أظهرت بكل جلاء ومصداقية، قدرتها على التحرك والتطور، في انسجام تام بين ما رسمته جلالتنا من توجهات طموحة، وبين العمل الذي أنجزته الحكومة والبرلمان. وهذا الواقع الذي ما فتئ يتعزز باستمرار، يعد ثمرة الخيارات التي سلكها المغرب، والإصلاحات التي حققها، طوال العقود الأخيرة من تاريخه.

وإذا كنا في غنى عن استعراض تفاصيل هذه الحقبة، فإنه يجدر بنا أن نؤكد أن هذه المكتسبات التي تحققت بمساهمة جميع المغاربة، تستمد قوتها ومشروعيتها واستمراريتها من المقومات الهيكلية والتوافقية، التي تستند إليها، والتي عملنا دوما على ترسيخها.

ولا يخفى عليك شعبي العزيز، أن هذه الإنجازات تكتسي دلالة خاصة، إذا ما استحضرنا ما يحيط بنا من أوضاع إقليمية ودولية، أفرزتها السنوات والأشهر الأخيرة التي عشناها، والتي تميزت بتواتر حالات القطيعة والتنافر، وتراجع عوامل التوافق والاستقرار والاطمئنان. وقد عملنا على أن يظل المغرب سالكا سبيله بعزم وثبات، في خضم هذه التفاعلات متمكنا من متابعة إنجاز برامجه وفق مخططاته، مع الحفاظ على مدة إنجازها، رغم الظرفية العصيبة وما نتج عنها من اضطراب ومخاوف.

لذا وبصرف النظر عن صخب النقاش السياسي والانتخابي الجاري، فإن علينا أن نقدر ما شيدناه جميعا لصالح مجتمعنا. كما يتعين علينا أن نقف على ما يجب إنجازه أو تحسينه أو تداركه أو الإسراع به.

ونقصد بذلك أداءنا الاقتصادي، المرتبط دوما وحتما بالمرتكز السياسي، الذي نوهنا بفضائله ونتائجه. وإذا كنا قد كسبنا معركة ترسيخ توجهاتنا الديمقراطية، لجعلها خيارات لا رجعة فيها. فهل معنى هذا أن الكل يدرك ما تطلب ذلك من جهود وتضحيات وأن ديمقراطيتنا محصنة من كل المخاطر والتجاوزات... إننا مطالبون باليقظة الدائمة والتعبئة المستمرة للحيلولة دون استغلال الديمقراطية،واتخاذها مطية لأغراض منحرفة، من طرف من يحلمون بالعيش الرغيد، في تقاعس وإشاعة للإحباط واليأس، وكأن المغرب قد ولى ظهره لتاريخه، وتنكر لمستقبل أبنائه وآمالهم. هذه الآمال، النابعة من التطلع لمستقبل أفضل، كفيل بالاستجابة لطموحات الأجيال الصاعدة، إلى المزيد من الكرامة والأمن والتقدم، من خلال تمكين المواطن من العيش الكريم، وتحقيق التنمية القروية، وتوفير أسباب التشغيل للشباب،وذلك بخلق المزيد من الثروات في بلادنا، وبالعمل على توزيعها توزيعا أكثر عدالة وإنصافا.

فعلى كل منا أن يدرك ما يتعين القيام به مستقبلا، حتى تكون الحرية والتعددية والتنوع، التي تميز مشروعنا المجتمعي، عوامل للتقدم والحداثة في الحياة السياسية ببلادنا، جاعلين من هذه السنة منطلقا جديدا للتأهيل الشامل، السياسي والاقتصادي، والاجتماعي والثقافي لبلادنا.

شعبي العزيز،

إن التأهيل السياسي للمغرب يقتضي التعامل النبيل مع الانتخابات، باعتبارها استثمارا سياسيا كفيلا، بما يضفيه من مصداقية وفعالية على المؤسسات بأن يعود بالنفع على جلب الاستثمار الاقتصادي وحفزه، وإيجاد ثروات جديدة، لرفع تحدي التنمية الشاملة. ومن ثم حرصنا على توفير كل الشروط والضمانات اللازمة، لتكون الديمقراطية هي الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات. وإننا لننتظر من الأحزاب السياسية أن تتنافس في طرح برامج حكومية واقعية وقابلة للإنجاز، محددة في وسائل تمويلها ومدة تحقيقها،وتتضمن حلولا للقضايا الأساسية للأمة، وللانشغالات اليومية للمواطن. وهي برامج طالما خاطبتكم بشأنها، وكرست كل جهودي لتجسيدها على أرض الواقع.

