الأحد 23 ذو الحجة 1440هـ الموافق لـ 25 غشت 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

جمع القرآن: محطات تاريخية

لقي القرآن من المسلمين على مر العصور عناية كبيرة، وحظي بكثير من الحرص والحيطة، فاجتهد أولو العلم من أجل المحافظة عليه بما أوتوا من وسائل وإمكانيات على مختلف العصور. لذلك لم يخل عصر من عصور التاريخ الإسلامي من حملة القرآن وأهله...

اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ القرآن حتى كان يعجل بحفظ القرآن وقت نزوله عليه صلى الله عليه وسلم ، مصداقا لقوله تعالى:(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ). وكان الصحابة يحفظون القرآن بسماعه منه مباشرة، والرسول عليه السلام يشجعهم ويحثهم على تعلُّم القرآن وتعليمه.

تدوين القرآن الكريم
اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر من نزول القرآن بجمع القرآن في القلوب والصدور بِحفظه واستظهاره، ثم ما لبث النبي عليه السلام أن أمر بكتابة القرآن حفظًا له في السطور بعد أن حفظه هو والصحابة في الصدور. ومن أبرز الصحابة الذين انتدبوا لكتابة القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: زيد بن ثابت الأنصاري، وأبيُّ بن كعب الأنصاري، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. ومن كُتَّاب النبي أيضًا: الخلفاء الأربعة.
استعمل الصحابة في كتابة القرآن وسائل محدودة مما توفرت لهم في بيئتهم البسيطة؛ فكتبوا القرآن على الجلود والعظام والحجارة ونحوها، كما كانوا يكتبون القرآن على الرِّقَاع، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأَلواحِ...وغيرها.
وبقي القرآن مكتوبًا على هذه الأشياء محفوظًا عند النبي وأصحابه، ولم يجمع في صحف أو مصاحف في الزمن النبوي، وهو ما عبر عنه "القسطلاني" بقوله: "وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور"(1) لأن آنذاك لم تدع الحاجة إلى ذلك.

ترتيب الآيات والسور
انعقد إجماع العلماء على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي عن الله عز وجل، وأنه لا مَجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعْلَم في ذلك مُخالفٌ (2) .
وأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن في المصحف، فقد اختلف فيه أهل هذا الشأن على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: وهو مذهب الجمهور الذي يرى أن ترتيب السور هو أمر توفيقي من اجتهاد الصحابة، حيث إن النبي فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده. ومن أبرز من نحا إلى هذا الرأي الإمام مالك.
المذهب الثاني: يرى أن هذا الترتيب توقيف من النبي عليه السلام، وبه قالت طائفة من أهل العلم.
المذهب الثالث: يجنح إلى أن ترتيب أغلب السور كان بتوقيف من النبي عليه السلام وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة (3).

العرضة الأخيرة
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن على جبريل كل سنة مرة، ليتأكد حفظه، وليعلم ما طرأ عليه من مواضع النسخ منه. ولما اقترب زمن وفاة النبي عارضه جبريل بالقرآن مرتين، وذلك في رمضان من السنة التي تُوُفِّي فيها، وكان ذلك الأمر من إرهاصات قرب انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.

جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق
لم يُجمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد لعدم وجود داع إلى ذلك. لكن بعد انتقال النبي عليه السلام بالرفيق الأعلى وانقضاء زمن نزول الوحي، جدت في الدولة الإسلامية حوادث خطيرة اضطرت الخليفة الأول أبي بكر الصديق إلى أن يقدم على هذا العمل.
ولعل أبرز تلك الأحداث ارتداد كثير من العرب عن الإسلام ومنعهم الزكاة التي كانوا يؤدونها إلى النبي عليه السلام، فقاتلهم أبو بكر الصديق في وقعة اليمامة سنة إحدى عشرة من الهجرة. هذه المعركة قتل فيها عدد كبير من القراء الحافظين لكتاب الله، فخشي بعض الصحابة أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته.. فهرع عمر بن الخطاب إلى أبي بكر، وطلب منه أن يسرع إلى حفظ الكتاب بجمعه مكتوبًا، حتى لا يذهب بذهاب حُفَّاظه.
تردد أبو بكر أول الأمر مخافة أن يبتدع في الدين ما ليس منه، إلى أن اطمأن قلبه إلى هذا العمل بعد مشاورات دارت بينه وبين عمر وغيرهما من الصحابة. ويعتبر زيد بن ثابت الأنصاري أول من قام بهذا العمل بتكليف من أبي بكر الصديق لأنه كان من حفاظ كتاب الله وممن شهدوا العرضة الأخيرة للقرآن الكريم. وكان تاريخ هذا الجمع في السنة الثانية عشر من الهجرة.

منهج أبي بكر في جمع القرآن
سلك الصحابة في عملية جمع القرآن منهجًا في غاية الدقة والحيطة. وقد بيّن زيدُ بنفسه المنهج الذي سلكه بقوله: "فتتبعت القرآن أجمعه من: الصحف والعُسب واللخاف وصدور الرجال"(4). وعلى هذا فإن منهج زيد في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يقوم على أُسس أربعة: الأول: ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: ما كان محفوظاً في صدور الرجال . الثالث : أن لا يقبل شيئاً من المكتوب حتى يشهد شاهدان على أنه كُتب بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم. والرابع: أن لا يقبل من صدور الرجال إلا ما تلقوه من فم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهكذا جمع القرآن في هذه المرحلة وفق منهج دقيق في التحري والتثبت العلمي، فحصل إجماع الأمة على قبوله. ثم إن هذا الجمع كان مرتب الآيات باتفاق. واختلف العلماء في السور: هل كانت مرتبة في هذا الجمع أم أن ترتيبها كان في عهد عثمان رضي الله عنه. كما اتفق العلماء على أنه كُتب نسخة واحدة من القرآن في هذا الجمع حفظها أبو بكر باعتباره إمام المسلمين.

جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
حدثت في زمن عثمان بن عفان أحداث أدّت إلى التفكير في جمع القرآن مرة ثانية، وإرسال نسخٍ منه إلى الأمصار. وكانت من أهم تلك المستجدات اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتفرق الصحابة فيها . فكان الصحابة في مختلف الأمصار يُقرِئون القرآنُ بالحرف الذي تلقوه من الأحرف السبعة؛ فكان أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهلُ الشام فيُكفر بعضهم بعضاً. وكادت فتنةٌ عظيمةٌ تقع بين المسلمين في الأمصار بسبب الاختلاف في حروف القراءات، فقام الخليفة عثمان ومن معه من الصحابة فنسخوا المصاحف وأرسلوها إلى مختلف الأمصار.
أجمع الصحابة -بعد ما رأوا من اختلاف الناس في القراءة- على أن يجمعوا القرآن في مصحف واحد، ويرسلوا منه نُسَخًا إلى الأمصار، لتكون مرجعًا للناس عند الاختلاف. فانتدب عثمان بن عفان لذلك اثني عشر رجلاً، وأمرهم بأن يكتبوا القرآن في الْمصاحف، وأن يرجعوا عند الاختلاف إلى لغة قريش. وكان ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل سنة 25 كما قال ابن حجر العسقلاني.
اختار عثمان رضي الله عنه أربعة من الصحابة لنسخ المصاحف وهم:زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، وهؤلاء الثلاثة من قريش. كان المقصود من جمع القرآن زمن عثمان قطع دابر الفتنة التي طرأت على المسلمين من الاختلاف في كتاب الله، بجمع وتحديد الأوجه المتواترة المجمع عليها في تلاوة القرآن، وإبعاد كل ما لم تثبت قرآنيته، سواء بنسخ، أو بأن لم يكن قرآنًا أصلاً.
سلك عثمان منهجاً فريداً وطريقاً سليماً أجمعت الأمة على سلامته ودقته:
- الاعتماد على جمع أبي بكر الصديق، ويظهر هذا جليًّا في طلب عثمان الصحف التي جمع فيها أبو بكرٍ القرآن من حفصة، رضي الله عنها، وهذه الصحف كانت مستندة إلى الأصل المكتوب بين يدي النَّبِيّ عليه السلام.
- أن يتعهد لجنة الجمع ويشرف عليها خليفة المسلمين بنفسه.
- أن يأتي كلُّ مَن عنده شيءٌ من القرآن سمعه من الرَّسُول بِما عنده، وأن يشترك الجميع في علم ما جُمِع، فلا يغيب عن جمع القرآن أحدٌ عنده شيء منه، ولا يرتاب أحدٌ فيما يودَع المصحف، ولا يُشَكُّ في أنه جمِع عن ملأٍ منهم.
- الاقتصار عند الاختلاف على لغة قريش.
- أن يُمنع كتابة ما نُسخت تلاوته، وما لم يكن في العرضة الأخيرة، وما كانت روايته آحادًا، وما لم تُعلم قرآنيته، أو ما ليس بقرآن، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، شرحًا لمعنىً، أو بيانًا لناسخ أو منسوخٍ، أو نحو ذلك.
- أن يشتمل الجمع على الأحرف التي نزل بِها القرآن، والتي ثبت عرضها في العرضة الأخيرة(5).
بعد الفراغ من نسخ المصاحف بعث عثمان بنسخ منها إلى الأمصار الإسلامية حيث نشط المسلمون في نسخ مصاحف منها للأفراد. وكان زيد بن ثابت في المدينة يتفرغ في رمضان من كل سنة لعرض المصاحف فيعرضون مصاحفهم عليه وبين يديه مصحف أهل المدينة .
تميز هذا الجمع بمزايا عديدة منها: الاقتصار على حرف واحد من الأحرف السبعة. كما أهمل ما نسخت تلاوته؛ إذ كان قصد عثمان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أُثْبِتَ مع تنـزيل، ولا منسوخ تلاوته كُتب مع مُثبتٍ رسمه.. مع الاقتصار على ما ثبت في العرضة الأخيرة وإهمال ما عداها.

الهوامش

(1) - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، 7/446
(2)- مناهل العرفان لعبد العظيم الزرقاني،1/346
(3)- البرهان (1/258).
(4)- رواه البخاري في صحيحه
(5)- انظر البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، ج1/235-239.

اقرأ أيضا:

الرسم المصحفي، محمد السيد علي بلاسي

للاطلاع أيضا

العناية بالقرآن الكريم.. حصانة روحية ودعامة أساسية للحفاظ على الهوية المغربية وثوابتها الدينية

مظاهر الاحتفاء الرسمي بالقرآن الكريم

تاريخ المصحف العثماني في المغرب

مصاحف نموذجية بخطوط مغربية

مصاحف نموذجية بخطوط مغربية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة عيد الأضحى المبارك بمسجد الحسن الثاني بتطوان ويتقبل التهاني بالمناسبة السعيدة
facebook twitter youtube