وإذا كانت المنافسة الديمقراطية ضرورية فإن لها حدا هو المصلحة العليا للبلاد. لذلك عملنا على مواكبة توسيع فضاء الحريات العامة، وحقوق الإنسان، بتوفير الأجهزة المكلفة بحمايتها، وتحديد شروط ممارستها، بما يلزم من وسائل وضمانات. وفي هذا الصدد، سنقوم، في الأسابيع المقبلة، بحول االله، بتنصيب كل من المجلس الاستشاري الجديد لحقوق الإنسان وديوان المظالم. كما أننا عازمون على تعميق روح الطمأنينة لدى المواطن، بتدعيم سلطة مؤسسات الدولة، حول ثوابت الأمة، في إطار دولة قوية، تسهر على الاحترام الصارم للقانون، وسيادته، ومساواة الجميع أمامه.

ويعد إصلاح القضاء من الركائز الأساسية في هذا الشأن، فضلا عن توفيره لمناخ الثقة، التي تعد خير محفز على الاستثمار. وحتى يأخذ تسريع النهج الإصلاحي القضائي وتيرته القصوى، فإنه ينبغي تعزيز الموارد المالية والبشرية المرصودة لقطاع القضاء،بشكل يمكن من مواصلة إعادة الاعتبار للعدالة وتحديثها وتأهيلها لكي تنهض على الوجه المطلوب، بالمهام النبيلة الجسيمة والمتزايدة، المنوطة بها.

كما أولينا اهتماما خاصا لقضية النهوض بأوضاع المرأة في مختلف مجالات تدبير الشأن العام، محددين أجلا لا يتعدى نهاية هذه السنة، للجنة المكلفة لاقتراح مشروع مدونة جديدة للأحوال الشخصية، يراعي مقاصد شريعتنا السمحة، والتزاماتنا الدولية في هذا الشأن.

وما كان للمغرب، الذي يعرف تطورا متواصلا على درب الحداثة والديمقراطية،أن يكون مشهده السمعي البصري غير مواكب لهذا التطور، بما يستجيب لحاجة المواطن، لمشهد إعلامي، يجمع بين المعاصرة والجاذبية، واحترام ثوابت الأمة. ونهوضا بالتزامنا الدستوري بصيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، عملنا على إعداد ظهير شريف، يقضي بإحداث هيئة عليا للاتصال السمعي البصري، كمؤسسة مستقلة متوفرة على الوسائل الضرورية للنهوض بمهامها بكل تجرد. وقد توخينا من ذلك ضمان الحق في الإعلام، من خلال تكريس حرية إحداث صحافة ووسائل سمعية بصرية مستقلة وإنهاء احتكار الدولة لهذا النوع من الإعلام، مع توفير مرفق عام للإذاعة والتلفزة جدير بضمان التعبير عن مختلف الاتجاهات. وذلك في نطاق احترام قيمنا الدينية ومقومات هويتنا الوطنية، وقوانين المملكة.

شعبي العزيز،

إن ديمقراطيتنا ستظل هشة ما لم يتم تعزيزها بتنمية اقتصادية وتضامن اجتماعي. وإذا كنا قد حققنا عدة مكاسب سياسية، فإننا نعاني معضلة عدم الإنتاج وخلق الثروات، وسوء توزيعها اجتماعيا. وهذا ما يحتم علينا خوض معركة الإنتاج وحفز الاستثمار، بهدف تأهيل اقتصادنا الوطني وتقوية إنتاجيته ومردوديته. كما يفرض علينا تأهيل مواردنا البشرية، التي هي ثرواتنا الأساسية ضمن منظور يحرر طاقاتها الخلاقة، لخوض أوراش الإنتاج بتنافسية واقتدار. ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا اعتبرنا أن اقتصاد السوق ليس شرا، والربح ليس عيبا، والعولمة ليست خطرا. بل إن حسن تعاملنا معها من شأنه أن يجعل من هذه العوامل كلها مصدرا للثروة ومدخلا للعدالة الاجتماعية. وهذا ما يقتضي نهج سياسة اقتصادية ومالية متناسقة، ذات منظور واضح وأسبقيات محددة في برامج تعاقدية بين السلطات العمومية والقطاع الخاص، مع مواصلة نهوض صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدور الرافعة القوية في هذا المجال. ومن شأن الإسراع بتأهيل اقتصادنا وتحويله من اقتصاد ريعي انتظاري إلى اقتصاد السوق، أن يجعلنا نكسب رهان اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي،والولايات المتحدة الأمريكية ودول جنوب المتوسط، الموقعة على إعلان أكادير،وندعم دور المغرب كقطب محوري لمبادلات القارات الثلاث.

وفي هذا الصدد، فإن تفعيل المراكز الجهوية للاستثمار وتنفيذ مختلف التوجيهات الواردة في رسالتنا لوزيرنا الأول، بشأن التدبير اللامتمركز للاستثمار، وما ينبغي أن يواكبه من إصلاحات قضائية وإدارية وتشريعية ومالية واجتماعية، أن يجعل من السنة المقبلة، إن شاء االله، سنة التأهيل الاقتصادي بامتياز.

وإذا كنا قد سجلنا إيجابية بعض المؤشرات الاقتصادية، فإن الواقع العنيد يظل يسائلنا بإلحاح.. لماذا تجد بلادنا صعوبة في تحويل هذه المؤشرات إلى حركية اقتصادية. إننا معنيون جميعا بهذا الواقع. ويتعين علينا أن نكسر أغلال الشك المحبط،والتخوف غير المبرر، ونستبعد الانتظارية، التي طالما أضعفت اقتصادنا وعرقلت تطوره. إن الإيمان بما لدينا من طاقات، وبما يحركنا من حوافز، للمضي قدما على درب التقدم والرخاء، لا يتجسد بمجرد خطاب أو قرار سياسي، وإنما هو رهين بمدى الإرادة الذاتية والمبادرة المقدامة. وذلك ما نفتقر إليه. لذا، يجب أن ننطلق من تقييم واقعي متبصر لأوضاعنا الاقتصادية، ومن تصور واضح وتحديد دقيق للأهداف، التي يجب علينا تحقيقها بجد وحزم، للإسراع بوتيرة النمو الاقتصادي لبلادنا وتوسيع دائرته.

لقد آن الأوان لوضع تقييم محكم، وتخطيط عقلاني لما يلزم القيام به في المستقبل،حتى يتحقق التطابق المأمول والانسجام المنشود، وحتى نتمكن من حسن استثمار ما تحقق من تقدم، في المجالين السياسي والاقتصادي، مع الالتزام بالفعالية والمردودية،وترتيب الأولويات وفق جدول زمني محدد. وكل ذلك في نطاق التقيد بسياسة حسن تدبير الشأن العام، التي اعتمدتها المملكة من أجل تحقيق التحديث الاقتصادي والتنمية المستدامة.

شعبي العزيز،

عملا على تأهيل مواردنا البشرية فإننا قد قطعنا خطوات هامة في مجال إصلاح المنظومة التربوية. بيد أن هنالك خطوات كبرى مازالت تنتظرنا في نهج سياسة تعليمية متناسقة. كما أن متابعة وتقييم وإغناء تفعيل إصلاح التعليم تتطلب تعزيز المهام التي تنهض بها، بكل موضوعية ونزاهة، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين ، وذلك في أفق إيجاد جهاز قار يتولى مهام التقييم المتجرد والشمولي للمنظومة التربوية، في تعاون مثمر وتنسيق تام مع القطاعات المختصة، ومع جميع الفاعلين في هذا المشروع المصيري. وقد قمنا بإعطاء دفعة قوية لهذا الإصلاح بتنصيب مؤسسة محمد السادس للنهوض بالاوضاع الاجتماعية لأطر التربية والتكوين، وبتحسين وضعيتهم ، داعين الأسرة التعليمية للانخراط بحزم وعزم ، وغيرة وطنية، في هذا المشروع الكبير .

ولأن توسيع ثقافة المواطنة رهين بالقضاء على الأمية، فإننا عازمون على إعادة النظر في الآجال المتوقعة لاستئصال آفتها. وتجسيدا لالتزامنا بتأكيد الاعتبار لكل مكونات هويتنا الثقافية، في ظل الوحدة الوطنية، كان تنصيبنا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وسنظل حريصين على سيادة روح التسامح والانفتاح، بين الثقافات والحضارات محلية أو عالمية، وعلى التحصين من كل أنواع الغلو والتشدد، في اعتزاز بالجوانب المشرقة في أصالتنا، مع اعتماد الحداثة والعقلانية. وسيظل تأهيل مواردنا البشرية رهينا بترسيخ ثقافة التضامن، وجعلها عماد السياسات العمومية والتحول بها من الفعل العفوي إلى العمل المؤسسي.

ونجدد التأكيد في هذا الشأن على الأهمية الخاصة التي نوليها للأشخاص المعاقين باعتماد برامج مندمجة، تؤهلهم للانخراط التام في الحياة العامة، من خلال تكوين ملائم يوفر لهم أسباب العيش الكريم. ولا يفوتنا أن نعرب عن ابتهاجنا واعتزازنا، بارتباط رعايانا الأوفياء المقيمين في الخارج بوطنهم وتعلقهم بأواصر البيعة الخالدة، والهوية الحضارية الأصيلة، وحرصهم على القرابة العائلية وصلة الرحم، مجددين الإعراب عن بالغ تقديرنا، لمساهمتهم الفاعلة في مجهود التنمية الاقتصادية، والإشعاع الدولي للمغرب، وعن عزمنا الأكيد على أن يكون لهم ما هم جديرون به من حضور وازن ومشاركة فاعلة في كل مجالات الحياة الوطنية كما نود أن نؤكد لهم موصول عنايتنا الفائقة بأحوالهم خارج الوطن وداخله،وحرصنا على أن تستجيب الأجهزة المعنية لما يعربون عنه من تطلعات، في إطار من التناسق المحكم والتكامل المثمر.

شعبي العزيز،

في خضم حرصنا الأكيد على معاينة أحوالك، كانت زياراتنا لعدد من أقاليم المملكة وجهاتها، في الجنوب والوسط والشمال، مناسبة لتجديد روابط الوفاء والإخلاص الجامعة بيننا، ولإعطاء الانطلاقة لعدة مشاريع تنموية. وإذا كانت هنالك من جهات تحظى ببالغ اهتمامنا، وتجسد خيارنا الاستراتيجي لجعل الجهة فضاء محفزا على الاستثمار، فهي أقاليمنا الشمالية والجنوبية التي نعمل على أن تكون نموذجا للتنمية الجهوية المندمجة.

وفي هذا الإطار، وبموازاة مع جعل مدينة طنجة ومينائها الحالي من أكبر الموانئ والمراكز الترفيهية بالبحر الأبيض المتوسط، فقد أعطينا تعليماتنا قصد دراسة وإنجاز مركب ضخم، مينائي وتجاري وصناعي، على ضفاف البوغاز، شرق طنجة. وإن من شأن مستواه الدولي، وارتباطه بمناطق حرة، تمكين الأقاليم الشمالية من تحقيق إرادتنا في فك عزلتها وتنميتها الشاملة، ومن انخراط المغرب كفاعل وشريك في المبادلات الاقتصادية الدولية.

ونظرا لضخامة الاستثمارات والرهانات الإستراتيجية، وضرورة التنسيق المحكم بين جميع مكونات المشروع، وبين الهيئات العمومية، بما فيها وكالة تنمية الأقاليم الشمالية، والفاعلين الاقتصاديين الخواص ، والأشقاء منهم والأصدقاء، قررنا إحداث هيأة للقانون الخاص ، لها صلاحيات السلطة العمومية، وكل الامتيازات الكفيلة بجعلها تنهض،على الوجه الأكمل، بجميع العمليات المرتبطة بإنجاز هذا المشروع الكبير.

وعملا على الإسراع بتحقيق هذا المشروع، الذي نتبناه بكل رعاية واهتمام، فإننا نصدر تعليماتنا لحكومة جلالتنا، قصد اتخذ التدابير القانونية الاستعجالية، لإحداث هذه الهيئة .

وبنفس الحزم والعزم ، فإننا نوجه حكومتنا إلى اعتماد مسطرة تشريعية استعجالية،بالنسبة لإحداث وكالة تنمية أقاليمنا الجنوبية الأثيرة لدينا، التي سبق لنا الإعلان عنها بمناسبة زيارتنا الميمونة لمدينة العيون. وإننا لعازمون على أن تكون هذه الوكالة خير مجسد لتعبئتنا الوطنية ولعملنا الدؤوب على تفعيل منظورنا التنموي المندمج لهذه الأقاليم في نطاق وحدتنا الوطنية والترابية والتطور الديمقراطي الجهوي. ذلكم المنظور الذي على قاعدته قبلنا بمشروع الاتفاق- الإطار الأممي كأساس لإيجاد حل سياسي ونهائي للنزاع المفتعل حول مغربية صحرائنا.

وبقدر ما جاء هذا التوجه الوطني منسجما مع الدعم المتزايد الذي يحظى به الخيار العادل والسلمي الأممي على الصعيد الدولي زادت المواقف المعادية لخصوم وحدتنا الترابية معاكسة مكشوفة لهذا التوجه الأممي. وقد بلغ الأمر حد تبني طرح تقسيمي،أسقط كل التبريرات الواهية التي كان يتم تضليل الرأي العام العالمي بها تحت ذريعة الدفاع المزعوم عن مبدأ تقرير المصير.

وكما أكدنا ذلك للعالم أجمع أثناء زيارتنا المباركة لمدينة العيون، فإننا نجدد الإعلان عن عزمنا الراسخ على صيانة وحدتنا الترابية وعدم التفريط في أي شبر منها. كما أننا نشدد على الرفض المطلق لكل طرح تجزيئي يستهدف النيل من سيادتنا ووحدتنا الترابية المقدسة لما ينطوي عليه من تهديدات ومخاطر بلقنة منطقة المغرب العربي ومجموع القارة الإفريقية. ومع ذلك فإن المغرب بحكم ميراثه الحضاري ومشروعية حقه وثبات مواقفه والتزامه بقيم الاعتدال والحكمة والاتزان والثقة في المستقبل قد آثر عدم سلوك نهج القطيعة التامة مفضلا عليها استئناف تفعيل أنشطة مؤسسات اتحاد المغرب العربي.

وقد كنا نأمل أن يؤدي بناء الاتحاد المغاربي إلى الالتزام بمنطوق وروح معاهدة مراكش وفي مقدمتها احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية لأعضائه وذلك بعدم السماح بأي نشاط يهدد أمن أي كيان أو حرمة أي نظام ويتنافى مع صيانة المصالح العليا لدولنا بمقوماتها الوطنية وما تقتضيه من سمو على كل الحسابات والاعتبارات. غير أن الواقع المر يدلنا على أن موقف اللبس قد انكشف على حقيقته في الاتجاه السلبي المتبني جهارا لتمزيق الوحدة الترابية للمملكة المغربية في الجنوب وتأييد الاعتداء على التراب الوطني في ثغوره الشمالية. فهل كان بإمكان أي دولة من أعضاء الاتحاد أن تسلك غير ما سلكه المغرب فيما لو وقع المس بوحدتها الترابية واحتجاز طائفة من أبنائها كأسرى ضد المواثيق الدولية والمثل الإنسانية والقيم الإسلامية.

إننا لن نسمح لنفسنا بأن يسجل التاريخ كوننا لم نعمل إلا على تضليل شعوبنا وإيهامها بأننا نحقق تطلعاتها للوحدة، في حين أن مواقف البعض لا تزيد تلك الوحدة إلا تمزيقا وتشويها. إن تفعيل الاتحاد المغاربي لن يتأتى إلا بتجاوز الاختلافات والمواقف المتعارضة ونبذ التآمر والتجزئة والخذلان وتحقيق الانسجام في الرؤى والوضوح في الأهداف واحترام الثوابت وسيادة روح الإخاء والثقة والتضامن والتشبع بروح الوحدة والحكمة والتوافق وانتهاج التدرج والعقلانية في توظيف الطاقات المشتركة لتحقيق تطلعات أجيالنا الحالية والمستقبلية إلى قيام مجموعة متكاملة من شأنها أن ترفع تحديات التنمية والتكتلات الدولية وتكسب الرهانات الإستراتيجية للنظام العالمي لما بعد 11 شتنبر . 2001 وعلى هذه الأسس سيظل المغرب مستعدا للحوار البناء والعمل الجدي مع كل أشقائه من أجل بناء الاتحاد المغاربي الذي نعتبره خيارا استراتيجيا لا محيد عنه.

شعبي العزيز،

لقد عرف العالم بعد أحداث سبتمبر المؤسفة تغييرات جوهرية في بنية النظام العالمي والعلاقات الدولية لما كان لها من تداعيات وتأثيرات عميقة على الاستقرار والأمن الدوليين. وقد كنا في طليعة من أدانوا بشدة تلك الأعمال الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة انطلاقا من كون المغرب البلد المتشبع بقيم الحرية والديمقراطية والسلام والتسامح والتعايش قبل وقوع تلك الأحداث الآثمة وسقوط جدار برلين وانهيار دكتاتورية الحزب الوحيد.

ومن ثم كان انخراط المغرب التلقائي والقوي في محاربة الإرهاب حيثما كان. وإننا لنشيد بيقظة وتعبئة أجهزتنا الأمنية وقواتنا العتيدة وأفراد الدرك الملكي والأمن الوطني وحنكة أطر وزارة الداخلية التي تمكنت من إحباط مؤامرة إرهابية موجهة من الخارج ضد أهداف داخل التراب الوطني وخارجه. وبقدر حرصنا على انفتاح المغرب واستمراره ملتقى لتفاعل الحضارات فإننا سنتصدى بقوة القانون لكل محاولة للمس باستقرار بلدنا الآمن.

كما سنوطد بالمزيد من ترسيخ الديمقراطية وانجاز التنمية سلامة النسيج الاجتماعي والسياسي الوطني الذي نعتز بمناعته ضد كل أشكال التطرف أو العنف أو الإرهاب. ولأن الإرهاب لا دين له ولا وطن فإن عملنا الدؤوب من أجل تحصين بلادنا من دواعيه ومخاطره قد اقترن بإسهامنا الدولي الفاعل في استئصال جذوره ضمن مقاربة شمولية. وبصفتنا أميرا للمؤمنين فقد أكدنا في افتتاحنا للمؤتمرات الجهوية والدولية الكبرى التي شهدتها بلادنا على أن الإسلام يناهض الإرهاب لأنه دين التسامح والاعتدال والتساكن والسلام وتكريس كرامة الإنسان وضمان حقه في العيش الآمن . كما شكل انعقاد المنتدى المتوسطي في أكادير مناسبة سانحة لبلدان البحر الأبيض المتوسط للتفكير في وضع تصور إقليمي لمحاربة الإرهاب وترسيخ السلم والأمن في العالم أجمع ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق واصلنا انشغالنا الكبير بالأوضاع المتفجرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقمنا بزيارة مجموعة من الدول الشقيقة بالمنطقة وبادرنا بعقد اجتماع خاص للجنة القدس.

وقد عملنا على بذل كل المساعي والجهود، لدى مختلف الأطراف المؤثرة، من أجل إحياء عملية السلام، والعودة إلى مائدة التفاوض دون قيد أو شرط، وتدشين مرحلة جديدة من التعاون والاستقرار في هذه المنطقة، التي عانت،على مدى عقود طويلة من مواجهات أليمة ومآس مريرة . كما تمكنا بمعية أشقائنا، خلال قمة بيروت من دعم خيار السلام، وذلك بتبني مبادرة شقيقنا الأعز صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية. تلك المبادرة التي أكدت أسس الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن ، والحق المشروع للشعب الفلسطيني الشقيق في إقامة دولة وطنية مستقلة،تتمتع بكل مقومات الاستمرار، وتكون عاصمتها القدس الشر والتزاما منا بانتمائنا الإفريقي المتجذر، عملنا على توسيع قنوات الحوار، موجهين حكومة جلالتنا لتفعيل آليات التعاون والتواصل، مع البلدان الإفريقية الشقيقة، للمساهمة الفعالة في تحقيق التنمية والاستقرار للقارة الإفريقية، التي سعدنا باستقبال عدد من قادتها بالمغرب، ومن بينهم رؤساء دول نهر مانو، التي نقوم بمساع لتحقيق التصالح فيما بينها.

وإلى جانب الحضور الفاعل لبلدنا في تحقيق الأمن والاستقرار في العالم، أولينا،من خلال زيارتنا أو استقبالنا لعدد من رؤساء الدول الشقيقة والصديقة، كل الاهتمام لإعطاء علاقاتنا السياسية الممتازة معها، البعد الاقتصادي الذي يستثمر إشعاع بلدنا الديمقراطي، ويجلب المزيد من الاستثمارات، في إطار دبلوماسية اقتصادية نشيطة. وقد تمكنا مع صديقنا فخامة الرئيس جورج وولكر بوش ، أثناء زيارتنا الموفقة للولايات المتحدة الأمريكية، من توسيع مستوى شراكتنا الإستراتيجية مع هذا البلد الصديق. كما أن زيارتنا الميمونة لجمهورية الصين الشعبية قد أعطت دفعة قوية لتطوير علاقات تعاوننا المثمر مع هذا البلد الأسيوي العريق.

وفي نفس السياق، أعطينا توجيهاتنا قصد بلورة مشروع اتفاقية التبادل الحر ما بين أربع دول عربية متوسطية، ترتبط باتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقيات ثنائية، بشأن إقامة مثل هذه المناطق فيما بينها، مجسدين بذلك ( إعلان أكادير) الذي يعتبر خطوة عملية مفتوحة أمام جميع الدول العربية المتوسطية، للدفع بمسلسل الاندماج الجهوي، والتأسيس لحوار مثمر ومتوازن، على الصعيد الأورو متوسطي.

وتنفيذا لالتزاماتنا، في إطار التعاون المتعدد الأطراف، احتضنت بلادنا وشاركت في عدد من المؤتمرات الدولية المعنية بالتنمية الاقتصادية المستدامة وحقوق الإنسان. وإذا كان الهدف الأسمى لدبلوماسيتنا هو جعل المغرب بلدا مستكملا لوحدته الترابية، وعضوا فاعلا في محيطه الجهوي والدولي، مجسدا لفضائل السلم والتعاون وحسن الجوار، في إطار الاحترام المتبادل، فان له كسائر الدول، حقوقا ثابتة، ومصالح حيوية، لا يمكنه التفريط فيها أو التساهل بشأنها مهما كلفه ذلك من تضحيات وفي مقدمتها الحفاظ على سيادة الوطن وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة وفي إطار احترام الشرعية الدولية. لذلك رفضنا ما قامت به الحكومة الإسبانية من اعتداء عسكري على جزيرة تورة التي تؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية والمستندات القانونية أنها ظلت دوما جزءا من التراب الوطني تابعا لسيادة المملكة المغربية.

وبقدر تشبثنا برجوع الوضع في هذه الجزيرة المغربية إلى ما كان عليه ورفضنا للتصعيد وفرض الأمر الواقع بالقوة فإننا حريصون على ضمان السلم والاستقرار وحسن الجوار في منطقة جبل طارق الإستراتيجية. لذلك ننتظر من إسبانيا توضيح نوع العلاقة التي تريد إقامتها مع المغرب بما يستلزمه التطور الذي يعرفه بلدانا وتقتضيه متطلبات الرهانات الحيوية الحالية والمستقبلية لعلاقاتهما. وفي هذا السياق فإن المغرب لم يفتأ منذ استقلاله يطالب إسبانيا بإنهاء احتلالها لسبتة ومليلية والجزر المجاورة المغتصبة في شمال المملكة سالكا في ذلك سبيل التبصر والنهج السلمي الحضاري الذي يجسده الاقتراح الحكيم لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه بإنشاء خلية مشتركة مغربية إسبانية للتفكير والتأمل لإيجاد حل لمشكل هذه المناطق المحتلة. غير أننا للأسف الشديد لم نجد حتى الآن آذانا صاغية من لدن الطرف الإسباني لتسوية وضع هذه الثغور المغتصبة التي تحولت إلى مراكز لاستنزاف اقتصادنا الوطني وقواعد للهجرة السرية ولكل الممارسات غير المشروعة. أما القضايا الخلافية الأخرى مما هو معتاد بين الجيران فإن المغرب مستعد لتدارسها في إطار نظرة مستقبلية وحوار صريح بين البلدين تحدوهما في ذلك إرادة بناءة وإيمان بضرورة إقامة مشاريع تنموية ثنائية في وفاء صادق لميراثنا الحضاري المشترك والتزام تام بمعاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي تمليها علينا حتمية التاريخ والجغرافيا وقيم العصر ومتطلباته.

شعبي العزيز ..

إن احتفالك بعيد العرش المجيد مناسبة لتجديد العهد الصادق الذي التزمت به مع خديمك الأول في التحام وثيق وتشبث متين بالعرش العلوي المجيد وإعراب دائم عن خالص وفائك وصادق ولائك في تعبئة شاملة وراء خديمك الأول الذي جند نفسه لحماية الوطن والدين وللسير بك نحو مراقي التقدم والازدهار.

وإننا لنغتنم فرصة هذه الذكرى العطرة لننوه بجميع العاملين بحزم وعزم على إدراك هذا المبتغى مشيدين بالساهرين على ما يتطلبه من أمن وطمأنينة واستقرار من قواتنا المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية مع اعتبار خاص لقواتنا المرابطة في أقاليمنا الجنوبية المدافعة عن وحدة التراب والمساهمة في حفظ الأمن والسلام في جهات من العالم. وما أحوجنا في غمرة هذه الأحاسيس إلى استحضار التاريخ القريب والبعيد وما بذله آباؤنا وأجدادنا الأماجد من تضحيات جسام بها حافظ المغرب على وحدته وحريته وشيد حضارته وثقافته وبها رفع كل التحديات التي كانت تواجهه على مر العهود.

وبهذا الاستذكار المليء بالاعتزاز المفعم بالآمال نتوجه إلى الله تعالى أن ينعم عليهم بأحسن الجزاء وأوفاه ويتغمد الشهداء منهم بواسع رحمته وجزيل مغفرته ويسكن في جنات الخلد بطل التحرير جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه وباني المغرب الحديث والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه.

. كما ندعوه عز وجل أن يديم الآصرة الوطيدة التي تجمع بيننا متينة قوية، وأن يعيننا ويسدد خطانا وينجح مسعانا حتى ندرك ما نصبو إليه جميعا من تقدم وإصلاح.

"ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه" صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

للاطلاع أيضا

نص الخطاب الذي ألقاه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال مراسم الاستقبال الرسمي لقداسة البابا فرانسيس

نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين

جلالة الملك يلقي خطابا ساميا بأديس ابابا أمام المشاركين في القمة 28 للاتحاد الافريقي

الرباط 30 يوليو 2016: صاحب الجلالة يوجه خطابا ساميا الى الامة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد

نص الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة

11 أكتوبر 2013: جلالة الملك يترأس افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة

صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى ال37 للمسيرة الخضراء

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب

06 نونبر 2011: نص الخطاب الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين للمسيرة الخضراء

17 يونيو 2011 : الخطاب السامي،الخاص بالدستور الجديد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يلقي خطابا ساميا أمام أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية العاشرة

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube